الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال الله عز وجل : وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق وقال قتادة لما أمر الله عز وجل إبراهيم صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا وعلى كل عبد مصطفى أن يؤذن في الناس بالحج نادى يا أيها الناس إن الله عز وجل بنى بيتا فحجوه وقال تعالى : ليشهدوا منافع لهم قيل التجارة في الموسم والأجر في الآخرة .

ولما سمع بعض السلف هذا قال : غفر لهم ورب الكعبة وقيل في : تفسير قوله عز وجل : لأقعدن لهم صراطك المستقيم أي : طريق مكة يقعد الشيطان عليها ليمنع الناس منها وقال صلى الله عليه وسلم : من حج البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وقال أيضا صلى الله عليه وسلم ما رؤي الشيطان في يوم أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه يوم عرفة وما ذلك إلا لما يرى من نزول الرحمة وتجاوز الله سبحانه عن الذنوب العظام إذ يقال : إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها إلا الوقوف بعرفة وقد أسنده جعفر بن محمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وذكر بعض المكاشفين من المقربين أن إبليس لعنة الله عليه ظهر له في صورة شخص بعرفة فإذا هو ناحل الجسم مصفر اللون باكي العين مقصوف الظهر فقال له : ما الذي أبكى عينك ؟ قال : خروج الحاج إليه بلا تجارة أقول قد قصدوه أخاف أن لا يخيبهم فيحزنني ذلك قال : فما الذي أنحل جسمك ؟ قال : صهيل الخيل في سبيل الله عز وجل ولو كانت في سبيلي كان أحب إلي قال : فما الذي غير لونك ؟ قال : تعاون الجماعة على الطاعة ولو تعاونوا على المعصية كان أحب إلي قال : فما الذي قصف ظهرك ؟ قال : قول العبد : أسألك حسن الخاتمة أقول : يا ويلتى متى يعجب هذا بعمله ؟ أخاف أن يكون قد فطن وقال صلى الله عليه وسلم من خرج من بيته حاجا أو معتمرا فمات أجري له أجر الحاج المعتمر إلى يوم القيامة ومن مات في أحد الحرمين لم يعرض ولم يحاسب وقيل : له ادخل الجنة وقال صلى الله عليه وسلم : حجة مبرورة خير من الدنيا وما فيها ، وحجة مبرورة ليس لها جزاء إلا الجنة وقال صلى الله عليه وسلم : الحجاج والعمار وفد الله عز وجل ، وزواره إن سألوه أعطاهم ، وإن استغفروه غفر لهم وإن دعوا استجيب لهم وإن ، شفعوا شفعوا وفي حديث مسند من طريق أهل البيت عليهم السلام : أعظم الناس ذنبا من وقف بعرفة فظن أن الله تعالى لم يغفر له وروى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ينزل على هذا البيت في كل يوم مائة وعشرون رحمة ؛ ستون للطائفين ، وأربعون للمصلين ، وعشرون للناظرين وفي الخبر استكثروا من الطواف بالبيت فإنه من أجل شيء تجدونه في صحفكم يوم القيامة وأغبط عمل تجدونه

التالي السابق


فلنعد إلى شرح كلام المصنف رحمه الله تعالى قال : (قال الله عز وجل : وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ) الخطاب في الآية لإبراهيم عليه السلام وروى ابن جرير عن ابن عباس في قوله : رجالا أي : مشاة ، من كل فج عميق يعني مكان بعيد .

وروى عن مجاهد وأبي العالية وقتادة مثل ذلك وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : يأتوك رجالا وعلى كل ضامر قال : هم المشاة والركبان .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو سعيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس قال : ما آسى على شيء فاتني إلا أني لم أحج ماشيا حتى أدركني الكبر أسمع الله تعالى يقول : يأتوك رجالا وعلى كل ضامر فبدأ بالرجال قبل الركبان وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن مجاهد قال : كانوا يحجون ولا يتزودون فأنزل وتزودوا الآية وكانوا يحجون ولا يركبون فأنزل الله : يأتوك رجالا وعلى كل ضامر فأمرهم بالزاد ورخص في الركوب والمتجر .

(قال قتادة) بن دعامة أبو الخطاب السدوسي الأعمى التابعي الحافظ (لما أمر الله عز وجل إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- أن يؤذن في الناس نادى يا أيها الناس إن الله عز وجل بنى بيتا فحجوه) فأسمع الله نداءه كل من [ ص: 270 ] يريد الله عز وجل أن يحج من الذرية إلى يوم القيامة وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن منيع وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في السنن عن ابن عباس قال : لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال : رب قد فرغت ، فقال : أذن في الناس بالحج ، قال : رب وما يبلغ صوتي ؟! قال أذن وعلي البلاغ ، قال : رب كيف أقول ؟ قال : قل : يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فسمعه من بين السماء والأرض ألا ترى أنهم يجيئون من أقصى البلاد والأرض يلبون .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال : لما بنى إبراهيم البيت أوحى الله إليه أن أذن في الناس بالحج ، فقال : ألا إن ربكم قد اتخذ بيتا وأمركم أن تحجوه فاستجاب له ما سمعه من حجر أو شجر أو أكمة أو تراب أو شيء فقالوا : لبيك اللهم لبيك .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : لما أمر الله إبراهيم أن ينادي في الناس بالحج صعد أبا قبيس فوضع أصبعيه في أذنيه ثم نادى يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فأجيبوا ربكم فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء وأول من أجابه أهل اليمن فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة إلا من أجاب إبراهيم عليه السلام يومئذ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال : قام إبراهيم -عليه السلام- على الحجر فنادى : يا أيها الناس! قد كتب عليكم الحج فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء فأجاب من آمن ممن سبق في علمه أن يحج إلى يوم القيامة : لبيك اللهم لبيك .

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال : لما فرغ إبراهيم من بناء البيت أوحى الله أن أذن في الناس بالحج فخرج فنادى في الناس : يا أيها الناس! إن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه فلم يسمعه يومئذ من إنس ولا جن ولا شجر ولا أكمة ولا تراب ولا جبل ولا مار ولا شيء إلا قال : لبيك اللهم لبيك .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال : لما أمر إبراهيم بالحج قام على المقام فنادى نداء سمعه جميع أهل الأرض ألا إن ربكم قد وضع بيتا وأمركم أن تحجوه فجعل الله أثر قدميه آية في الصخرة .

(وقال تعالى : ليشهدوا منافع لهم قيل) في تفسيره (التجارة في الموسم والأجر في الآخرة) روي ذلك عن مجاهد أخرجه ابن جرير وعبد بن حميد عنه ويروى عن ابن عباس في تفسيره قال : أسواقا كانت لهم ما ذكر الله منافع إلا للدنيا أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر ، عنه ويروى عنه أيضا قال : منافع في الدنيا ومنافع في الآخرة فأما منافع الآخرة فرضوان الله عز وجل وأما منافع الدنيا فما يصيبون من لحوم البدن في ذلك اليوم والذبائح والتجارات (ولما سمع بعض السلف هذا قال : غفر لهم ورب الكعبة) هكذا نقله صاحب القوت .

(وقيل : في تفسير قوله تعالى : لأقعدن لهم صراطك المستقيم أي : طريق مكة يقعد الشيطان عليها) أي : على أفواه سككها (ليمنع الناس منها) ولفظ القوت وروينا عن بعض السلف في تفسير قوله تعالى : لأقعدن لهم صراطك المستقيم قال طريق مكة يصدهم عنه

قلت : رواه الصابوني في المائتين عن أبي أحمد المرادي عن ابن عقدة حدثنا عبد الله حدثنا أحمد بن أبي ميسرة حدثنا حفص بن عمر العدني عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال : لأقعدن لهم صراطك المستقيم قال : طريق مكة .

(وقال -صلى الله عليه وسلم- : من حج البيت فلم يرفث) بتثليث الفاء في الماضي قال الحافظ : والأفصح من باب قعد أي : لم يفحش في القول أو لم يخاطب امرأة بما يتعلق بجماع .

(ولم يفسق) أي : لم يخرج عن حد الاستقامة بفعل المعصية أو جدال أو مراء أو ملاحاة نحو رقيق أو أجير .

وقال الطبري في مناسكه : الرفث : الجماع على ما جاء في تفسير ابن عباس وقيل : الفحش وقيل : التصريح بذكر الجماع ، قال الأزهري : هي كلمة جامعة لما يريد الرجل من المرأة وروى البغوي في شرحه عن ابن عباس أنه أنشد شعرا فيه ذكر الجماع فقيل له : أتقول الرفث وأنت محرم ؟! فقال : إن الرفث ما ووجه به النساء ، فكأنه يرى الرفث المنهي عنه في قوله تعالى : فلا رفث ما خوطب به المرأة دون ما يتكلم به من غير أن تسمع المرأة والرفث في قوله تعالى : أحل لكم ليلة الصيام الرفث الجماع ، والفسوق من المعاصي قاله ابن عباس وقيل : السباب وقيل : ما أصاب من محارم الله تعالى ومن الصيد وقيل : قول الزور .

(خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) وهو يشمل الكبائر [ ص: 271 ] والتبعات وقال الطبري : هو محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب وعجز عن وفائها وقال الترمذي : هو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بحق الله لا العباد ولا يسقط الحق نفسه بل من عليه صلاة يسقط عنه إثم تأخيرها لا نفسها فلو أخرها بعده تجدد إثم آخر .

وأما الحديث فقال العراقي : أخرجاه من حديث أبي هريرة . أهـ . .

قلت : وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه والطبراني والدارقطني ولفظهم : من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ، إلا أن الطبراني والدارقطني زادا : من حج أو اعتمر لله ، ولفظ الشيخين : من حج فلم يرفث ولم يفسق ، وفي لفظ لمسلم : من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق ، وعند الترمذي بلفظ : من حج ولم يرفث ولم يفسق غفر له ما تقدم من ذنبه ، وقال : حسن صحيح .

(وقال -صلى الله عليه وسلم- ما رئي الشيطان في يوم هو أصغر) أي : أذل (وأدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه يوم عرفة وما ذاك إلا لما يرى من نزول الرحمة) أي : على الواقفين بها (وتجاوز الله عن الذنوب العظام) .

قال العراقي : رواه مالك عن إبراهيم بن أبي عيلة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز مرسلا .

قلت : ولفظ مالك ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رئي يوم بدر ، وقيل : وما رئي يوم بدر قال : أما إنه رأى جبريل يزع الملائكة ، والدحر : الدفع بعنف على سبيل الإهانة والإذلال ، وفي رواية : أدحر ولا أرحق والرحق الطرد والإبعاد وأفعل التي هي للتفضيل من دحر ورحق كأشهر وأجن من شهر وجن ومعنى يزع الملائكة أي : يقودهم والوازع القائد (إذ يقال : إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها إلا الوقوف بعرفة وقد أسنده جعفر بن محمد) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي : من طريق آبائه هكذا نقله صاحب القوت ولفظه وقد رفعه جعفر بن محمد فأسنده وقال العراقي : لم أجد له أصلا . أهـ . أي : مرفوعا (وذكر بعض المكاشفين) أي : من الذين كوشف لهم عن حضرة الحق تعالى (من المقربين) ولفظ القوت وذكر بعضهم (أن إبليس ظهر له في صورة شخص بعرفة فإذا هو ناحل الجسم) أي : ضعيفه (مصفر اللون) وفي بعض النسخ شاحب اللون (باكي العين مقصوم الظهر) مكسوره (فقال له : ما الذي أبكى عينك ؟) أي : أورث عينك البكاء (قال : خروج الحاج إليه) أي : إلى البيت (بلا تجارة أقول قد قصدوه أخاف أن لا يخيبهم) أي : ما أملوه (فيحزنني ذلك قال : فما الذي أنحل جسمك ؟) أي : أضعفه (قال : صهيل الخيل) أي : همهمتهن (في سبيل الله) أي : في الحج أو الغزو وكل منهما سبيل الله (ولو كانت في سبيلي كانت أحب إلي قال : فما الذي غير لونك ؟ قال : تعاون الجماعة على الطاعة) وفي نسخة تعاون الناس وفي أخرى تعاون جماعة الناس (ولو تعاونوا على المعصية كان أحب إلي قال : فما الذي قصم) أي : قطع وفي نسخة قصف وهو بمعناه (ظهرك ؟ قال : قول العبد : أسألك حسن الخاتمة) وفي نسخة خاتمة الخير (أقول : يا ويلتى متى يعجب هذا بعمله ؟) أي : رآه بعين العجب (أخاف أن يكون قد فطن) أي : قد علم بذلك هكذا أورده صاحب القوت .

(وقال -صلى الله عليه وسلم- من خرج من بيته حاجا أو معتمرا فمات) أي : في الطريق (أجري له أجر الحاج المعتمر) كذا في النسخ وفي القوت والمعتمر إلى يوم القيامة .

وقال العراقي : أخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة بسند ضعيف . أهـ .

قلت : ولفظه في الشعب من خرج حاجا أو معتمرا أو غازيا ثم مات في طريقه كتب الله له أجر الغازي والحاج والمعتمر إلى يوم القيامة (ومن مات في أحد الحرمين لم يعرض ولم يحاسب وقيل : له ادخل الجنة ) .

قال العراقي : رواه الدارقطني والبيهقي من حديث عائشة نحوه بسند ضعيف . أهـ .

قلت : ورواه أيضا العقيلي وابن عدي وأبو نعيم في الحلية ولفظهم : من مات في هذا الوجه حاجا أو معتمرا لم يعرض ولم يحاسب وقيل له : ادخل الجنة .

ورواه البيهقي أيضا من حديثها بلفظ : من مات في طريق مكة لم يعرضه الله يوم القيامة ولم يحاسبه .

وكذا رواه الحرث بن أسامة وابن عدي عن جابر وروى الطبراني في الكبير والبيهقي في السنن وضعفه من حديث سلمان بلفظ : من مات في أحد الحرمين استوجب شفاعتي وكان يوم القيامة من الآمنين (وقال [ ص: 272 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم : حجة مبرورة خير من الدنيا وما فيها ، وحجة مبرورة ليس لها جزاء إلا الجنة ) هكذا هو في القوت ، وقال العراقي : أخرجاه من حديث أبي هريرة الشطر الثاني بلفظ : الحج المبرور . وقال النسائي : الحجة المبرورة . وعن ابن عدي : حجة مبرورة .. أ هـ . .

قلت : لفظ البخاري ومسلم : العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة .

وروى أحمد من حديث جابر والطبراني في الكبير من حديث ابن عباس : الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة . .

(وقال صلى الله عليه وسلم : الحجاج والعمار وفد الله تعالى ، وزواره إن سألوه أعطاهم ، وإن استغفروه غفر لهم ، وإن دعوه استجاب لهم ، وإن شفعوا شفعوا ) هكذا هو في القوت . وقال العراقي : رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة دون قوله : وزواره ، ودون قوله : إن سألوه أعطاهم ، وإن شفعوا شفعوا . وله من حديث ابن عمر : وسألوه فأعطاهم . ورواه ابن حبان .. أ هـ . .

قلت : ولفظ حديث ابن عمر عند البيهقي : الحجاج والعمار وفد الله ، إن سألوه أعطوا ، وإن دعوا أجابهم ، وإن أنفقوا أخلف لهم . وعنده من حديث بلفظ يعطيهم ما سألوا ، ويستجيب لهم ما دعوا ، ويخلف عليهم ما أنفقوا ؛ الدرهم ألف ألف . وعند البزار من حديث جابر : دعاهم فأجابوه ، وسألوه فأعطاهم . (وفي حديث مسند من طريق أهل البيت : أعظم الناس ذنبا من وقف بعرفة فظن أن الله لم يغفر له) ولفظ القوت : ولقي رجل ابن المبارك وقد أفاض من عرفة إلى مزدلفة فقال : من أعظم الناس حرما يا أبا عبد الرحمن في هذا الموقف ؟ فقال : من قال : إن الله عز وجل لم يغفر لهؤلاء ، وقد روينا فيه حديثا مسندا من طريق أهل البيت ، وساقه كما للمصنف .. أ هـ . .

وقال العراقي : رواه الخطيب في المتفق والمفترق ، والديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عمر بإسناد ضعيف (وروى ابن عباس) رضي الله عنهما (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ينزل على هذا البيت في كل يوم مائة وعشرون رحمة ؛ ستون للطائفين ، وأربعون للمصلين ، وعشرون للناظرين ) .

قال العراقي : رواه ابن حبان في الضعفاء ، والبيهقي في الشعب من حديث ابن عباس بإسناد حسن . وقال أبو حاتم : حديث منكر .. أ هـ . .

قلت : قد وقع لي هذا الحديث مسلسلا بالمكيين ، أخبرني به شيخنا المرحوم عبد الخالق بن أبي بكر المزجاني الحنفي ، وقد أقام بمكة مدة وبها توفي في آخر حجاته قال : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن سعيد الحنفي المكي ح ، وأخبرني أعلى من ذلك بدرجة عمر بن أحمد بن عقيل الحسيني المكي ، قال : أخبرنا الحسن بن علي بن يحيى الحنفي المكي ، عن زين العابدين عبد القادر بن يحيى بن مكرم الطبري ، عن أبيه ، عن جده يحيى ، عن جده المحب الأخير الطبري ، عن عم والده أبي اليمن محمد الطبري ، عن والده أحمد بن إبراهيم الطبري ، عن أبيه ، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حرمي المكي ، أخبرنا الحافظ أبو حفص عمر بن عبد المجيد الميانشي المكي ، أخبرنا قاضي الحرمين أبو المظفر محمد بن علي الشيباني المكي قراءة عليه ، أخبرنا جدي الحسين بن علي المكي ، أخبرنا أبو الفتح خلف بن هبة الله سماعا عليه بالمسجد الحرام ، أخبرنا أبو عمر الحسن بن أحمد العبقسي المكي ، حدثنا محمد بن نافع الخزاعي المكي ، حدثنا إسحاق بن محمد الخزاعي المكي ، حدثنا أبو الوليد محمد بن عبيد الله الأزرقي المكي المؤرخ ، عن جده ، عن سعيد بن سالم القداح المكي ، عن ابن جريج ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس رفعه : ينزل الله على هذا البيت كل يوم وليلة عشرين ومائة رحمة ؛ ستون منها للطائفين ، وأربعون للمصلين ، وعشرون للناظرين . هكذا أخرجه العز بن فهر وجار الله بن فهر في مسلسلاتهما .

ورواه الطبراني في معاجمه الثلاثة ، وقال البلقيني في فتاويه المكية : لم أقف له على إسناد صحيح . وقال التقي الفاسي : لا تقوم به حجة . ونقل عن الحافظ ابن حجر أنه توقف فيه ، لكن حسنه المنذري والعراقي والسخاوي ، وإذا اجتمعت طرق هذا الحديث ارتقى إلى مرتبة الحسن إن شاء الله تعالى ، وفي المناسك للمحب الطبري عن ابن عباس مرفوعا : ينزل على هذا البيت كل يوم وليلة عشرون ومائة رحمة ؛ ستون منها للطائفين بالبيت ، وأربعون للعاكفين حول البيت ، وعشرون للناظرين إلى البيت . وفي رواية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ينزل على أهل المسجد مسجد مكة كل يوم عشرين ومائة رحمة . . . [ ص: 273 ] الحديث . وقال فيه : وأربعون للمصلين ولم يقل للعاكفين قال : أخرجهما أبو ذر الهروي والأزرقي ، ولا تضاد بين الروايتين ، بل يريد بمسجد مكة : البيت ، ويجوز أن يريد مسجد الجماعة ، وهو الأظهر ، ويكون المراد بالتنزيل على البيت التنزيل على أهل المسجد ؛ ولهذا قسمت على أنواع العبادات الكائنة في المسجد . وقوله : وستون للطائفين . . . إلخ ، يحتمل في تأويل القسم بين كل فريق وجهان :

الأول : قسمة الرحمات بينهم على المسمى بالسوية لأعلى العمل بالنظر إلى قلته وكثرته وصفته ، وما زاد على المسمى فله ثواب من غير هذا الوجه .

الوجه الثاني : وهو الأظهر ، قسمتها بينهم على قدر العمل ؛ لأن الحديث ورد في سياق الحث والتحضيض ، وما هذا سبيله لا يستوي فيه الآتي بالأقل والأكثر ، ثم إن الرحمات متنوعة بعضها أعلى من بعض ، فرحمة يعبر بها عن المغفرة ، وأخرى عن المعصية ، وأخرى عن الرضا ، وأخرى عن القرب إلى الله ، وأخرى عن تبوئ مقعد صدق ، وأخرى عن النجاة من النار . . . هكذا إلى ما لا نهاية له ؛ إذ لا معنى للرحمة إلا العطف ، فتارة يكون باكتساب نعمة ، وتارة بدفع وكلاهما يتنوعان إلى ما لا نهاية له ، ومع هذا التنويع كيف يفرض التساوي بين المقل والمكثر ، والمخلص وغير المخلص ، والحاضر قلبه والساهي ، والخاشع وغير الخاشع ؟ بل ينال كل من رحمات الله بقدر عمله وما يناسبه من الأنواع ، هذا هو الظاهر .

ثم نقول : يحتمل أن يحصل لكل طائف ستون رحمة ، ويكون ذلك العدد بحسب عمله في ترتب أعلى الرحمات وأوسطها وأدناها ، ويحتمل أن جميع الستين بين الطائفين كلهم وأربعين بين المصلين وعشرين بين الناظرين ، ويكون القسم بينهم على حسب أعمالهم في العدد والوصف ، حتى يشترك الغفير في رحمة واحدة من تلك الرحمات ، وينفرد الواحد برحمات كثيرة إذا تقرر ذلك ، فالتفضيل في الرحمات بين أنواع المتعبدين بأنواع العبادات الثلاث أدل دليل على أفضلية الطواف على الصلاة ، والصلاة على النظر إذا تساووا في الوصف ، هذا هو المتبادر إلى الفهم ، فيخص به ، وبما ورد في فضله من العمومات ، أو نقول : في الطواف نوع من الصلاة ، ولا ينكر أن بعض الصلوات أفضل من بعض ، ووجه تفضيل هذا النوع من الصلاة وهو الطواف على غيره من الأنواع ثبوت الأخصية بمتعلق الثلاثة وهو البيت الحرام ، ولا خفاء بذلك ، وإنما كانت الصلاة على تنوعها لم تشرع إلا عبادة ، والنظر قد يكون عبادة إذا قصد التعبد به ، وقد لا يكون ، وذلك إذا لم يقترن به قصد التعبد تأخر عن الرتبة ، وكثير من العلماء يذهب في توجيه اختلاف القسم بين الطائفين والمصلين والناظرين ، فإن الرحمات المائة والعشرين قسمت ستة أجزاء ، فجعل جزء للناظرين ، وجزءان للمصلين ؛ لأن المصلي ناظر في الغالب ، فجزء للنظر ، وجزء للصلاة ، والطائف لما اشتمل على الثلاثة كان له ثلاثة : جزء للنظر ، وجزء للصلاة ، وجزء للطواف ، وهذا القائل لا يثبت للطواف أفضلية على الصلاة ، وما ذكرناه أولى ، والله أعلم .

(وفي الخبر استكثروا من الطواف بالبيت فإنه من أجل شيء تجدونه في صحفكم يوم القيامة وأغبط عمل تجدونه ) هكذا هو في "القوت " إلا أنه قال : من أقل شيء . وهكذا هو في بعض نسخ هذا الكتاب . وقال العراقي : رواه ابن حبان والحاكم من حديث ابن عمر : "استمتعوا من هذا البيت فإنه هدم مرتين ويرفع في الثالثة " وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين . . أهـ .

قلت : ورواه بهذا اللفظ أيضا الطبراني في المعجم الكبير ، لكنه لا يوافق سياق المصنف في كل من الوجوه كما لا يخفى .




الخدمات العلمية