الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        فصل [في قذف المسلم البالغ بما كان منه قبل البلوغ أو حال الكفر]

                                                                                                                                                                                        واختلف فيمن قذف بالغة بما كان منها قبل البلوغ، ومسلمة بما كان منها في حال الكفر -على ثلاثة أقوال- إذا قال: زنيت وأنت صبية، أو: وأنت نصرانية، أو قال: يا زانية، وقال: أردت أنها فعلت ذلك قبل البلوغ والإسلام -فقال ابن القاسم في الكتاب: يحد قائل ذلك لهما، أثبت ما قاله أم لا . وقال عبد الملك في كتاب محمد: إن أثبت ذلك لم يحد، وإن لم يثبت حد .

                                                                                                                                                                                        وقال أشهب مثل ذلك إذا قال لها: يا زانية، وإن قال لها: زنيت وأنت صبية أو نصرانية، فإن كان في غير مشاتمة فلا حد عليه، وإن كان ذلك في مشاتمة حد، إلا أن يأتي على ذلك ببينة .

                                                                                                                                                                                        وعلى هذا يجري الجواب إذا قال ذلك لرجل، وقال له: زنيت وأنت صبي، أو وأنت نصراني، فحمل ابن القاسم قاذفهما على أنه أراد التعريض بزنى كان منهما غير الذي سماه.

                                                                                                                                                                                        وقول عبد الملك أحسن; لأنه أثبت ما رماها به- وفعل ذلك وإن كان في حال الصبا والكفر- لا يخرجهما عن أن يقع على ذلك الفعل اسم الزنى، وأيضا [ ص: 6240 ] فإن ذلك مما يقع به التعيير، فلم يكن لحمل القاذف على غير ذلك وجه.

                                                                                                                                                                                        وقد قال مالك فيمن قذف صبية قبل البلوغ: إنه يحد ، إلا أن يثبت ذلك، بخلاف الصبي، فإذا أوجب الحد على قاذفهما قبل البلوغ لأجل أنه نسبها إلى ما تلحقها به المعرة كالبالغ، وأسقط الحد عنه إذا أثبت أنها فعلت ذلك- لم يجب عليه حد إذا قذفها به بعد البلوغ، وأثبت ذلك.

                                                                                                                                                                                        واختلف إذا قال: زنيت وأنت مستكرهة، فقال ابن القاسم: لا حد عليه إذا أثبت ذلك .

                                                                                                                                                                                        وقال محمد وسحنون: يحد . وحملا عليه أنه أراد التعريض بما كان منها طوعا; لأن المستكرهة لا ينسب الفعل إليها، فيقال لها: زنيت، وإنما يقال: [ ص: 6241 ]

                                                                                                                                                                                        زنى بها.

                                                                                                                                                                                        والأول أبين; لأن ذلك مما لا تميزه العامة.

                                                                                                                                                                                        وقال ابن القاسم فيمن قال لزوجته: زنيت وأنت صبية أو نصرانية أو مستكرهة: يلاعن; لأنه قاذف أو معرض .

                                                                                                                                                                                        وعلى قول عبد الملك وأشهب لا لعان عليه إذا أثبت ما رماها به ، فهو أحسن ولم يذكر ابن القاسم كيف صفة لعانه، ويشبه أن يكون لعانه: أن يشهد أربع شهادات بالله أنه لم يرد تعريضا، وأنه لم يرد إلا ما أثبت أنه كان في الصبا أو الكفر; لأنه لا علم عنده من غير ذلك، ثم لا يكون عليها لعان; لأنه لم يثبت أنه كان منها وهي في العصمة، ولا ادعاه.

                                                                                                                                                                                        ولو قال لمعتقة : زنيت وأنت أمة، أو لعبد: زنيت وأنت عبد، وقال: يا زان، ثم أثبت أنه قد كان ذلك قبل العتق- لم يحد القاذف، وحد المعتق، وهذا بخلاف قوله: زنيت وأنت نصرانية أو نصراني; لأن هذا زنى يلزم فاعله الحد.

                                                                                                                                                                                        ويختلف إذا قال لمن يعرض له جنون ثم يفيق: يا زان، أو: زنيت وأنت مجنون، فعلى قول ابن القاسم- يحد قاذفه أثبت ذلك أو لم يثبته. وعلى قول عبد الملك- لا حد عليه إذا أثبت ذلك، وعلى قول أشهب- لا حد عليه، إذا قال [ ص: 6242 ] ذلك في غير مشاتمة وإن لم يثبته وإن كان في مشاتمة، إلا أن يثبت ذلك.

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية