الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
[ ص: 69 ] المثال الخامس عشر : إذا اجتمع مضطران فإن كان معه ما يدفع ضرورتهما لزمه الجمع بين الضرورتين تحصيلا للمصلحتين ، وإن وجد ما يكفي ضرورة أحدهما ، فإن تساويا في الضرورة والقرابة والجوار والصلاح احتمل أن يتخير بينهما ، واحتمل أن يقسمه عليهما ، وإن كان أحدهما أولى ، مثل أن يكون والدا أو والدة ، أو قريبا أو زوجة ، أو وليا من أولياء الله تعالى ، أو إماما مقسطا أو حاكما عدلا ، قدم الفاضل على المفضول ، لما في ذلك من المصالح الظاهرة ، فإن قيل لو وجد المكلف مضطرين متساويين ومعه رغيف لو أطعمه لأحدهما لعاش يوما ولو أطعم كل واحد منهما نصفه لعاش نصف يوم ، فهل يجوز أن يطعمه أحدهما أم يجب فضه عليها ، فالمختار أن تخصيص أحدهما غير جائز لما ذكرته من أن أحدهما قد يكون وليا لله تعالى ، ولأن الله سبحانه وتعالى أمر بالعدل والإنصاف ، والعدل التسوية ، فدفعه إليهما عدل وإنصاف وإحسان مندرج في قوله تعالى : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } .

وكذلك لو وجد محتاجين فإنه يندب إلى فض الرغيف عليهما ، وألا يخص أحدهما به لما ذكرته ، ولأن تخصيص أحدهما موغر لصدر الآخر مؤذ له .

وكذلك لو كان له ولدان لا يقدر إلا على قوت أحدهما فإنه يفضه عليهما تسوية بينهما ، فإن قيل إذا كان نصف الرغيف شبعا لأحد ولديه سادا لنصف جوعة الآخر فكيف يفضه عليهما ؟ قلت يفضه عليهما بحيث يسد من جوعة أحدهما ما يسد من جوعة الآخر ، فإذا كان ثلث الرغيف سادا لنصف جوعة أحدهما ، وثلثاه سادا لنصف جوعة الآخر فليوزعه عليهما كذلك ، لأن هذا هو الإنصاف ، كما أنه يجب عليه مع القدرة إشباع كل واحد منهما مع اختلاف مقدار كليهما ، فكذلك هذا ، لأن الغرض الأعظم إنما هو كفاية البدن في التغذية .

وكذلك يجب أن يطعم الكبير الرغيب أكثر مما يطعم الصغير الزهيد ، ولمثل هذا يعطى الراجل سهما [ ص: 70 ] واحدا من الغنائم ويعطى الفارس ثلاثة أسهم ، دفعا لحاجتيهما ، فإن الراجل يأخذ سهما لحاجته ، والفارس يأخذ أقوى الأسهم لحاجته والسهم الثاني لفرسه والسهم الثالث لسائس فرسه ، فيسوى بينهما في المال الذي أخذ بسبب القتال .

فإن قيل لم قسم مال المصالح على الحاجات دون الفضائل ؟ قلنا ذهب عمر رضي الله عنه إلى قسمته على الفضائل ترغيبا للناس في الفضائل الدينية ، وخالفه أبو بكر رضي الله عنه في ذلك لما التمس منه تفضيل السابقين على اللاحقين فقال : إنما أسلموا لله وأجرهم على الله وإنما الدنيا بلاغ . ومعنى هذا أني لا أعطيهم على إسلامهم وفضائلهم التي يتقربون بها إلى الله شيئا من الدنيا ، لأنهم فعلوها لله ، وقد ضمن الله لهم أجرها في الآخرة ، وإنما الدنيا بلاغ ودفع للحاجات ، فأضع الدنيا حيث وضعها الله من دفع الحاجات وسد الخلات ، والآخرة موضوعة للجزاء على الفضائل فأضعها حيث وضعها الله ، ولا أعطي أحدا على سعيها شيئا من متاع الدنيا ، وبذلك قال الشافعي رحمه الله .

فإن قيل فهلا قسمت الغنائم كذلك إذا كان الفارس لا عيال له والراجل له عيال كثير ؟ قلنا لما حصل ذلك بكسب الغانمين وسعيهم فضلوا على قدر عنائهم فيه ولا شك أن عناء الفرسان في القتال أكمل من عناء الرجالة .

فإن قيل هلا قدر الشافعي رحمه الله تعالى نفقات الزوجات بالحاجات كنفقة الآباء والأمهات والبنين والبنات ولم قدرها بالأمداد ؟ قلنا لما كانت النفقة عوضا عن البضع قدرها لأن الأصل في الأعواض التقدير ، وله قول إنها مقدرة بالمعروف لنفقة الأقارب ، وعملا بقوله عليه السلام [ ص: 71 ] لهند : { خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف } ، ولم تكن هند عارفة بكون المعروف مدين في حق الغني ومدا في حق الفقير ومدا ونصفا في حق المتوسط ، وقد نص الله على أن الكسوة بالمعروف في قوله تعالى : { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف } .

وكذلك السكنى وماعون الدار يرجع فيها إلى العرف من غير تقدير ، والغالب في كل ما ورد في الشرع إلى المعروف أنه غير مقدر ، وأنه يرجع فيه إلى ما عرف في الشرع ، أو إلى ما يتعارفه الناس ، ولا فائدة في تقدير الحب فإن ما يضم إليه من مؤنة إصلاحه مجهول ، والمجهول إذا ضم إلى المعلوم صار الجميع مجهولا ، ولم يعهد في السلف ولا في الخلف أن أحدا أنفق الحب على زوجته مع مؤنته ، بل المعهود منهم الإنفاق على ما جرت به العادة . والذي قاله الشافعي مؤد إلى أن يموت كل واحد ونفقة زوجته في ذمته ، لأن المعاوضة عن الحب الذي أوجبه بما يطعمه الرجل زوجته من الخبز واللحم وغيرهما ربا لا يصح في الشرع ، ولا يجوز أن يكون عوضا ، ولو جاز أن يكون عوضا لم يبر من النفقة لأنه لم يتعاقد عليه الزوجان ، وما بلغنا أن أحدا أطعم زوجته على العادة ثم أوصى بأن توفى نفقتها حبا من ماله ، ولا حكم بذلك حاكم على أحد من الأزواج بعد موته ، وليست النفقة في مقابلة ملك البضع وإنما هي في مقابلة التمكين ، والبضع مقابل بالصداق فتكون نفقة المرأة كنفقة العبد المشترى ، فإن الثمن في مقابلة رقبته ، والنفقة جارية بسبب ذلك الملك .

فصل في بيان العدل تقدير النفقات بالحاجات مع تفاوتها عدل وتسوية ، من جهة أنه سوى بين المنفق عليهم في دفع حاجاتهم لا في مقادير ما وصل إليهم [ ص: 72 ] لأن دفع الحاجات هو المقصود الأعظم في النفقات وغيرها من أموال المصالح .

فإن قيل : إذا كان العدل في اللغة هو التسوية ، والقاضي لا يسوي بين الخصوم في قبول قولهم ، بل يقبل قول المدعى عليه مع يمينه ولا يقبل قول المدعي إلا بعد نكول المدعى عليه .

وكذلك وظف البينة على المدعي وهذا تفاوت لا تسوية فيه . قلنا معنى التسوية في الحكم وجميع الولايات أنه يسوي بين المدعين في العمل بالظاهر في توظيف البينة على المدعين ، والأيمان على المنكرين ، ورد الأيمان على المدعين عند نكول المنكرين .

وكذلك التسوية بين من يقبل قوله من المدعين فيما وظف عليهم كالولي في القسامة ، والزوج في اللعان ، والأمناء في قبول قولهم في التلف ، والمدعين في قبول قولهم في الرد . وحاصل هذا كله التسوية في الأحكام عند التساوي في الأسباب .

واعلم أن لما ذكرناه من العدل واجتناب إيغار الصدور ، يجب على الحكام التسوية بين الخصوم في الإعراض والإقبال وغير ذلك ، لأن تقديم أحد الخصمين موجب لإيغار صدر الآخر وحقده ، ولا يجري ذلك في حق المسلم والكافر ، لأن جنايته على أمر نفسه بالكفر أخرته وأوجبت بغضه وإذلاله ، كما يظهر بالغبار وإظهار الصغار ، فإن قيل لو خطب إلى الولي إحدى ابنتيه فهل يتخير في تزويج أيتهما شاء أو يبدأ بإحداهما ؟ قلنا . إن تساويا في الصلاح والتوقان إلى النكاح تخير بينهما وقد يقرع ، وإن تساويا في الصلاح - واختلفا في التوقان قدم أتوقهما ، وإن خف توقان الصالحة وزاد توقان الطالحة ففي هذا نظر واحتمال ، والذي أراه تقديم الطالحة درءا لما يتوقع من فجورها .

وأما الصالحة فيزعها صلاحها عن الفجور . وقد كان صلى الله عليه وسلم يعطي الرجل [ ص: 73 ] وغيره أحب إليه منه خيفة أن يكب في النار على وجهه ، لأن تقى المتقي يزعه عن العصيان ، وفجور الفاجر يوقعه في الإثم والعدوان .

التالي السابق


الخدمات العلمية