الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان الأعمال الباطنة في الحج ووجه الإخلاص في النية

وأما ذبح الهدي ، فاعلم أنه تقرب إلى الله تعالى بحكم الامتثال فأكمل الهدي وارج ، أن يعتق الله بكل جزء منه جزءا منك من النار فهكذا ورد الوعد فكلما كان الهدي أكبر وأجزاؤه أوفر كان فداؤك من النار أعم .

وأما زيارة المدينة فإذا وقع بصرك على حيطانها فتذكر أنها البلدة التي اختارها الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم وجعل إليها هجرته وأنها داره التي شرع فيها فرائض ربه عز وجل وسنته وجاهد عدوه وأظهر بها دينه إلى أن توفاه الله عز وجل ثم جعل تربته فيها وتربة وزيريه القائمين بالحق بعده رضي الله عنهما .

ثم مثل في نفسك مواقع أقدام رسول الله صلى الله عليه وسلم عند تردداته فيها وأنه ما من موضع قدم تطؤه إلا وهو موضع أقدامه العزيزة فلا تضع قدمك عليه إلا عن سكينة ووجل .

وتذكر مشيه ، وتخطيه في سككها وتصور خشوعه وسكينته في المشي وما استودع الله سبحانه قلبه من عظيم معرفته ورفعة ذكره مع ذكره تعالى حتى قرنه بذكر نفسه وإحباطه عمل من هتك حرمته ، ولو برفع صوته فوق صوته .

ثم تذكر ما من الله تعالى به على الذين أدركوا صحبته ، وسعدوا بمشاهدته واستماع كلامه وأعظم تأسفك على ما فاتك من صحبته وصحبة أصحابه رضي الله عنهم .

ثم اذكر أنك قد فاتتك رؤيته في الدنيا وأنك من رؤيته في الآخرة على خطر وأنك ربما لا تراه إلا بحسرة ، وقد حيل بينك وبين قبوله إياك بسوء عملك كما قال صلى الله عليه وسلم : يرفع الله إلي أقواما فيقولون : يا محمد ، فأقول : يا رب أصحابي ، فيقول : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : بعدا وسحقا فإن تركت حرمة شريعته ولو في دقيقة من الدقائق فلا تأمن أن يحال بينك وبينه بعدولك عن محجته .

وليعظم مع ذلك رجاؤك أن لا يحول الله تعالى بينك وبينه بعد أن رزقك الإيمان وأشخصك من وطنك لأجل زيارته من غير تجارة ولا حظ في دنيا بل لمحض حبك له وشوقك ، إلى أن تنظر إلى آثاره وإلى حائط قبره إذ سمحت نفسك بالسفر بمجرد ذلك لما فاتتك رؤيته فما أجدرك بأن ينظر الله تعالى إليك بعين الرحمة .

التالي السابق


(وأما ذبح الهدي، فاعلم أنه تقرب لله تعالى بحكم الامتثال) ، لأمره على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، (فليكمل الهدي، وأجزاءه وليرج) من الله (أن يعتق بكل جزء منه جزأ من أجزائه من النار فهكذا ورد الوعد) .

قال العراقي: لم أقف له على أصل، وفي كتاب الضحايا لأبي الشيخ من حديث أبي مسعود: فإن لك بأول قطرة تقطر من دمها يغفر لك [ ص: 456 ] ما سلف من ذنوبك، يقوله لفاطمة رضي الله عنها، وإسناده ضعيف اهـ .

قلت: وأخرج الحاكم نحوه من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه، وقد تقدم ذلك في أواخر الباب الثالث، (فكلما كان الهدي أكبر وأجزاؤه أوفر كان الفداء به من النار أعم ) ، وأشمل (وأما زيارة المدينة ) المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام (فإذا وقع بصره على حيطانها) من بعيد، (فليذكر) في نفسه، (أنها البلدة) المباركة، (التي اختارها الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم) ، ولا يختار الحبيب لحبيبه إلا أشرف البقاع، (وجعل إليها هجرته) ورحلته .

(وأنها داره التي شرع فيها فرائض ربه عز وجل وسننه) ، أحكامه التي يحتاجون إليها، (وجاهد عدوه) من المشركين والجاحدين (وأظهر بها دينه) ، أي: معالمه (إلى أن توفاه الله عز وجل) بعد إكمال الشرائع، وإتمام الشعائر، (ثم جعل تربته فيها) حيث دفن بها، (و) كذا جعل (تربة وزيريه القائمين بالحق) ، أي بنصرته والمناضلة عنه (من بعده) ، وهما أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق - رضي الله عنه -، (ثم ليمثل في نفسه مواقع أقدام رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ترداده فيها ) ذاهبا وجائيا، (وأنه ما من موضع قدم يطؤه) وفي نسخة: موطوأه (إلا وهو موقع قدمه العزيز) ، ولو تغيرت الهيآت في السكك، (فلا يضع قدمه) على تلك التربة (إلا على سكينة) واطمئنان (ووجل) ، وهيبة منه صلى الله عليه وسلم تأدبا، (وليذكر مشيه صلى الله عليه وسلم، وتخطيه في سككها) حالة خروجه منها ودخوله، (ويتصور خشوعه وسكينته في المشي) ، كأنما ينحط من صبب، (وما استودع الله قلبه) الشريف (من عظيم معرفته) بالله، (ورفعة ذكره) حيث قال تعالى: ورفعنا لك ذكرك ، وجاء في تفسيره: ما ذكرت إلا وذكرت معي .

وإليه أشار بقوله: (حتى قرنه بذكر نفسه) ، وناهيك أن كلمة الشهادة لا تتم إلا بذكره صلى الله عليه وسلم، (و) يتصور أيضا (إحباط عمل من هتك حرمته، ولو برفع صوته على صوته) لقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ، ثم قال: أن تحبط أعمالكم ، (ثم ليتذكر ما من به) ، وأنعم (على الذين أدركوا) زمانه، ونالوا (صحبته، وسعدوا بمشاهدته) الشريفة، (واستماع كلامه) الشريف، (وليعظم تأسفه على ما فاته من) شرف (صحبته وصحبة أصحابه رضي الله عنهم) ، فإنها هي النعمة الجليلة التي ينبغي التأسف على فواتها، فإن شرف صحبته عظيم، ثم شرف صحبة أصحابه يليه في الشرف .

وقد شهد صلى الله عليه وسلم بخيرية قرنه، ثم الذي يليه، (ثم يتذكر أنه قد فاتته رؤيته في الدنيا) بالبصر، (وأنه من رؤيته في الآخرة على خطر) هيهات (وأنه ربما لا يراه إلا بحسرة، وقد حيل بينه وبين قبوله إياه لسوء عمله) ، وشؤم حظه، (كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: يرفع إلي أقوام فيقولون: يا محمد، يا محمد، فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: بعدا وسحقا ) ، قال العراقي: متفق عليه من حديث ابن مسعود وأنس وغيرهما دون قوله: يا محمد يا محمد اهـ .

قلت: ورواه الدارقطني في الأفراد من حديثه بلفظ: لأنازعن رجالا عن الحوض فيختلجون دوني، فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك (فإن كنت تركت) مراعاة (حرمة شريعته) ، واتباعها، (ولو في دقيقة من الدقائق فلا تأمن أن يحال بينك وبينه) في ذلك الموطن، (بعد ولك عن محجته) بالإخلال في الاتباع، ولو في أمر واحد من غير عذر موجب للمقت عند أهل طريق الله، قال الله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ، فجعل الاتباع دليلا، وما قال في شيء دون شيء يحببكم الله .

وقال تعالى: وأوفوا بعهدي أي في دعواكم محبتي أوف بعهدكم، وهو أني أحبكم إذا صدقتم في محبتي، وجعل الدليل على صدقهم ومحبة الله إياهم الاتباع، فعلى قدر ما ينقص ينقص، وعند أهل الله هو أمر لا يقبل النقص، وإن العذر لا ينفعه فإنه في جنب الله عن الاتباع في أمر ما فالحق ينوب عنه في ذلك، (وليعظم مع ذلك رجاؤك أن لا يحال بينك وبينه) في ذلك الموطن (بعد [ ص: 457 ] أن رزقك الله الإيمان به) على الغيب، ولم تدرك زمانه ولا زمان أصحابه، (وأشخصك) ، أي: أخرجك من وطنك لأجل زيارته من غير داعية (تجارة ولا حظ في) تحصيل (دنيا) ، وتوابعها، (بل لمحض حبك له، وتشوقك إلى أن تنظر إلى آثاره) المتبركة، (وإلى جدار قبره) الشريف (إذ سمحت نفسك بالسفر لمجرد ذلك لما فاتتك رؤيته) الشريفة، (فما أجدرك) ، وأحقك (بأن ينظر الله سبحانه إليك بعين الرحمة) والتجاوز والغفران .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث