الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فإذا قال الداعي: اللهم! وأشار برأسه أو عينه أو وجهه أو يده أو أصبعه لم تكن إشارته إلا إلى الله الذي دعاه وناداه وناجاه لا إلى غيره، إذ المدعو المنادى من شأن الداعي أن يشير إليه، وليس هنا من يشير إليه الداعي بقوله: اللهم أو يا الله ونحو ذلك إلا الله، فهو الذي يشير إليه بباطنه وظاهره، وإشارته إليه بباطنه وظاهره هي قصده، وصمده ذلك من معنى كونه صمدا أي يصمد العباد له وإليه ببواطنهم وظواهرهم، وهو من معنى كونه مقصودا مدعوا معبودا، وهو من معنى إلهيته، فيدعونه ويقصدونه ببواطنهم وظواهرهم، فكما لا يجوز أن يكون القصد بالقلب إذا قالوا: يا الله لغيره، بل المقصود [ ص: 555 ] بالباطن، فكذلك هو أيضا المقصود بالظاهر إذا قالوا: يا الله، وأشاروا بظواهرهم بحركة ظاهرة بالإشارة إليه والتوجه نحوه وقصده كحركة بواطنهم بالإشارة إليه والتوجه نحوه وقصده لكن الظاهر تبع للباطن ومكمل له، فمن دفع هذه الإشارة فهو كدفع الإشارة إليه بالقلب، وذلك دفع لقصده الدافع لدعائه المتضمن لدفع عبادته ولكونه صمدا.

فهؤلاء المعطلة حقيقة قولهم منع أن يكون صمدا مدعوا معبودا مقصودا كما أن حقيقة قولهم منع أن يكون في نفسه حقا صمدا موجودا، فقولهم مستلزم لعدم نفسه وتعطيله ولعدم معرفته وعبادته وقصده، وإن كانوا من وجه آخر يقرون بوجوده وعبادته ودعائه وقصده، إذ ليسوا معطلين مطلقا بل جامعون بين الإقرار والإنكار والإثبات والنفي، ولهذا كان أهل المعرفة بالله متفقين على أنه لا يتم معرفة عبد بربه، ويتم قصده له وتوجهه إليه ودعاه له إلا بإقراره بأنه فوق العالم، وأنه بإقراره بذلك تثبت الإلهية في قلبه، ويصير له رب يعبده ويقصده، وبدون ذلك لا يبقى قلبه مستقرا مطمئنا إلى إله يعبده ويقصده بل يبقى عنده من الريب والاضطراب ما يجده من جرب قلبه في هذه الأسباب، كما قال الشيخ أبو جعفر الهمذاني: " ما قال عارف قط: يا الله إلا وجد في قلبه [ ص: 556 ] ضرورة تطلب العلو ولا تلتفت يمنة ولا يسرة، وكذلك المخاطب له بمثل قوله: إياك نعبد وإياك نستعين هو مثل الداعي بقوله: اهدنا الصراط المستقيم فإن الخطاب كله سواء، سواء كان بالأسماء المضمرة منفصلها ومتصلها مرفوعها ومنصوبها ومخفوضها كقوله: " أنت ربي وأنا أعبدك". وقوله: إياك نعبد وقوله: " أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك"، وقوله: "خلقتني ورزقتني". وقوله: "نستعينك ونستهديك ونستغفرك" .

التالي السابق


الخدمات العلمية