الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الأول في ترجمة عقيدة أهل السنة في كلمتي الشهادة

قيوم ، لا انقطاع له .

التالي السابق


(قيوم، لا انقطاع له) القيوم "فيعول"، قلبت الواو الأولى ياء؛ لأجل الياء قبلها، ثم أدغمت الياء الأولى فيها، ومعناه: الحافظ القائم على كل شيء، والمعطي له ما به قوامه، وقال أبو عبيد: هو الدائم الذي لا يزول، وقيل: هو القائم بأمور الخلق، ولا يجوز إطلاق هذه اللفظة على غير الباري تعالى; لما فيه من المبالغة كما ذكروا ذلك في الرحمن وغيره .

وقال المصنف في المقصد الأسنى: القيوم هو الذي قوامه بذاته، وقيام كل شيء به، وليس ذلك إلا لله تعالى؛ فإن الأشياء تنقسم إلى ما لا يقوم بنفسه ويفتقر إلى محل، كالأعراض والأوصاف، فيقال فيها: إنها ليست قائمة بأنفسها، أو إلى ما لا يحتاج إلى محل، فيقال: قائم بنفسه، كالجواهر، إلا أن الجوهر وإن استغنى عن محل يقوم به فليس مستغنيا عن أمور لا بد منها لوجوده، وتكون شرطا في وجوده، فلا يكون قائما بنفسه; لأنه محتاج في قوامه إلى وجود غيره، وإن لم يحتج مع ذلك إلى محل، فإن كان موجود يكفي ذاته بذاته ولا قوام له بغيره ولا يشترط في دوام وجوده وجود غيره، فهو القائم بنفسه مطلقا، فإن كان مع ذلك يقوم به كل موجود حتى لا يتصور للأشياء وجود ولا دوام وجود إلا به، فهو القيوم; لأن قوامه بذاته، وقوام كل شيء به، وليس ذلك إلا لله سبحانه وتعالى، ومدخل العبد في هذا الوصف بقدر استغنائه عما سواه تعالى. اهـ .

وقال الشيخ الأكبر قدس سره: اعلم أن طائفة من أرباب الطريقة منعت من التخلق بالقيومية، وقالت: إنها من خصائص الحق، وعند أهل الكشف هذه الصفة أحق بالتخلق والاتصاف؛ لشمول سريانها، وقيام الحقائق الكونية وظهور الأسماء الإلهية بها، ولما كانت القيومية من صفات الحي لذاته ونعوته استصحب القيوم الحي حيث كان، وقد ثبتت الحياة لكل شيء من سريان اسم الحي، فكما أن كل شيء حي، فكذلك كل شيء قائم بسريان القيومية، ولولا هذا السريان ما قام أعيان الممكنات لأمر الحق بقوله: وقوموا لله قانتين ، فسرت أحكام القيومية وآثارها في الحقائق المعنوية ومراتب الشؤون الغيبية وبسائط الأرواح النورية وتجليات الأسماء الإلهية أولا، وفي النفوس والأنفاس الإنسانية الكمالية الجمعية الإحاطية ثانيا، وفي حقائق الحروف الرقمية واللفظية والذهنية الدالة على الحقائق المعنوية ثالثا، فلولا سريانهم في حقائق العلوية المعنوية ما خرجت الأعيان الوجودية من مكامن الثبوت، ولولا آثارها في الأنفاس ما ظهرت صور الحروف البسيطة، ولولا حكم التأليف للحروف المشيرة الدالة ما كان للكلمات الوجودية ظهور. اهـ .

وقال الإمام أبو منصور البغدادي: إن أخذنا القيوم من معنى القيام على النفس بأرزاقها وآجالها والجزاء على اكتسابها، كان من أوصافه المشتقة من أفعاله، ولم يكن من صفاته الأزلية، وإن أخذناه من معنى الدائم، كان من الأزلية الذاتية; لأنه يكون بمعنى الباقي، وبقاؤه عندنا صفة أزلية، وفي صحة هذا الاسم لله تعالى فوائد، منها: دوام بقائه، ودوام مقدوراته وقدرته عليها، وإثبات [ ص: 23 ] قيامه على النفوس بما كسبت، وإثبات جزائه لها على اكتسابها، وفي كل منها رد على المخالفين، على ما سيأتي، وإطلاق المتكلمين فيه أنه القائم بنفسه؛ فإنهم يريدون به استغناء عن محل يحله أو يقله .

وقال بعض أصحابنا: لا قائم بنفسه في الحقيقة إلا الله سبحانه وتعالى، فأما الجوهر فإنه وإن صح وجوده لا في مكان، فلا يصح وجوده بنفسه، بل هو مفتقر في وجوده إلى صانعه، وهؤلاء يقولون: إن المحدثات كلها قائمة بالله تعالى، على معنى أنه هو الموجد لها، لا على معنى حلولها فيه، والله عز وجل قائم بنفسه; لأن وجوده واجب لذاته من غير موجد أوجده، بل لم يزل موجودا، أو لا يزال باقيا أبدا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث