الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
1625 [ 931 ] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا سفيان، عن مطرف، عن الشعبي، عن أبي جحيفة قال: سألت عليا رضي الله عنه: هل عندكم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء سوى القرآن؟

فقال: [لا] والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يعطي الله تعالى عبدا فهما في كتابه وما في الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟

قال: العقل وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر.
.

وفي موضع آخر: ولا يقتل مؤمن بكافر .

التالي السابق


الشرح

مطرف: هو ابن طريف الحارثي الكوفي أبو بكر، ويقال: أبو عبد الرحمن.

سمع: الشعبي، وأبا السفر، والحكم بن عتيبة.

وروى عنه: ابن عيينة، وجرير بن عبد الحميد، والثوري، والزهري [ومحمد بن] فضيل، وغيرهم. مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة.

[ ص: 205 ] والحديث الأول مرسل، لكنه من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وذكر الشافعي أنه مستفيض عند أهل المغازي فيما تكلم به النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبته يوم الفتح.

والحديث الثاني أخرجه البخاري عن صدقة [بن] الفضل عن سفيان بن عيينة، ورواه عن مطرف كما رواه سفيان: زهير، وأخرجه البخاري من روايته أيضا، فرواه عن أحمد بن يونس عن زهير.

وقوله: "وبرأ النسمة" عن الخليل: أن النسمة الإنسان، والمعنى والذي خلق الإنسان، ويقال أن النسمة تكون بمعنى الروح وتكون بمعنى البدن.

وقوله: "إلا أن يعطي الله عبدا فهما في كتابه" قال الإمام أبو سليمان الخطابي: يعني ما يفهم من فحوى كلامه ويستدرك من باطن معانيه، ويدخل في ذلك جميع وجوه القياس والاستنباط.

وقوله: "العقل" أراد به ما تحمله العاقلة من دية القتل خطأ، وذلك لأن ظاهره يخالف الكتاب وهو قوله تعالى: ولا تزر وازرة وزر أخرى لكنه ثبت ذلك في السنة وأريد به المعونة وقصد فيه المصلحة.

وفكاك الأسير: نوع من البر والمعونة زائد على الحقوق الموظفة [ ص: 206 ] في الأموال.

قال: وأما قوله: "ولا يقتل مسلم بكافر" فإنما أدخله في جملة المستثنى عن ظاهر القرآن; لأن عمومه حيث قال: النفس بالنفس يقتضي وجوب القود وإن كان القتيل كافرا، وعن الحسن عن قيس بن [عباد] قال: أتينا عليا رضي الله عنه أنا [و] ، جارية بن قدامة السعدي، فقلنا: هل معك عهد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: لا، إلا ما في قراب سيفي، فأخرج إلينا منه كتابا فقرأه فإذا فيه: "المسلمون تتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم، ألا [لا] يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده" .

ويمكن أن يكون هذا الكتاب والصحيفة المذكورة في الرواية السابقة شيئا واحدا وكان فيها عهود وأحكام حكي بعضها لبعضهم وبعضا لبعضهم.

وقوله: "تتكافأ دماؤهم" أي: في القود والعصمة حتى يقاد الشريف بالوضيع والعالم بالجاهل.

وقوله: "وهم يد على من سواهم" أي: في نصرة بعضهم بعضا.

وقوله: "يسعى بذمتهم أدناهم" يعني: أن أدناهم كالعبد والمرأة إذا كان كافرا وآمنه حرم دمه على المسلمين كافة.

وقوله: "لا يقتل مسلم بكافر" يقتضي نفي قتل المسلم بالكافر [ ص: 207 ] حربيا كان أو ذميا، وبه قال عمر وعثمان وزيد بن ثابت، ويروى مثله عن علي رضي الله عنهم.

وقوله: "ولا ذو عهد في عهده" أي: لا يتعرض له ويوفى له بعهده، وكأنه لما أسقط القود عن المسلم بقتل الكافر أشعر ذلك بتوهين حرمة دمه معقبه ببيان أنه معصوم بعهده، وأنه لا يجوز التعرض له ما دام مقيما عليه زجرا لمن يتسارع إلى قتله وتنبيها له.




الخدمات العلمية