الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              252 [ ص: 323 ] (باب انتهاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى في الإسراء)

                                                                                                                              ولم يعقد له النووي بابا مستقلا. بل ذكره في "باب الإسراء"، فليعلم.

                                                                                                                              (حديث الباب)

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 2 ج3 المطبعة المصرية

                                                                                                                              [عن عبد الله ، قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهي به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها قال إذ يغشى السدرة ما يغشى قال: فراش من ذهب، قال: فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا أعطي الصلوات الخمس وأعطي خواتيم سورة البقرة وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات ].

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              (الشرح)

                                                                                                                              (عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهي به إلى "سدرة المنتهى" وهي في السماء "السادسة". هكذا في جميع الأصول "السادسة".

                                                                                                                              وفي الروايات الأخر من حديث أنس أنها "فوق السماء السابعة".

                                                                                                                              قال عياض: كونها في "السابعة"، هو الأصح، وقول الأكثرين. وهو الذي يقتضيه المعنى؛ وتسميتها "بالمنتهى".

                                                                                                                              [ ص: 324 ] قلت: ويمكن الجمع بينهما. بأن يكون أصلها في "السادسة"؛ ومعظمها في "السابعة". فقد علم أنها في نهاية العظم.

                                                                                                                              وقد قال الخليل: هي "سدرة" في السماء السابعة، قد أظلت السماوات والجنة.

                                                                                                                              وقد حكي عن عياض في قوله: إن مقتضى خروج "النيل والفرات" من أصل سدرة المنتهى، أن يكون أصلها في الأرض، فإن لم يكن هذا. أمكن حمله على ما ذكرنا. والله أعلم.

                                                                                                                              "إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض منها. قال: إذ يغشى السدرة ما يغشى قال: "فراش من ذهب".

                                                                                                                              وفي حديث أبي ذر عند مسلم "حتى نأتي سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا ندري ما هي؟".

                                                                                                                              وفي حديث أنس عنده "أنه رأى أربعة أنهار يخرج من أصلها: نهران ظاهران، ونهران باطنان، فقلت: يا جبريل! ما هذه الأنهار؟ قال: أما النهران الباطنان، فنهران في الجنة. وأما الظاهران، فالنيل والفرات".

                                                                                                                              [ ص: 325 ] والمراد من "أصلها": من أصل "سدرة المنتهى"، كما جاء مبينا في صحيح البخاري وغيره.

                                                                                                                              قال مقاتل: "الباطنان" هما "السلسبيل والكوثر".

                                                                                                                              قال عياض: هذا الحديث يدل على أن أصل "سدرة المنتهى" في الأرض لخروج النيل والفرات من أصلها.

                                                                                                                              قال النووي: وهذا الذي قاله ليس بلازم؛ بل معناه: أن الأنهار تخرج من أصلها؛ ثم تسير حيث أراد الله، حتى تخرج من الأرض؛ وتسير فيها. وهذا لا يمنعه شرع ولا عقل؛ وهو ظاهر الحديث. فوجب المصير إليه، والله أعلم.

                                                                                                                              "قال: فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا": أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات"، بضم الميم وإسكان القاف وكسر الحاء، معناها: الذنوب العظام الكبائر، التي تهلك أصحابها، وتوردهم النار، وتقحمهم إياها.

                                                                                                                              "والتقحم" الوقوع في المهالك.

                                                                                                                              ومعنى الكلام: من مات من هذه الأمة، غير مشرك بالله. غفر له المقحمات.

                                                                                                                              قال النووي: والمراد والله أعلم "بغفرانها": أنه لا يخلد في النار بخلاف المشركين. وليس المراد، أنه لا يعذب أصلا، فقد تقررت نصوص الشرع، وإجماع أهل السنة، على إثبات عذاب بعض العصاة، من الموحدين؛ ويحتمل أن يكون المراد بهذا خصوصا من الأمة؛ أي: يغفر لبعض الأمة المقحمات.

                                                                                                                              [ ص: 326 ] قال: وهذا يظهر على مذهب من يقول: إن لفظة "من" لا تقتضي العموم مطلقا، وعلى مذهب من يقول: لا تقتضيه في الأخبار، وإن اقتضته في الأمر والنهي.

                                                                                                                              ويمكن تصحيحه على المذهب المختار؛ وهو كونها للعموم مطلقا؛ لأنه قد قام دليل على إرادة الخصوص، وهو ما ذكرناه من النصوص والإجماع، والله أعلم.




                                                                                                                              الخدمات العلمية