الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  639 62 - حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا أنس بن سيرين، قال: سمعت أنسا يقول: قال رجل من الأنصار: إني لا أستطيع الصلاة معك، وكان رجلا ضخما فصنع للنبي طعاما، فدعاه إلى منزله فبسط له حصيرا، ونضح طرف الحصير فصلى عليه ركعتين، فقال رجل من آل الجارود لأنس: أكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الضحى؟ قال: ما رأيته صلاها إلا يومئذ.

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة من حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي بسائر الحاضرين عند غيبة الرجل الضخم، فينطبق الحديث على قوله: (باب: هل يصلي الإمام بمن حضر)، فإن قلت ليس في حديث أنس ذكر الخطبة قلت: لا يلزم أن يدل كل حديث في الباب على كل الترجمة بل لو دل البعض على البعض لكفى.

                                                                                                                                                                                  ذكر رجاله وهم أربعة: الأول آدم بن أبي إياس وقد تكرر ذكره، الثاني شعبة بن الحجاج كذلك، الثالث أنس بن سيرين ابن أخي محمد بن سيرين مولى أنس بن مالك الأنصاري مات بعد سنة عشر ومائة، الرابع أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.

                                                                                                                                                                                  (ذكر لطائف إسناده) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه السماع، وفيه القول في خمسة مواضع، وفيه أن شيخ البخاري من أفراده، وفيه أن رواته ما بين عسقلاني، وواسطي، وبصري.

                                                                                                                                                                                  ذكر تعدد موضعه، ومن أخرجه غيره، أخرجه البخاري أيضا في صلاة الضحى عن علي بن الجعد عن شعبة، وفي الأدب عن محمد بن سلام، وأخرجه أبو داود في الصلاة عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة .

                                                                                                                                                                                  (ذكر معناه) قوله: ( قال رجل من الأنصار )، قال بعضهم: قيل إنه عتبان بن مالك، وهو محتمل لتقارب القضيتين، قلت: هو مبهم لا يفسر بهذا الاحتمال، وأيضا من هو هذا القائل ينظر فيه. قوله: ( معك ) أي في الجماعة في المسجد. قوله: ( ضخما ) أي سمينا، والضخم الغليظ من كل شيء. قوله: ( حصيرا ) قال ابن سيده : الحصير سقيفة تصنع من بردي وأسل ثم تفترش، سمي بذلك لأنه يلي وجه الأرض، ووجه الأرض سمي حصيرا، وفي (الجمهرة) الحصير عربي سمي حصيرا لانضمام بعضه إلى بعض، وقال الجوهري : الحصير البارية. قوله: ( ونضح طرف الحصير ) النضح بمعنى الرش إن كانت النجاسة متوهمة في طرف الحصير، وبمعنى الغسل إن كانت متحققة أو يكون النضح لأجل تليينه لأجل الصلاة عليه. قوله: ( رجل من آل الجارود )، وفي أبي داود : قال فلان بن الجارود لأنس، والجارود بالجيم، وبضم الراء، وبعد الراء دال مهملة قوله: ( أكان النبي - صلى الله عليه وسلم -) الهمزة فيه للاستفهام.

                                                                                                                                                                                  (ذكر ما يستفاد منه) وهو على وجوه: الأول فيه جواز اتخاذ الطعام لأولي الفضل ليستفيد من علمهم، الثاني فيه استحباب إجابة الدعوة وقيل بالوجوب، الثالث فيه جواز الصلاة على الحصير من غير كراهة، وفي معناه كل شيء يعمل من نبات الأرض، وهذا إجماع إلا ما روي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه فإنه كان يعمل لأجل التواضع كما [ ص: 196 ] في قوله صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل : عفر وجهك بالتراب، فإن قلت ما تقول في حديث يزيد بن المقدام عند ابن أبي شيبة عن المقدام عن أبيه شريح أنه سأل عائشة : أكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي على الحصير فإني سمعت في كتاب الله عز وجل: وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ؟ فقالت: لا ، لم يكن يصلي عليه. قلت: هذا ليس بصحيح لضعف يزيد ويرده الرواية الصحيحة، الرابع فيه جواز التطوع بالجماعة، الخامس فيه استحباب صلاة الضحى لأن أنسا أخبر أنه صلاها ولكن ما رآها إلا يومئذ يعني يوم كان في منزل رجل من الأنصار، وروى أبو داود من حديث أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله تعالى عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى يوم الفتح سبحة الضحى ثمان ركعات يسلم في كل ركعتين، وروي أيضا من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن عبد الله بن شقيق سألها: هل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه . الحديث، وأخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي مطولا ومختصرا، والجمع بين حديث عائشة في نفي صلاته - صلى الله عليه وسلم - الضحى، وإثباتها هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصليها في بعض الأوقات لفضلها ويتركها في بعضها خشية أن تفرض، وتأويل قولها لا إلا أن يجيء من مغيبه ما رأيته كما قالت في الرواية الأخرى ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي سبحة الضحى، وسببه أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - ما كان يكون عند عائشة في وقت الضحى إلا في نادر من الأوقات، وقد يكون في ذلك مسافرا، وقد يكون حاضرا، ولكنه في المسجد أو في موضع آخر، وإذا كان عند نسائه فإنما كان لها يوم من تسعة فيصح قولها ما رأيته يصليها كما في رواية مسلم، وكذا يصح قولها لا كما في رواية أبي داود أو يكون معنى قولها لا ما رأيته يصليها ويداوم عليها، فيكون نفيا للمداومة لا لأصلها فافهم، فإن قلت قد صح عن ابن عمر أنه قال في الضحى هي بدعة ، قلت: هو محمول على أن صلاتها في المسجد، والتظاهر بها كما كانوا يفعلونه بدعة لا أن أصلها في البيوت ونحوها مذموم، أو يقال قوله: (بدعة) أي المواظبة عليها لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يواظب عليها خشية أن تفرض، وقد يقال: إن ابن عمر لم يبلغه فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الضحى، وأمره بها، وكيف ما كان فجمهور العلماء على استحباب الضحى، وإنما نقل التوقف فيها عن ابن مسعود، وابن عمر، وقال ابن أبي شيبة : حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن توبة العنبري، عن مورق العجلي، قال: قلت لابن عمر : أتصلي الضحى؟ قال: لا، قلت: صلاها عمر؟ قال: لا، قلت: صلاها أبو بكر؟ قال: لا، قلت: صلاها النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: لا إخال. حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة قال: لم يخبرني أحد من الناس أنه رأى ابن مسعود يصلي الضحى، السادس فيه جواز ترك الجماعة لأجل السمن، وزعم ابن حبان في (صحيحه) أنه تتبع الأعذار المانعة من إتيان الجماعة من السنن فوجدها عشرا: المرض المانع من الإتيان إليها، وحضور الطعام عند المغرب، والنسيان العارض في بعض الأحوال، والسمن المفرط، ووجود المرء حاجته في نفسه، وخوف الإنسان على نفسه وماله في طريقه إلى المسجد، والبرد الشديد، والمطر المؤذي، ووجود الظلمة التي يخاف المرء على نفسه المشي فيها، وأكل الثوم والبصل والكراث.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية