الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  3185 36 - حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو قال : حدثنا إبراهيم بن نافع ، عن كثير بن كثير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان خرج بإسماعيل وأم إسماعيل ، ومعهم شنة فيها ماء ، فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة فيدر لبنها على صبيها حتى قدم مكة فوضعها تحت دوحة ، ثم رجع إبراهيم إلى أهله ، فاتبعته أم إسماعيل حتى لما بلغوا كداء نادته من ورائه : يا إبراهيم إلى من تتركنا ؟ قال : إلى الله . قالت : رضيت بالله ، قال : فرجعت فجعلت تشرب من الشنة ويدر لبنها على صبيها ، حتى لما فني الماء قالت : لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا قال : فذهبت فصعدت الصفا ، فنظرت ونظرت هل تحس أحدا فلم تحس أحدا ، فلما بلغت الوادي سعت وأتت المروة ، ففعلت ذلك أشواطا ، ثم قالت : لو ذهبت فنظرت ما فعل تعني الصبي ، فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه ينشغ للموت ، فلم تقرها نفسها فقالت : لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدا ، فذهبت فصعدت الصفا فنظرت ونظرت فلم تحس أحدا حتى أتمت سبعا ، ثم قالت : لو ذهبت فنظرت ما فعل ، فإذا هي بصوت فقالت : أغث إن كان عندك خير ، فإذا جبريل قال : فقال بعقبه هكذا ، وغمز عقبه على الأرض قال : فانبثق الماء ، فدهشت أم إسماعيل ، فجعلت تحفر ، قال : فقال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم : لو تركته كان الماء ظاهرا قال : فجعلت تشرب من الماء ويدر لبنها على صبيها ، قال : [ ص: 261 ] فمر ناس من جرهم ببطن الوادي ، فإذا هم بطير كأنهم أنكروا ذلك ، وقالوا : ما يكون الطير إلا على ماء ، فبعثوا رسولهم ، فنظر ، فإذا هم بالماء ، فأتاهم فأخبرهم ، فأتوا إليها فقالوا : يا أم إسماعيل أتأذنين لنا أن نكون معك أو نسكن معك ؟ فبلغ ابنها فنكح فيهم امرأة ، قال : ثم إنه بدا لإبراهيم - صلى الله عليه وسلم - فقال لأهله : إني مطلع تركتي قال : فجاء فسلم فقال : أين إسماعيل ؟ فقالت امرأته : ذهب يصيد قال قولي له إذا جاء : غير عتبة بابك ، فلما جاء أخبرته ، قال : أنت ذاك فاذهبي إلى أهلك ، قال : ثم إنه بدا لإبراهيم فقال لأهله : إني مطلع تركتي ، قال : فجاء فقال : أين إسماعيل ؟ فقالت امرأته : ذهب يصيد ، فقالت : ألا تنزل فتطعم وتشرب ؟ فقال : وما طعامكم وما شرابكم ؟ قالت : طعامنا اللحم وشرابنا الماء ، قال : اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم ، قال : فقال أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم - بركة بدعوة إبراهيم - صلى الله عليهما وسلم - قال : ثم إنه بدا لإبراهيم - صلى الله عليه وسلم - فقال لأهله : إني مطلع تركتي ، فجاء فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح نبلا له ، فقال : يا إسماعيل إن ربك أمرني أن أبني له بيتا ، قال : أطع ربك ، قال : إنه أمرني أن تعينني عليه ، قال : إذن أفعل ، أو كما قال . قال : فقاما فجعل إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة ، ويقولان : ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم قال حتى ارتفع البناء وضعف الشيخ على نقل الحجارة ، فقام على حجر المقام ، فجعل يناوله الحجارة ويقولان : ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  هذا طريق ثالث لحديث ابن عباس وعبد الله بن محمد البخاري المعروف بالمسندي ، وأبو عامر هو العقدي ، وإبراهيم بن نافع المخزومي المكي .

                                                                                                                                                                                  قوله : " وبين أهله " يعني سارة لما ولدت هاجر إسماعيل ، وقد تقدمت قصتها . قوله : " ما كان " أي من جنس الخصومة التي هي معتادة بين الضرائر ، قوله : " حتى لما بلغوا " أي نادته حين البلوغ . قوله : " كداء " قد مر الكلام فيه مع الخلاف في ضبطه ، قوله : " كأنه ينشغ " من النشغ بالنون والشين والغين المعجمتين وهو الشهيق من الصدر حتى كاد يبلغ به الغشي ، أي يعلو نفسه كأنه شهيق من شدة ما يرد عليه ، قوله : " فلم تقرها " نفسها من الإقرار في المكان ، ونفسها مرفوع بأنه فاعله ، قوله : " فقال بعقبه " أي أشار به ، وهذا من المواضع التي يستعمل فيها قال في غير معناه . قوله : " فانبثق " أي انخرق وتفجر ومادته باء موحدة وثاء مثلثة وقاف . قوله : " تحفر " بالراء ، ويروى : تحفن بالنون ، أي تملأ الكفين . قوله : " فبلغ " الفاء فيه فصيحة ، أي فأذنت ، فكان كذا ، فبلغ قوله : " بدا " أي ظهر لإبراهيم التوجه إلى هاجر .

                                                                                                                                                                                  قوله : " بركة " مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي هي بركة أو بالعكس أي زمزم بركة ، أو في طعام مكة وشرابها بركة ، وسياق الكلام يدل عليه . قوله : " عتبة بابك " ويروى " بيتك " . قوله : " على نقل الحجارة " ويروى عن نقل الحجارة .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية