الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
[ السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه ]

والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه ; أحدها : أن تكون موافقة له من كل وجه ; فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتظافرها . الثاني : أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن وتفسيرا له . الثالث : أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه أو محرمة لما سكت عن تحريمه ، ولا تخرج عن هذه الأقسام ، فلا تعارض القرآن بوجه ما ، فما كان منها زائدا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي صلى الله عليه وسلم : تجب طاعته فيه ، ولا تحل معصيته ، وليس هذا تقديما لها على كتاب الله ، بل امتثال لما أمر الله به من طاعة رسوله ، ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطاع في هذا القسم لم يكن لطاعته معنى ، وسقطت طاعته المختصة به ، وإنه إذا لم تجب طاعته إلا فيما وافق القرآن لا فيما زاد عليه لم يكن له طاعة خاصة تختص به ، وقد قال الله تعالى : { من يطع الرسول فقد أطاع الله } وكيف يمكن أحدا من أهل العلم أن لا يقبل حديثا زائدا على كتاب الله ; فلا يقبل حديث تحريم المرأة على عمتها ولا على خالتها ، ولا حديث التحريم بالرضاعة لكل ما يحرم من النسب ، ولا حديث خيار الشرط ، ولا أحاديث الشفعة ، ولا حديث الرهن في الحضر مع أنه زائد على ما في القرآن ، ولا حديث ميراث الجدة ، ولا حديث تخيير الأمة إذا أعتقت تحت زوجها ، ولا حديث منع الحائض من الصوم والصلاة ، ولا حديث وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان ، ولا أحاديث إحداد المتوفى عنها زوجها مع زيادتها على ما في القرآن من العدة ، فهلا قلتم : إنها نسخ للقرآن وهو لا ينسخ بالسنة ، وكيف أوجبتم الوتر مع أنه زيادة محضة على القرآن بخبر مختلف فيه ؟ وكيف زدتم على كتاب الله فجوزتم الوضوء [ ص: 221 ] بنبيذ التمر بخبر ضعيف ؟ وكيف زدتم على كتاب الله فشرطتم في الصداق أن يكون أقله عشرة دراهم بخبر لا يصلح ألبتة وهو زيادة محضة على القرآن ؟ .

وقد أخذ الناس بحديث : { لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم } وهو زائد على القرآن ، وأخذوا كلهم بحديث توريثه صلى الله عليه وسلم بنت الابن السدس مع البنت وهو زائد على ما في القرآن ، وأخذ الناس كلهم بحديث استبراء المسبية بحيضة ، وهو زائد على ما في كتاب الله ، وأخذوا بحديث : { من قتل قتيلا فله سلبه } وهو زائد على ما في القرآن من قسمة الغنائم ، وأخذوا كلهم بقضائه صلى الله عليه وسلم الزائد على ما في القرآن من أن أعيان بني الأبوين يتوارثون دون بني العلات ، الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه ، ولو تتبعنا هذا لطال جدا ; فسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل في صدورنا وأعظم وأفرض علينا أن لا نقبلها إذا كانت زائدة على ما في القرآن ، بل على الرأس والعينين ، وكذلك فرض على الأمة الأخذ بحديث القضاء بالشاهد واليمين وإن كان زائدا على ما في القرآن ، وقد أخذ به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمهور التابعين والأئمة ، والعجب ممن يرده ; لأنه زائد على ما في كتاب الله ثم يقضي بالنكول ومعاقد القمط ووجوه الآجر في الحائط وليست في كتاب الله ولا سنة رسوله ، وأخذتم أنتم وجمهور الأمة بحديث : { لا يقاد الوالد بالولد } مع ضعفه وهو زائد على ما في القرآن ، وأخذتم أنتم والناس بحديث أخذ الجزية من المجوس وهو زائد على ما في القرآن ، وأخذتم مع سائر الناس بقطع رجل السارق في المرة الثانية مع زيادته على ما في القرآن ، وأخذتم أنتم والناس بحديث النهي عن الاقتصاص من الجرح قبل الاندمال وهو زائد على ما في القرآن ، وأخذت الأمة بأحاديث الحضانة وليست في القرآن ، وأخذتم أنتم والجمهور باعتداد المتوفى عنها في منزلها وهو زائد على ما في القرآن ، وأخذتم مع الناس بأحاديث البلوغ بالسن والإنبات وهي زائدة على ما في القرآن ; إذ ليس فيه إلا الاحتلام ، وأخذتم مع الناس بحديث : { الخراج بالضمان } مع ضعفه ، وهو زائد على ما في القرآن ، وبحديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ وهو زائد على ما في القرآن ، وأضعاف أضعاف ما ذكرنا ، بل أحكام السنة التي ليست في القرآن إن لم تكن أكثر منها لم تنقص عنها ; فلو ساغ لنا رد كل سنة زائدة كانت على نص القرآن لبطلت سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها إلا سنة دل عليها القرآن ، وهذا هو الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيقع ولا بد من وقوع خبره .

التالي السابق


الخدمات العلمية