الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        فصل [في أنواع الطواف]

                                                                                                                                                                                        طواف الحج ثلاثة : طواف القدوم ، وطواف الإفاضة ، وطواف الوداع . وهي مختلفة الأحكام ؛ سنة وفرضا وندبا . فطواف القدوم سنة ؛ لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه له وطواف الإفاضة فرض ؛ لأمر الله تعالى به ، فقال بعد ذكر الوقوف والتحريم : ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق وطواف الوداع مندوب إليه ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت" أخرجه مسلم ، والبخاري نحوه .

                                                                                                                                                                                        وقد يجزئ عن جميعها طواف الإفاضة ، إذا أضاف إليه السعي لمن أتى مراهقا ، وكان نفره عقب الطواف ، والأصل في سقوطه عن المراهق [ ص: 1186 ] إحرام الصحابة بالحج من مكة بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم نفروا إلى عرفات ، ولم يطوفوا بالبيت .

                                                                                                                                                                                        وقال مالك : بلغني أن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يأتون مراهقين ، فينفرون بحجهم ولا يطوفون ولا يسعون ، ثم يقدمون منى ، ولا يفيضون من منى إلى آخر أيام التشريق ، فيأتون فينيخون عند باب المسجد ، ثم يدخلون ويطوفون بالبيت ويسعون ، ثم ينصرفون . وهذا أصل في سقوطه فيمن خرج عقب طواف الإفاضة ، ولأن آخر عهده بالبيت ، فدخل بذلك الطواف في عموم الحديث . ولا يجزئ طواف القدوم عن طواف الإفاضة ؛ لأنه قدم الشيء قبل وجوبه ، بمنزلة من صلى صلاة قبل وقتها .

                                                                                                                                                                                        واختلف في طواف الوداع ، هل يجزئ عن طواف الإفاضة ؟ فقال مالك : يجزئه . وقال محمد بن عبد الحكم : لا يجزئه . وأصل المذهب : ألا يجزئ التطوع عن الواجب ، فمن تطوع بركعتين ثم ذكر أن عليه صلاة الفجر ، أو بصوم يوم ، ثم ذكر أن عليه صوم يوم من رمضان ؛ لم تجزئه تلك الصلاة ، ولا [ ص: 1187 ] ذلك الصوم عن الفرض .

                                                                                                                                                                                        واختلف إذا تقدمت نية الفرض ، ثم أحدث نية التطوع ناسيا للفرض ، وأتى به عقب نية الفرض ، فقال مالك : لا يجزئه عن الفرض . وقال عبد الملك : يجزئه . وذلك فيمن سلم من ركعتين من الظهر ، ثم أتى بركعتين عقب ذلك بنية التطوع ، أنه يجزئ عن تمام الظهر . أو صام تسعة وخمسين يوما من ظهاره ، ثم نوى في الآخر تمام الستين التطوع . أو بيت الفطر ، ثم ذكر قبل أن يأكل ؛ فقال : يجزئه ذلك اليوم عن تمام الشهرين . ورأى أنه باق على النية الأولى ، وطوافه باق على النية الأولى ؛ لأنه لم ينو رفضها ، وإنما أحدث النية الثانية ظنا منه أنه وفى بالنية الأولى .

                                                                                                                                                                                        وينبغي أن يرد الجواب في الطواف إلى ذلك ، فإن نوى التطوع وهو ذاكر لما عليه من طواف الإفاضة ؛ لم يجزئه التطوع عنه . وإن كان ذلك على وجه النسيان بعد أن نوى طواف الإفاضة ، ثم انحلت نيته بقرب ذلك أجزأه .

                                                                                                                                                                                        وإن أحدث نية التطوع أجزأه على قول عبد الملك ، ولم يجزئه على أصل قول مالك في الصلاة والصوم .

                                                                                                                                                                                        وقد اختلف فيما بعدت فيه النية في الحج ، هل يجزئه فعله بغير نية محدثة ؟ فقيل فيمن أتى عرفة ولم يعرفها : أنها تجزئه عن الوقوف . وقيل : لا تجزئه . [ ص: 1188 ]

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية