الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                625 626 ص: وقد قال ذلك علي 5 وابن عباس -رضي الله عنهم- من بعد رسول الله -عليه السلام- وأفتيا بذلك:

                                                حدثنا سليمان بن شعيب ، قال: نا الخصيب بن ناصح ، قال: أنا همام ، عن قتادة ، عن أبي حسان ، عن سعيد بن جبير: " : أن امرأة أتت ابن عباس بكتاب بعد ما ذهب بصره، فدفعه إلى ابنه فترتر فيه، فدفعه إلي فقرأته، فقال لابنه: ألا هذرمته كما هذرمه الغلام المصري. فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من امرأة من المسلمين، أنها استحيضت ، فاستفتت عليا -رضي الله عنه- فأمرها أن تغتسل وتصلي، فقال: اللهم لا أعلم القول إلا قول علي - ثلاث مرات". قال قتادة: وأخبرني عزرة ، عن سعيد: " أنه قيل له: إن الكوفة أرض باردة، وإنه يشق علينا الغسل لكل صلاة. فقال: لو شاء الله لابتلاها بما هو أشد منه".

                                                التالي السابق


                                                ش: أي وقد قال بوجوب الاغتسال عليها عند كل صلاة: علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس من بعد رسول الله -عليه السلام- وأفتيا بذلك، ولو لم يعلما بذلك في زمن النبي -عليه السلام- لما كانا أفتيا بعده، ثم بين الطحاوي فتواهما بقوله: حدثنا سليمان بن شعيب.. إلى آخره.

                                                [ ص: 322 ] ورجاله ثقات تكرر ذكرهم. وأبو حسان: الأعرج، وقيل: الأجرد، اسمه مسلم بن عبد الله البصري، روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدا.

                                                وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه": عن معمر ، عن أيوب ، عن سعيد بن جبير: "أن امرأة من أهل الكوفة كتبت إلى ابن عباس بكتاب، فدفعه إلى ابنه ليقرأه فتتعتع فيه، فدفعه إلي فقرأته، فقال ابن عباس لابنه: أما لو هذرمتها كما هذرمها الغلام المصري. فإذا في الكتاب: إني امرأة مستحاضة أصابني بلاء وضر، وإني أدع الصلاة الزمان الطويل، وإن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- سئل عن ذلك فأفتاني أن أغتسل عند كل صلاة، فقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: اللهم لا أجد لها إلا ما قال علي، غير أنها تجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد، والمغرب والعشاء بغسل واحد، وتغتسل للفجر. قال: فقيل له: إن الكوفة أرض باردة، وإنه يشق عليها. قال: لو شاء الله لابتلاها بأشد من ذلك".

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" مختصرا: ثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير قال: "كنت عند ابن عباس، فجاءت امرأة بكتاب فقرأته، فإذا فيه: إني امرأة مستحاضة، وإن عليا قال: تغتسل لكل صلاة. فقال ابن عباس: ما أجد ما أجد إلا ما قال علي -رضي الله عنه- ".

                                                قوله: "فترتر" من الترترة وهي التحريك، والمعنى أنه حرك لسانه ولم يفهم شيئا، وكذلك معنى التلتلة، وفي حديث ابن مسعود "ترتروه ومزمزوه"، أي: حركوه ليستنكه، وفي رواية "تلتلوه" ومعنى الكل التحريك، ومعنى "فتعتع" في رواية عبد الرزاق: تردد في قراءته، وتبلد فيها لسانه، ومعناه قريب من الأول.

                                                قوله: "ألا هذرمته" من الهذرمة، وهي السرعة في الكلام والمشي أيضا، والمعنى: هلا أسرعت في قراءتك كما أسرع الغلام المصري، أراد به سعيد بن جبير، وأراد

                                                [ ص: 323 ] بالمصري: الكوفي، لأن كوفة وبصرة يقال لهما المصران، ولأن مصرا في أصل الوضع واحد الأمصار، و: "ألا" كلمة تحضيض تختص بالجمل الفعلية الخبرية، كسائر أدوات التحضيض.

                                                قوله: "فقال: اللهم لا أعلم القول إلا ما قال علي" اعلم أن هذه الكلمة تستعمل على ثلاثة أنحاء:

                                                أحدها: للنداء المحض، وهو ظاهر.

                                                والثاني: للإيذان بندرة المستثنى، كقول الحريري: اللهم إلا أن [تقد نار] الجوع، كأنه يناديه مستيقنا دفعه أو [حصوله].

                                                الثالث: ليدل على تيقن المجيب [في الجواب] المقترن هو به، كقولك لمن قال: أزيد قائم؟ اللهم نعم، أولا، كأنه يناديه مستشهدا على ما قال من الجواب، وها هنا من القبيل الثالث.

                                                قوله: "ثلاث مرات" أي: قال ابن عباس قوله ذلك ثلاث مرات.

                                                قوله: "وأخبرني عزرة" هو عزرة بن عبد الرحمن بن زرارة الخزاعي الكوفي الأعور، وهو من رجال صحيح مسلم.

                                                قوله: "وإنه يشق" أي: وإن الشأن يثقل علينا الغسل.




                                                الخدمات العلمية