الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  2144 4 - ( حدثنا إبراهيم بن موسى قال : أخبرنا هشام عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة - رضي الله عنها - واستأجر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر رجلا من بني الديل ، ثم من بني عبد بن عدي هاديا خريتا . الخريت الماهر بالهداية قد غمس يمين حلف في آل العاصي [ ص: 81 ] ابن وائل ، وهو على دين كفار قريش ، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما ، ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال ، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث فارتحلا ، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل الديلي ، فأخذ بهم وهو على طريق الساحل ) .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة في " واستأجر النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - وأبو بكر رجلا من بني الديل " ، وهذا صريح في أنه - صلى الله عليه وآله وسلم - وأبا بكر - رضي الله تعالى عنه - استأجرا هذا الرجل وهو مشرك إذ لم يجدا أحدا من أهل الإسلام ، وقول بعضهم : وفي استشهاده باستئجار الدليل المشرك على ذلك نظر ، قول واه صادر من غير ترو ولا تأمل على ما لا يخفى ، وهذا الحديث يأتي كاملا في أواخر كتاب الإجارة ، قوله : " واستأجر " بواو العطف إنما وقع في رواية الأصيلي وأبي الوقت ، وفي رواية غيرهما وقع " استأجر " بدون حرف العطف ، وهي ثابتة في الأصل في نفس الحديث الطويل ; لأن القصة معطوفة على قصة قبلها ، وقال الكرماني : واستأجر ذكر بالواو إشعارا بأنه قد تقدم لها كلمات أخر في حكاية هجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعطف هذا عليها ( قلت ) نسب بعضهم الكرماني في قوله هذا إلى الوهم حيث قال : ووهم من زعم أن المصنف زاد الواو للتنبيه على أنه اقتطع هذا القدر من الحديث ، انتهى ( قلت ) هذا القائل وهم في نقله كلام الكرماني على هذا الوجه ; لأنه لم يقل بأن المصنف زاد الواو إلى آخره على هذا الوجه ، وما غر هذا القائل فيما قاله إلا قول الكرماني إشعارا ، وقوله : فعطف هذا عليها وأخذ منهما ما ذهب إليه وهمه فنسبه إلى الوهم ، ومعنى قوله : إشعارا ، يعني للإشعار بأنه واو العطف حيث قال : قد تقدم لها كلمات أخر يعني من المعطوف عليه ، ومعنى قوله : فعطف هذا عليها ، يعني أظهر واو العطف على الكلمات التي تقدمت ، لا أنه زاد المصنف من عنده واو العطف .

                                                                                                                                                                                  قوله : " رجلا من بني الديل " واسم هذا الرجل عبد الله بن أرقم ، فيما قاله ابن إسحاق ، وقال ابن هشام : عبد الله بن أريقط ، وقال مالك : اسمه رقيط والديلي بكسر الدال وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره لام ، وقال الرشاطي : الديل في الأزد الديلي بن هداء بن زيد ، وفي ثعلب : الديل بن زيد ، وفي إياد الديل بن أمية ، وفي ضبة الديل بن ثعلبة ، وفي عبد القيس الديل بن عمرو ، والنسبة إلى ذلك كله الديل بكسر الدال وإسكان الياء من دال يديل إذا تعلق الشيء وتحرك ، ويقال : منه اندال يندال ، وقال ابن هشام : رجلا من بني الديلي بن بكر ، وكانت أمه من بني سهم بن عمرو ، وكان مشركا ، قوله : " من بني الديل " جملة في محل النصب على أنها صفة لقوله رجلا ، قوله : " ثم من بني عبد بن عدي " وعبد خلاف الحر ، وعدي بفتح العين المهملة وكسر الدال وتشديد الياء من بني بكر ، قوله : " هاديا " صفة لرجلا أيضا من هداه الطريق إذا أرشده إليه ، قوله : " خريتا " أيضا صفة بعد صفة ، والخريت بكسر الخاء المعجمة وتشديد الراء وسكون الياء آخر الحروف بعدها تاء مثناة من فوق ، وهو الماهر الذي يهتدي لأخرات المفازة ، وهي طرقها الخفية ومضايقها ، وقيل : أراد به أنه يهتدي لمثل خرت الإبرة من الطريق أي ثقبها ، وحكى الكسائي : خرتنا الأرض إذا عرفناها ولم تخف علينا طرقها ، قوله : " الخريت الماهر " بالهداية مدرج من قول الزهري ، قوله : " قد غمس يمين حلف " أي دخل في جملتهم وغمس نفسه في ذلك ، والحلف بكسر الحاء العهد الذي يكون بين القوم ، وإنما قال : غمس إما لأن عادتهم أنهم كانوا يغمسون أيديهم في الماء ونحوه عند التحالف ، وإما أنه أراد بالغمس الشدة ، قوله : " العاص بن وائل " بالهمزة بعد الألف وباللام ، ويقال : العاصي ، بالياء وبدونه ، وآل العاص هم بنو سهم رهط من قريش ، قوله : "فأمناه " أي فأمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر الرجل ، من أمنت فلانا فهو آمن وذاك مأمون ، قوله : " راحلتيهما " تثنية راحلة وهي من الإبل البعير القوي على الأسفار والأحمال ، والذكر والأنثى فيه سواء ، والتاء فيها للمبالغة ، وقال الواقدي : كان أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - اشتراهما بثمانمائة درهم ، وكان حبسهما في داره يعلفها إعدادا للسفر ، قال ابن إسحاق : لما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قدم له أفضلهما فقال : اركب يا رسول الله فداك أبي وأمي ، فقال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : إني لا أركب بعيرا ليس لي ، قال : فهي لك يا رسول الله بأبي وأمي ، قال : ما الثمن الذي ابتعتها به ؟ قال : كذا وكذا ، قال : أخذتها بذلك ، قال : فهي لك يا رسول الله ، وروى الواقدي أنه أخذ [ ص: 82 ] القصوى ، وروى ابن عساكر بإسناده عن عائشة أنها قالت : هي الجدعاء ، فركبا وانطلقا ، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه خلفه للخدمة في الطريق ، قوله : " غار ثور " الغار بالغين المعجمة : الكهف ، وثور : اسم الحيوان المشهور ، جبل بأسفل مكة ، وفيه الغار الذي بات فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر لما هاجرا ، قوله : " معهما " أي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر - رضي الله تعالى عنه - قوله : " عامر بن فهيرة " بضم الفاء وفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف وفتح الراء الأزدي ، وكان أسود اللون مملوكا للطفيل بن عبد الله فاشتراه أبو بكر الصديق منه ، فأعتقه ، وكان دخوله في الإسلام قبل دخول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دار الأرقم ، وكان حسن الإسلام ، وهاجر معهما إلى المدينة ، وكان ثالثهما ، قتل يوم بئر معونة - بفتح الميم وبالنون - سنة أربع من الهجرة ، قوله : " فأخذ بهم " أي فأخذ الدليل الديلي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعامر بن فهيرة أي ملتبسا بهم ، قوله : " وهو على طريق الساحل " أي طريق ساحل البحر ، ويروى : فأخذ بهم طريق ساحل البحر .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه استئجار المسلم الكافر على هدايته الطريق ( قلت ) وعلى غيرها أيضا ، وفيه استئجار الرجلين الواحد على عمل واحد لهما ، وفيه استئجار الرجل على أن يدخل في العمل بعد أيام معلومة فيصح عقدهما قبل العمل ، وقياسه أن يستأجر منزلا مدة معلومة قبل مجيء السنة بأيام ، وأجاز مالك وأصحابه استئجار الأجير على أن يعمل بعد يوم أو يومين أو ما قرب هذا إذا نقده الأجرة . واختلفوا فيما إذا استأجره ليعمل بعد شهر أو سنة ولم ينقده ، فأجازه مالك وابن القاسم ، وقال أشهب : لا يجوز ، ووجهه أنه لا يدري أيعيش المستأجر أو الدابة ، واتفقوا على أنه لا يجوز في الراحلة المعينة والأجير المعين ، وأما إذا كان كراء مضمونا فيجوز فيه ضرب الأجل البعيد وتقديم رأس المال ، ولا يجوز أن يتأخر رأس المال إلى اليومين والثلاثة ; لأنه إذا تأخر كان من باب بيع الدين بالدين ، وتفسير الكراء المضمون أن يستأجره على حمولة بعينها على غير دابة معينة ، والإجارة المضمونة أن يستأجره على بناء بيت لا يشترط عليه عمل يده ويصف له طوله وعرضه وجميع آلته على أن المؤنة فيه كلها على العامل مضمونا عليه حتى يتمه ، فإن مات قبل تمامه كان ذلك في ماله ولا يضره بعد الأجل . وفيه ائتمان أهل الشرك على السر والمال إذا عهد منهم وفاء ومروءة كما استأمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا المشرك لما كانوا عليه من بقية دين إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - وإن كان من الأعداء لكنه علم منه مروءة وائتمنه من أجلها على سره في الخروج من مكة ، وعلى الناقتين اللتين دفعهما إليه ليوافيهما بهما بعد ثلاث في غار ثور .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية