الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
فإن قيل : قد خالف كثير ممن اشتهر بالولاية بعض أدب الشرع فهل يقدح ذلك في ولايته ؟ قلنا : أما ما ترك من ذلك لعذر شرعي فلا بأس به .

وأما ما ترك لغير عذر شرعي ، فإن كان مندوبا لم يقدح في ولايته ، وإن كان محرما فإن كان كبيرا فقد خرج عن الولاية في حال ملابسته دون ما مضى ، وإن كان صغيرا فقد غلظ أكثر الناس في هذا الذنب الصغير . فمنهم من يسقط الولاية بصغيرة يرتكبها الولي ، وهؤلاء جهلة لأن اجتناب الصغيرة ليس بشرط في حق الأنبياء فضلا عن الأولياء ، ومنهم من إذا عرف صغيرة الولي أخرجه عن الولاية وطعن فيه ، وربما هجره ورفضه وقلاه وأبغضه ومنع الناس من الاقتداء به ، ومنهم من يحمله حسن ظنه في الولي على أن يعتقد اختصاص ذلك الولي بإباحة تلك الصغيرة التي حرمها الله تعالى ، ويزعم أن الله أحل له ما لم يحله لغيره وهذا خطأ عظيم ، فإن الله لم يستثن أحدا من التحليل والتحريم والندب والإيجاب ، إلا لعذر خاص أو عام ، وهذا أشر الأقسام . وأشر منه من يعتقد أن ذلك الذنب قربة لصدوره [ ص: 150 ] عن ذلك الولي ، وأسعدهم من اعتقد ولايته مع ارتكابه لذلك الذنب الصغير ، ومخالفته لما أمر به ونهى عنه ، فقد عصى آدم وداود وغيرهما ، ولم يخرج واحد منهم بمعصيته عن حدود ولايته ، ولو رفعت صغائر الأولياء إلى الأئمة والحكام . لم يجز تعزيرهم عليها ، بل يقبل عثرتهم ويستر زلتهم ، فهم أولى من أقيلت عثرته ، وسترت زلته . فإن قيل : كيف يجوز غيبة الأنبياء بنسبتهم إلى ما صدر منهم من الذنوب ؟ قلنا : إن ذكر ذلك تعبيرا لهم وإزراء عليهم حرم وكان كفرا ، فإن الله ما ذكر ذلك تعبيرا وإزراء عليهم وإنما ذكره تنبيها على سعة رحمته وسبوغ نعمته ، وإطماعا في التوبة من معصيته ومخالفته ، فإن مسامحة الأكابر تدل على أن مسامحة الأصاغر أولى ، لأن الذنب الصغير من الأماثل كبيرة . ولهذا قوله تعالى : { من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين } ، وإن ذكر للغرض الذي ذكره الله لأجله فلا بأس به ، بل ربما يندب إليه ويحث عليه ، إذا كان فيه مصلحة للمذنبين القانطين من رحمة رب العالمين . فإن قيل : إذا كان الإنسان وليا في شطر عمره ثم صار فاسقا في الشطر الآخر فما حكم ولايته مع فسوقه ؟ قلت : إن زادت مفاسد فسوقه على مصالح ولايته وقعت المقاصة بين حسناته وسيئاته ، وأخذ بما فضل من سيئاته ، وإن زادت مصالحه على مفاسد فسوقه وقعت المقاصة بين حسناته وسيئاته ، وأجر بما فضل من حسناته .

التالي السابق


الخدمات العلمية