الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              1190 [ ص: 422 ] 5 - باب: الإذن بالجنازة

                                                                                                                                                                                                                              وقال أبو رافع : عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "ألا آذنتموني " . [انظر : 458]

                                                                                                                                                                                                                              1247 - حدثنا محمد ، أخبرنا أبو معاوية ، عن أبي إسحاق الشيباني ، عن الشعبي ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : مات إنسان كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعوده فمات بالليل فدفنوه ليلا ، فلما أصبح أخبروه ، فقال : "ما منعكم أن تعلموني ؟ " . قالوا : كان الليل فكرهنا -وكانت ظلمة- أن نشق عليك . فأتى قبره فصلى عليه . [انظر : 857 - مسلم :954 - فتح: 3 \ 117]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              ثم ذكر حديث ابن عباس : مات إنسان كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعوده فمات بالليل فدفنوه ليلا ، فلما أصبح أخبروه ، فقال : "ما منعكم أن تعلموني ؟ " . قالوا : كان الليل فكرهنا -وكانت ظلمة - أن نشق عليك . فأتى قبره فصلى عليه .

                                                                                                                                                                                                                              الشرح :

                                                                                                                                                                                                                              أما تعليق أبي رافع فسلف مسندا في باب : كنس المسجد .

                                                                                                                                                                                                                              وحديث ابن عباس أخرجه مسلم مختصرا أنه - عليه السلام - صلى على قبر بعد ما دفن فكبر عليه أربعا .

                                                                                                                                                                                                                              والبخاري أخرجه عن محمد ثنا أبو معاوية ، وأبو معاوية روى عنه المحمدان ابن المثنى وابن سلام شيخا البخاري .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 423 ] وروي عن الشعبي مرة فقال : بعد موته بثلاث .

                                                                                                                                                                                                                              وروي : بعد ما دفن بليلتين . وروي بعد شهر .

                                                                                                                                                                                                                              قال الدارقطني : تفرد بهذا بشر بن آدم . وخالفه غيره فقال : بعد ما دفن .

                                                                                                                                                                                                                              أما فقه الباب :

                                                                                                                                                                                                                              ففيه : الإذن بالجنازة والإعلام به وقد سلف ما فيه في الباب قبله .

                                                                                                                                                                                                                              وهو سنة بخلاف قول من كره ذلك كما سلف .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 424 ] وروي عن ابن عمر أنه كان إذا مات له ميت تحين غفلة الناس ثم خرج بجنازته ، والحجة في السنة لا فيما خالفها ، وقد روي عن ابن عمر في ذلك ما يوافق السنة ، وذلك أنه نعي له رافع بن خديج . قال : كيف تريدون أن تصبحوا به ؟ قالوا : نحبسه حتى نرسل إلى قباء وإلى قرى حول المدينة فيشهدوا . قال : نعم ما رأيتم . وكان أبو هريرة يمر بالمجالس فيقول : إن أخاكم قد مات فاشهدوا جنازته . وصلاته - عليه السلام - على هذا الفتى ; لأنه كان يخدم المسجد .

                                                                                                                                                                                                                              وقد روى أبو هريرة في هذا الحديث أن رجلا أسود أو امرأة سوداء كان يكون في المسجد يقمه فمات .

                                                                                                                                                                                                                              وروى مالك عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن مسكينة مرضت ، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمرضها -وكان - صلى الله عليه وسلم - يعود المساكين- فقال : "إذا ماتت فآذنوني " . فخرج بجنازتها ليلا ، وذكر الحديث . فإنما صلى على القبر ; لأنه كان وعد ليصلي عليه ;

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 425 ] ليكرمه بذلك ; لإكرامه بيت الله ; ليحتمل المسلمون من تنزيه المساجد ، ما ينالون به هذه الفضيلة .

                                                                                                                                                                                                                              وسيأتي اختلاف العلماء في الصلاة على القبر بعد ما يدفن في بابه ، ومشهور مذهب مالك أنه لا يصلى على القبر ، فإن دفن بغير صلاة فقولان ، وعلى النفي أقوال : ثالثها : يخرج ما لم يطل . والخروج بالجنازة ليلا جائز ، والأفضل نهارا ; لانتفاء المشقة ، وكثرة المصلين ، فإن كان لضرورة فلا بأس ، رواه علي عن مالك . وكراهتهم المشقة عليه من باب تعظيمه وإكرامه ، مع أنه كان لا يوقظ من نومه ; لأنهم كانوا لا يدرون ما يحدث له في نومه .

                                                                                                                                                                                                                              وفيه : تعجيل الجنازة فإنهم ظنوا أن ذلك آكد من إيذانه .

                                                                                                                                                                                                                              وقوله : (فأتى قبره ، فصلى عليه ) . ظاهر في الصلاة عليه ، وقد سلف ما فيه عن مشهور مذهب مالك كما نقله ابن الحاجب .

                                                                                                                                                                                                                              وقال ابن التين : جمهور أصحابهم على الجواز ، خلافا لأشهب وسحنون فإنما قالا : إن نسي أن يصلي على الميت ، فلا يصلي على قبره وليدع له . قال سحنون : ولا أجعله ذريعة إلى الصلاة على القبور .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 426 ] قال ابن القاسم : وسائر أصحابنا يصلي على القبر إذا فاتت الصلاة على الميت ، وأما إذا لم تفت وكان قد صلي عليه فلا يصلي عليه ، وقال ابن وهب عن مالك ، ذلك جائز .

                                                                                                                                                                                                                              وبه قال الشافعي وعبد الله بن وهب صاحب مالك وابن عبد الحكم ، وأحمد ، وإسحاق ، وداود ، وسائر أصحاب الحديث .

                                                                                                                                                                                                                              قال أحمد بن حنبل : روي الصلاة على القبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من ستة وجوه كلها حسان .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 427 ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 428 ] قال أبو عمر : وكرهها النخعي والحسن وهو قول أبي حنيفة ، والثوري ، والأوزاعي والحسن بن حي والليث بن سعد . قال ابن القاسم : قلت لمالك : فالحديث الذي جاء في الصلاة عليه . قال : قد جاء ، ليس عليه العمل .

                                                                                                                                                                                                                              قلت : وبعضهم أجاب بالخصوصية بأن صلاته عليهم نور كما صح ، وبأنه الولي فلا تسقط بصلاة غيره وهو قول جماعة منهم ، ومنهم من قال : تسقط ولا تعاد .

                                                                                                                                                                                                                              قال أبو عمر : وأجمع من رأى الصلاة على القبر : أنه لا يصلى عليه إلا بقرب ما يدفن . وأكثر ما قالوا في ذلك : شهر . وقال أبو حنيفة : لا يصلى على قبر مرتين ، إلا أن يكون الذي صلى عليها غير وليها ، فيعيد وليها الصلاة عليها إن كانت لم تدفن فإن دفنت أعادها على القبر .




                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية