الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فإن قلت : فأين الغلط في قول العصاة والفجار : إن الله كريم ، وإنا نرجو رحمته ومغفرته ، وقد قال : « أنا عند ظن عبدي بي ، فليظن بي خيرا » فما هذا إلا كلام صحيح مقبول الظاهر في القلوب ، فاعلم أن الشيطان لا يغوي الإنسان إلا بكلام مقبول الظاهر مردود الباطن ، ولولا حسن ظاهره لما انخدعت به القلوب ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كشف عن ذلك فقال : « الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله » . .

وهذا هو التمني على الله تعالى غير الشيطان اسمه فسماه رجاء حتى خدع به الجهال .

وقد شرح الله الرجاء فقال : إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله يعني أن الرجاء بهم أليق وهذا لأنه ذكر أن ثواب الآخرة أجر وجزاء على الأعمال . قال الله تعالى : جزاء بما كانوا يعملون ، وقال تعالى: وإنما توفون أجوركم يوم القيامة أفترى أن من استؤجر على إصلاح أوان وشرط له أجرة عليها وكان الشارط كريما يفي بالوعد مهما وعد ولا يخلف بل يزيد فجاء الأجير ، وكسر الأواني ، وأفسد جميعها ، ثم جلس ينتظر الأجر ، ويزعم أن المستأجر كريم أفيراه ، العقلاء في انتظاره متمنيا مغرورا ، أو راجيا ، وهذا للجهل بالفرق بين الرجاء والغرة .

قيل للحسن قوم يقولون : نرجو الله ، ويضيعون العمل فقال : هيهات هيهات تلك أمانيهم يترجحون فيها ، من رجا شيئا طلبه ، ومن خاف شيئا هرب منه .

وقال مسلم بن يسار لقد سجدت البارحة حتى سقطت ثنيتاي فقال له رجل : إنا لنرجو الله . فقال مسلم : هيهات هيهات من رجا شيئا طلبه ، ومن خاف شيئا هرب منه .

وكما أن الذي يرجو في الدنيا ولدا ، وهو بعد لم ينكح أو نكح ، ولم يجامع ، أو جامع ولم ينزل فهو معتوه فكذلك من رجا رحمة الله وهو لم يؤمن أو آمن ولم يعمل صالحا ، أو عمل ولم يترك المعاصي فهو مغرور .

فكما ، أنه إذا نكح ووطئ وأنزل بقي مترددا في الولد يخاف ويرجو فضل الله في خلق الولد ، ودفع الآفات عن الرحم ، وعن الأم إلى أن يتم فهو كيس فكذلك إذا آمن وعمل الصالحات ، وترك السيئات وبقي مترددا بين الخوف والرجاء ، يخاف أن لا يقبل منه ، وأن لا يدوم عليه ، وأن يختم له بالسوء ويرجو ، من الله تعالى أن يثبته بالقول الثابت ويحفظ دينه من صواعق سكرات الموت حتى يموت على التوحيد ويحرس قلبه عن الميل إلى الشهوات بقية عمره حتى لا يميل إلى المعاصي فهو كيس ومن عدا هؤلاء فهم المغرورون بالله ، وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا ، ولتعلمن نبأه بعد حين ، وعند ذلك يقولون كما : أخبر الله عنهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون أي : علمنا أنه كما لا يولد إلا بوقاع ونكاح ، ولا ينبت زرع إلا بحراثة وبث بذر فكذلك لا يحصل في الآخرة ثواب وأجر إلا بعمل صالح فارجعنا ، نعمل صالحا ، فقد علمنا الآن صدقك في قولك وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير أي ألم نسمعكم سنة الله في عباده ، وأنه توفي كل نفس ما كسبت وأن كل نفس بما كسبت رهينة فما الذي غركم بالله بعد أن سمعتم وعقلتم ? قالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير .

فإن قلت : فأين مظنة الرجاء وموضعه المحمود ? فاعلم أنه محمود في موضعين :

أحدهما في حق العاصي المنهمك إذا خطرت له التوبة ، فقال له الشيطان وأنى تقبل توبتك ؟! فيقنطه من رحمة الله تعالى ، فيجب عند هذا أن يقمع القنوط بالرجاء ، ويتذكر أن الله يغفر الذنوب جميعا وأن الله كريم : يقبل التوبة عن عباده وأن التوبة طاعة تكفر الذنوب قال الله تعالى : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم أمرهم بالإنابة وقال تعالى وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى فإذا توقع المغفرة مع التوبة فهو راج وإن توقع المغفرة مع الإصرار فهو مغرور ، كما أن من ضاق عليه وقت الجمعة ، وهو في السوق فخطر له أن يسعى إلى الجمعة فقال له الشيطان إنك : لا تدرك الجمعة فأقم على موضعك ، فكذب الشيطان ، ومر يعدو ، وهو يرجو أن يدرك الجمعة ، فهو راج ، وإن استمر على التجارة ، وأخذ يرجو تأخير الإمام للصلاة لأجله إلى وسط الوقت أو لأجل غيره ، أو لسبب من الأسباب التي لا يعرفها ، فهو مغرور .

التالي السابق


(فإن قلت: فأين الغلط في قول العصاة والفجار: إن الله كريم، وإنا نرجو رحمته ومغفرته، وقد قال: "أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي خيرا" فما هذا إلا كلام صحيح مقبول في القلوب، فاعلم أن الشيطان لا يغوي الإنسان إلا بكلام مقبول الظاهر) أي: يرى قبوله بحسب ما يرى من ظاهره (مردود الباطن، ولولا حسن ظاهره لما انخدعت به القلوب) ، وأخذ فيها مأخذا، (ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كشف عن ذلك فقال: "الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله") رواه الترمذي، وابن ماجه من حديث شداد بن أوس، وتقدم قريبا، (وهذا هو التمني على الله) .

وإنما (غير الشيطان اسمه فسماه رجاء حتى خدع به الجهال) ، والتمني طلب ما لا طمع فيه أو ما فيه عسر; فالأول نحو قول الهرم:


ألا ليت الشباب يعود يوما



والثاني: قول المعدم: ليت لي مال فلان; فإن حصول المال ممكن لكن يعسر، والحاصل أن التمني يكون في الممتنع وفي الممكن .

(وقد شرح الله الرجاء فقال: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله يعني أن الرجاء بهم أليق) فالرجاء يكون على أصل، والتمني لا يكون على أصل، وقد أفاد الخبر أن التمني مذموم، وأفادت الآية أن الرجاء محمود، وذلك لأن التمني يفضي بصاحبه إلى الكسل، وأما الرجاء فإنه يعلق القلب بمحبوب فيحصل حاله، (وهذا لأنه ذكر أن ثواب الآخرة أجر وجزاء على الأعمال. قال تعالى: جزاء بما كانوا يعملون ، وقال) تعالى: ( وإنما توفون أجوركم يوم القيامة أفترى أن من استؤجر على إصلاح أوان) جمع آنية، وهو جمع إناء (وشرط له أجرة) إذا أصلحها (وكان الشارط كريما) معروفا بالكرم (يفي بالوعد مهما وعد ولا يخلف) ميعاده، (بل يزيد) كما هو من شأن الكرم (فجاء الأجير، وكسر الأواني، وأفسد جميعها، ثم جلس) ناحية (ينتظر الأجر، ويزعم أن المستأجر كريم، أفتراه العقلاء في انتظاره متمنيا مغرورا، أو راجيا، وهذا للجهل بالفرق بين الرجاء والغرة) ، ومن هنا لما (قيل للحسن) البصري رحمه الله تعالى: (هنا قوم يقولون: نرجو الله، ويضيعون العمل) فما تقول فيهم؟ (فقال: هيهات هيهات تلك أمانيهم يترجحون فيها، من رجا شيئا طلبه، ومن خاف شيئا هرب منه) .

ويروى عنه أيضا أنه قال: إن أقواما ألهتهم أماني العفو حتى خرجوا من الدنيا ليست لهم حسنة يقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي، وكذب، ولو أحسن الظن بربه لأحسن العمل له.

وروى الترمذي من حديث أبي هريرة: من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل.

(وقال مسلم بن يسار) البصري نزيل مكة أبو عبد الله الفقيه، ويقال له مسلم سكرة، ومسلم المصبح ثقة عابد مات سنة مائة، أو بعدها بقليل، روى له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه: (لقد سجدت البارحة حتى سقطت ثنياتي فقال له رجل: إنا نرجو الله. فقال: هيهات هيهات من رجا شيئا طلبه، ومن خاف شيئا هرب منه) .

قلت: هما أثران مستقلان بسندين مختلفين قد جعلهما المصنف واحدا .

قال أبو نعيم في الحلية: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا حسين بن الحسن، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا سفيان، عن رجل، عن مسلم بن يسار أنه سجد سجدة فوقعت ثنيتاه فدخل عليه أبو إياس معاوية بن قرة يعزيه ويهون عليه فذكر مسلم من تعظيم الله عز وجل.

وحدثنا أحمد بن جعفر، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ضمرة، عن خالد بن أبي يزيد، عن معاوية بن قرة قال: دخلت على مسلم بن يسار، وقال: دخلت علي وأنا أدفن بعض جسدي. قال معاوية: وكان يطيل السجود، أراه قال: فوقع الدم في ثنيتيه فسقطتا فدفنهما.

وحدثنا أبو محمد بن حيان، حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا الحسين بن الحسن، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا سفيان، عن رجل، عن مسلم بن يسار أنه قال: من رجا شيئا طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه، وما أدري ما حسب [ ص: 442 ] رجاء امرئ عرض له بلاء لم يصبر عليه لما يرجو، وما أدرى ما حسب خوف الله من عرضت له شهوة لم يدعها لما يخشى.

وحدثنا أحمد بن جعفر، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ضمرة، عن خالد بن أبي يزيد، عن معاوية بن قرة قال: دخلت على مسلم بن يسار فقلت: ما عندي كبير عمل إلا أني أرجو الله، وأخاف منه. فقال: ما شاء الله من خاف شيئا حذر منه، ومن رجا شيئا طلبه. وما أدري ما حسب خوف عبد عرضت له شهوة فلم يدعها لما يخاف، أو ابتلي ببلاء فلم يصبر عليه لما يرجو. قال معاوية: فإذا أنا قد زكيت نفسي، وأنا لا أعلم.

(وكما أن الذي يرجو في الدنيا ولدا، وهو بعد لم ينكح) أي: لم يتزوج امرأة (أو نكح، ولم يجامع، أو جامع ولم ينزل) بأن عزل منيه (فهو معتوه) أي: قليل العقل. (وكذلك من رجا رحمة الله وهو لم يؤمن) بالله (أو آمن) به (ولم يعمل صالحا، أو عمل) صالحا (ولم يترك المعاصي فهو مغرور، وكما أنه إذا نكح ووطئ وأنزل بقي مترددا في الولد يخاف ويرجو فضل الله في خلق الولد، ودفع الآفات عن الرحم، وعن الأم إلى أن يتم فهو كيس) أي: عاقل فطن، (وكذا إذا آمن وعمل صالحا، وترك السيئات بقي مترددا بين الخوف والرجاء، يخاف أن لا يقبل منه، وأن لا يدوم عليه، وأن يختم له) في آخر نفسه (بالسوء، يرجو من فضل الله تعالى أن يثبته بالقول الثابت) ، وهو قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، (ويحفظ دينه من صواعق سكرات الموت) وأهواله، (حتى يموت على التوحيد) الخالص (ويحرس قلبه عن الميل إلى الشهوات بقية عمره حتى لا يميل إلى المعاصي فهو كيس) فطن (ومن عدا هؤلاء فهم المغرورون بالله، وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا، ولتعلمن نبأه بعد حين، وعند ذلك) أي: عند معاينتهم العذاب (يقولون: ما أخبر الله عنهم) في كتابه العزيز ( ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا ) إلى الدنيا ( نعمل صالحا إنا موقنون أي: علمنا أنه لا يولد ولد إلا بوقاع ونكاح، ولا ينبت زرع إلا بحراثة وبث بذر) أي: رميه في الأرض، (فكذلك لا يحصل في الآخرة ثواب وأجر إلا بعمل صالح، فأرجعنا) ثانيا، وردنا إلى ما كنا في الدنيا (نعمل صالحا، فقد علمنا الآن صدقك في قولك) ، وأيقنا به ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) ، وحصله في دنياه ( وأن سعيه سوف يرى ) ثم يجزاه الجزاء الأوفى ، ( كلما ألقي فيها ) أي: في النار ( فوج ) أي: جماعة من الكفرة ( سألهم خزنتها ) أي: الملائكة الموكلون بها ( ألم يأتكم نذير أي) ألم يخوفكم بهذا العذاب، و (لم يسمعكم سنة الله) التي قد خلت (في عباده، وأنه توفى كل نفس ما كسبت) من خير، أو شر (وأن كل نفس بما كسبت رهينة) أي: محبوسة، وهو توبيخ وتبكيت، (فما الذي غركم بالله بعد أن سمعتم وعقلتم؟ قالوا) حينئذ في جواب الخزنة: ( لو كنا نسمع ) كلام الرسل فنقبله جملة من غير بحث اعتمادا على ما لاح من صدقهم بالمعجزات ( أو نعقل ) فنفكر في حكمه، ومعانيه فكر المستبصرين ( ما كنا في أصحاب السعير ) أي: في عدادهم، ومن جملتهم ( فاعترفوا بذنبهم ) حين لا ينفعهم الاعتراف إقرارا عن معرفة، والمراد بالذنب الكفر ( فسحقا لأصحاب السعير ) أي: أسحقهم الله سحقا أي: أبعدهم من رحمة الله، والتطلب للإيجاز والمبالغة .

(فإن قلت: فأين مظنة الرجاء وموضعه المحمود؟ فاعلم أنه محمود في موضعين: أحدهما في حق العاصي المنهمك) في المعاصي (إذا خطرت له التوبة، فقال له الشيطان) موسوسا إليه في قلبه: (وأنى تقبل توبتك؟! فيقنطه من رحمة الله، فيجب عند ذلك أن يقمع القنوط بالرجاء، ويتذكر أن الله كريم) جواد، ومقتضى كرمه وجوده قبول توبته، ويتذكر قوله (تعالى: وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ) ، ويعفو عن السيئات (فإن التوبة طاعة تكفر الذنوب) [ ص: 443 ] وتمحوها (قال تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ) أي: بارتكاب المعاصي: ( لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) ، وهي أرجى آية في كتاب الله، (وقال) تعالى: ( وأنيبوا إلى ربكم أمرهم بالإنابة ) وهو الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة (وقال) تعالى: ( وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ) ، وغير ذلك من الآيات الدالة على أن المغفرة منوطة بالتوبة (فإذا توقع المغفرة مع التوبة فهو راج) ، وفعله رجاء (وإن توقع المغفرة مع الإصرار) على الذنب (فهو مغرور، كما أن من ضاق عليه وقت الجمعة، وهو في السوق) مشغول في تجارته (فخطر له أن يسعى إلى الجمعة) رجاء أن يدرك الجمعة (فقال له الشيطان: لا تدرك الجمعة فأقم في موضعك، فكذب الشيطان، ومر يعدو، وهو يرجو أن يدرك الجمعة، فهو راج، وإن استمر على التجارة، وأخذ يرجو تأخير الإمام للصلاة لأجله إلى وسط الوقت أو لأجل غيره، أو لسبب من الأسباب التي لا يعرفها، فهو مغرور) في كل ذلك .




الخدمات العلمية