الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5075 5076 5077 5078 5079 ص: حدثنا أبو بشر عبد الملك بن مروان الرقي ، قال: ثنا محمد بن يوسف الفريابي، قال: ثنا سفيان بن سعيد ، عن علقمة بن مرثد ، عن ابن بريدة ، عن أبيه قال: " كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أمر رجلا على سرية قال له: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين ، ولهم ما لهم، فإن أبوا فأخبرهم أنهم كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين فلا يكون لهم من الفيء والغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين.

                                                فإن هم أبوا أن يدخلوا في الإسلام فسلهم عن إعطاء الجزية، فإن فعلوا فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم.
                                                .

                                                [ ص: 135 ] قال علقمة: : فحدثت به مقاتل بن حيان ، فقال: حدثني مسلم بن هيصم ، عن النعمان بن مقرن] ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مثله.

                                                حدثنا ابن مرزوق ، قال: ثنا أبو حذيفة ، قال: ثنا سفيان ... ، فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يذكر حديث علقمة ، عن مقاتل ، عن مسلم بن هيصم. .

                                                حدثنا فهد ، قال: ثنا أبو صالح (ح).

                                                وحدثنا روح بن الفرج ، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال كل واحد منهما: حدثني الليث بن سعد، قال: حدثني جرير بن حازم ، عن شعبة بن الحجاج ، عن علقمة بن مرثد الحضرمي ... ، فذكر بإسناده مثله.

                                                التالي السابق


                                                ش: هذه أربع طرق صحاح:

                                                الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان بن سعيد الثوري، عن علقمة بن مرثد الحضرمي الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة روى له الجماعة، عن سليمان بن بريدة الأسلمي المروزي روى له الجماعة سوى البخاري، عن أبيه بريدة بن الحصيب - بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين - الأسلمي الصحابي -رضي الله عنه-.

                                                والحديث أخرجه الجماعة غير البخاري:

                                                فقال مسلم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع بن الجراح، عن سفيان (ح).

                                                وثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا يحيى بن آدم، قال: ثنا سفيان قال: أملاه علي إملاء (ح).

                                                وحدثني عبد الله بن هاشم - واللفظ له - قال: حدثني عبد الرحمن - يعني ابن مهدي - قال: ثنا سفيان ، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: "كان رسول الله -عليه السلام- إذا أمر أميرا على جيش أو سرية؛ أوصاه في خاصته

                                                [ ص: 136 ] بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا فلا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين.

                                                فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم.

                                                فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك؛ فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله.

                                                وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟".

                                                قال عبد الرحمن هذا أو نحوه. وزاد إسحاق في آخر حديثه عن يحيى بن آدم، قال: "فذكرت هذا الحديث لمقاتل بن حيان - قال يحيى: يعني أن علقمة يقوله لابن حيان - فقال: حدثني مسلم بن هيصم، عن النعمان بن مقرن، عن النبي -عليه السلام- بنحوه.

                                                وقال أبو داود: ثنا محمد بن سليمان الأنباري، قال: ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: "كان رسول الله -عليه السلام- إذا بعث أميرا على سرية أو جيش أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه، وبمن معه من

                                                [ ص: 137 ] المسلمين خيرا، وقال: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونوا مثل أعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين.

                                                فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله - عز وجل - فلا تنزلهم؛ فإنكم لا تدرون ما يحكم الله فيهم، ولكن أنزلوهم على حكمكم ثم اقضوا فيهم بعد ما شئتم".

                                                قال سفيان: قال علقمة: فذكرت هذا الحديث لمقاتل بن حيان، فقال: حدثني مسلم - وقال أبو داود: هو ابن هيصم - عن النعمان بن مقرن، عن [النبي -عليه السلام- مثل حديث سليمان بن بريدة.

                                                وقال الترمذي: نا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان ، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: "كان رسول الله -عليه السلام- إذا بعث أميرا على جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله..." إلى آخره نحوا من رواية مسلم، وقال في آخره: وفي الباب عن النعمان بن مقرن.

                                                قال أبو عيسى: حديث حسن صحيح.

                                                الطريق الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق ، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي البصري شيخ البخاري ، عن سفيان الثوري ، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه.

                                                [ ص: 138 ] الثالث: عن فهد بن سليمان ، عن أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري ، عن الليث بن سعد، عن جرير بن حازم، عن شعبة ، عن علقمة، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه.

                                                وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عبد الرحمن بن عيسى، ثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن جرير بن حازم، عن شعبة ، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي -عليه السلام-... إلى آخره.

                                                الرابع: عن روح بن الفرج القطان المصري ، عن يحيى بن عبد الله بن بكير المصري شيخ البخاري ، عن الليث بن سعد... إلى آخره.

                                                قوله: "إذا أمر" بتشديد الميم، من التأمير وهو جعل الغير أميرا.

                                                قوله: "على سرية" قال الجوهري: السرية قطعة من الجيش، يقال: خير السرايا أربعمائة رجل.

                                                وقال ابن الأثير: السرية طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة، تبعث إلى العدو، وجمعها السرايا؛ سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السري النفيس، وقيل: سموا بذلك لأنهم ينفذون سرا وخفية، وليس بالوجه؛ لأن لام السر راء، وهذه تاء، انتهى.

                                                وقال ابن السكيت: السرية ما بين خمسة أنفس إلى ثلاثمائة. وقال الخليل: هي نحو أربعمائة.

                                                قوله: "إلى دار المهاجرين" وهم قوم من قبائل مختلفة تركوا أوطانهم وهجروها في الله، واختاروا المدينة دارا، ولم يكن لهم أو لأكثرهم بها زرع ولا ضرع، فكان رسول الله -عليه السلام- ينفق عليهم مما أفاء الله عليه أيام حياته، ولم يكن للأعراب وسكان البدو فيها حظ إلا من قاتل منهم، فإذا شهد الوقعة أحد منهم أخذ سهمه.

                                                ويستفاد منه أحكام:

                                                الأول: فيه توصية الإمام أمرائه وجيوشه وتعريفه ما يجب عليهم في مغازيهم، وما يحل لهم ويحرم عليهم، وتحريم الغلول والغدر والمثلة.

                                                [ ص: 139 ] الثاني: فيه دعاء المشركين قبل القتال إلى إحدى الثلاث المذكورة.

                                                وقالت العلماء - منهم: الحسن البصري وسفيان الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق -: إذا بلغتهم الدعوة جاز أن يقاتلوا قبل أن يدعوا، فأما من لم تبلغهم الدعوة ممن بعدت داره فإنه لا يقاتل حتى يدعى.

                                                الثالث: احتج بظاهر قوله: "فسلهم إعطاء الجزية" الأوزاعي على وجوب قبول الجزية من كل مشرك كتابي أو غير كتابي من عبدة الأوثان والشمس والنيران إذا أذعنوا إليها.

                                                قال الخطابي: ومذهب مالك قريب منه، وحكي عنه أنه قال: تقبل من كل مشرك إلا المرتد، وروي عنه: لا تقبل إلا من أهل الكتاب وسواء كانوا عربا وعجما، وتقبل من المجوس ولا تقبل من مشرك غيرهم. وقال الشافعي: تقبل من كل مشرك من العجم ولا تقبل من مشركي العرب.

                                                وقال البخاري: لم يثبت عن النبي -عليه السلام- أنه حارب عجما قط ولا بعث إليهم جيشا وإنما كانت عامة حروبه مع العرب، وكذلك بعوثه وسراياه، فلا يجوز أن يصرف هذا الخطاب إلى غيرهم.

                                                قلت: مذهب أبي حنيفة -رضي الله عنه- لا تختص بأهل الكتاب، بل توضع على أهل الكتاب وعلى المجوسي والوثني من العجم، وهو رواية عن أحمد.




                                                الخدمات العلمية