الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              صفحة جزء
                                                              2838 302 \ 2720 - وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى

                                                              قال أبو داود "ويسمى " أصح

                                                              وأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي ، وقال: حسن صحيح.

                                                              وقال غير واحد من الأئمة: حديث الحسن عن سمرة كتاب إلا حديث العقيقة، وتصحيح الترمذي له يدل على ذلك. وقد حكى البخاري في [ ص: 277 ] "صحيحه " ما يدل على سماع الحسن من سمرة حديث العقيقة.

                                                              التالي السابق




                                                              قال ابن القيم رحمه الله: فإنه حكى: أن محمد بن سيرين قال لحبيب بن الشهيد " اذهب إلى الحسن فسله ممن سمع حديث العقيقة ؟ فذهب إليه، فسأله فقال: سمعته من سمرة ".

                                                              وهذا يرد على من قال: إنه لم يسمع منه.

                                                              وقوله صلى الله عليه وسلم: رهينة بعقيقته " قال الإمام أحمد: مرتهن عن الشفاعة لوالديه، يعني إذا مات طفلا. وقال غيره: إنما معناه أنه مرهون بعقيقته، أي بأذى شعره. قال: والدليل عليه قوله: "فأميطوا عنه الأذى"، وهو ما يعلق به من دم الرحم، قاله الخطابي.

                                                              و"رهينته " قيل: الهاء فيه للمبالغة، وإنما هو رهين بمعنى مرتهن. والصواب أنها للتأنيث، فذهب به مذهب النفس المؤنثة، فهو كقوله تعالى: كل نفس بما كسبت رهينة ،[المدثر: 38] .

                                                              وقال آخرون: معناه أن العقيقة لازمة له لا ينفك منها، فشبهه في لزومها وعدم انفكاكه منها بالرهن في يد المرتهن.

                                                              فقال بعض العلماء: وهذا يدل أن من لم يعق عنه أبواه عق هو عن [ ص: 278 ] نفسه، ليفك ما عليه من ذلك الارتهان. واحتج بذلك من يوجبها، وهو الليث وأهل الظاهر، ويروى عن الحسن. واحتجوا بحديث سلمان، وسيأتي.

                                                              وقوله: "ويدمى" اختلف في هذه اللفظة، فكان همام يقول: "يدمى".

                                                              قال أحمد: قال فيه ابن أبي عروبة: "ويسمى"، وقال همام: "ويدمى"، وما أراه إلا خطأ. تم كلامه.

                                                              وقال سلام بن أبي مطيع عن قتادة " ويسمى" ذكره أبو داود وهو الذي صححه، وقال إياس بن دغفل عن الحسن " ويسمى ".

                                                              واختلف في حكمها أيضا، فكان قتادة يستحب تدميته ، كما ذكر أبو داود.

                                                              وهذا يدل على أن هماما لم يهم في هذه اللفظة فإنه رواها عن قتادة وهذا مذهبه، فهو - والله أعلم - بريء من عهدتها.

                                                              وقد روي عن الحسن مثل قول قتادة.

                                                              [ ص: 279 ] وكره آخرون التدمية منهم أحمد ومالك والشافعي وابن المنذر.

                                                              قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا قال هذا - يعني: التدمية - إلا الحسن وقتادة.

                                                              وأنكره سائر أهل العلم وكرهوه.

                                                              وقال مهنا بن يحيى الشامي: ذكرت لأبي عبد الله حديث يزيد بن عبد المزني عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يعق عن الغلام ولا يمس رأسه بدم "، فقال أحمد: ما أظرفه ! ورواه ابن ماجه في سننه، ولم يقل عن أبيه.

                                                              واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أميطوا عنه الأذى، والدم أذى، فكيف يؤمر بأن يصاب بالأذى ويلطخ به ؟

                                                              واحتجوا بأن الدم نجس، فلا يشرع إصابة الصبي به، كسائر النجاسات من البول وغيره.

                                                              [ ص: 280 ] واحتجوا أيضا بحديث بريدة الذي ذكره أبو داود في آخر الباب وسيأتي.

                                                              واحتجوا بأن هذا كان من فعل الجاهلية، فلما جاء الإسلام أبطله، كما قاله بريدة.

                                                              وقوله " ويسمى " ظاهره: أن التسمية تكون يوم سابعه.

                                                              وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أنه سمى ابنه إبراهيم ليلة ولادته ".

                                                              وثبت عنه: " أنه سمى الغلام الذي جاء به أنس وقت ولادته، فحنكه وسماه عبد الله ".

                                                              وثبت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد: " أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى المنذر بن أبي أسيد: المنذر حين ولد ".

                                                              وقد روى الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتسمية المولود يوم سابعه، ووضع الأذى عنه والعق "، وقال: هذا حديث حسن غريب.

                                                              والأحاديث التي ذكرناها أصح منه، فإنها متفق عليها كلها ولا تعارض بينها.

                                                              فالأمران جائزان.

                                                              [ ص: 281 ] وقوله " ويحلق رأسه " قد جاء هذا أيضا في مسند الإمام أحمد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة لما ولدت الحسن " احلقي رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة على المساكين والأوفاض " يعني أهل الصفة.

                                                              وروى سعيد بن منصور في سننه " أن فاطمة عليها السلام - كانت إذا ولدت ولدا حلقت شعره وتصدقت بوزنه ورقا ".




                                                              الخدمات العلمية