الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وأما الآثار بتحليل المتعة في أول الإسلام فهي مشهورة صحيحة معروفة عند المسلمين، فكانت شبهة من اعتقد بقاء حل المتعة من هذه الجهة، ولهذا ذهب إلى ذلك طائفة من السلف من أصحاب ابن عباس وغيرهم، إذ كان ابن عباس أفتى بها. وقد قيل: إنه رجع عنها، وقيل: إنه إنما أفتى بها عند الضرورة، حتى روى له علي بن أبي طالب نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها، كما أخرج ذلك أهل الصحيح وغيره .

وأما جواز التطليق بغير عدد فلم يذهب إليه مسلم، بل هو مما يعلم فساده بالضرورة من دين الإسلام، فكيف يقال: إن هذا كان بعد النسخ موجودا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر؟.

وأيضا ففي الحديث أن عمر رضي الله عنه قال: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أنا أنفذناه عليهم، فأنفذه عليهم. فدل ذلك على أنه أنفذ عليهم ما كانت لهم فيه أناة، فلو كان ما فعلوه هو المنسوخ المحرم لم تكن لهم أناة في شيء قد ظهر تحريمه بالكتاب والسنة المتواترة والإجماع، ولم يكن إنفاذه عليهم مما يتعلق باجتهاد الأئمة.

ثم ذكر أبو داود في سننه حديثا ثابتا مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في أن جمع الثلاث بكلمة يكون واحدة، كما في حديث أبي الصهباء. [ ص: 300 ]

وذكر ما يعارضه، فقال : حدثنا أحمد بن صالح، ثنا عبد الرزاق ، أبنا ابن جريج، قال: أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي - صلى الله عليه وسلم -، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: طلق عبد يزيد - أبو ركانة وإخوته - أم ركانة، ونكح امرأة من مزينة، فجاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني عني هذه الشعرة - لشعرة أخذتها من رأسها -، ففرق بيني وبينه، فأخذت النبي - صلى الله عليه وسلم - حمية، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: "أترون فلانا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد، وفلان منه كذا وكذا؟ ". قالوا: نعم، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد يزيد: "طلقها"، ففعل. [ثم] قال: "راجع امرأتك أم ركانة وإخوته"، فقال: إني طلقتها ثلاثا يا رسول الله، قال: "قد علمت، راجعها". وتلا يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن .

قال أبو داود: وحديث نافع بن عجير وعبد الله بن علي بن يزيد ابن ركانة عن أبيه عن جده: أن ركانة طلق امرأته، فردها إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - أصح؛ لأنهم ولد الرجل، وأهله أعلم به ، إن ركانة إنما طلق امرأته البتة، فجعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - واحدة.

ثم روى هذا الحديث أبو داود من طريق الشافعي: حدثني عمي محمد بن علي بن شافع، عن عبد الله بن علي بن السائب، [ ص: 301 ] عن نافع بن عجير بن عبد يزيد بن ركانة أن ركانة طلق امرأته. وفي لفظ: عن ركانة بن عبد يزيد أنه طلق امرأته سهيمة البتة، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، وقال: والله ما أردت إلا واحدة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "والله ما أردت إلا واحدة؟ " فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة، فردها إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فطلقها الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان.

ورواه أبو داود أيضا وابن ماجه وأبو حاتم بن حبان في صحيحه من حديث جرير بن حازم عن الزبير بن سعيد عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده أنه طلق امرأته البتة، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ما أردت"؟ قال: واحدة، قال: "آلله"؟ قال: آلله!

قال: "هو على ما أردت".


ورواه الترمذي : فقلت: يا رسول الله! إني طلقت امرأتي البتة، فقال: ما أردت بها؟ قلت: واحدة، قال: والله؟ قلت: والله!

قال: فهو ما أردت.
وقال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

وقال ابن ماجه : سمعت أبا الحسن الطنافسي يقول: ما أشرف هذا الحديث! قال ابن ماجه: أبو عبيد تركه ناحية، وأحمد جبن عنه. [ ص: 302 ]

قال أبو داود: وهذا أصح من حديث ابن جريج أن ركانة طلق امرأته ثلاثا؛ لأنهم أهل بيته، وهم أعلم به. وحديث ابن جريج رواه عن بعض بني أبي رافع عن عكرمة عن ابن عباس.

قلت: فجعل أبو داود - رضي الله عنه - القصتين واحدة، وهو كما قال: ويرد عليه أنه في حديث ابن جريج أن ركانة طلق امرأته ثلاثا، وليس هذا في حديث ابن جريج الذي رواه هو، وإنما فيه أن عبد يزيد - أبا ركانة وإخوته - طلق أم ركانة، ونكح امرأة من مزينة، وأنها اشتكت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكرت أنه عنين، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين كذبها بأن أولادها يشبهونه، فدل على أنهم منه، وأنه ليس بعنين. ثم إنه أمر عبد يزيد أبا ركانة أن يطلق هذه المزنية المشتكية، وإنه أمره أن يراجع أم ركانة التي طلقها ثلاثا.

هذا هو الذي في حديث ابن جريج، ليس في حديث ابن جريج أن ركانة طلق امرأته ثلاثا. لكن قد يقال: إن القصة واحدة، وإن هذا الراوي غلط في بعض ألفاظ القصة في المطلق والمطلقة، كما يقول من يقول: إنه غلط في عدد الطلاق. وقد يقال: من قال هذا لم يكن له أن يقول في حديث ابن جريج أن ركانة طلق ثلاثا، بل هذا يبين أن قائل ذلك لم يتأمل الحديث حق التأمل، فإذا تأملهما علم أن المنقول في هذا الحديث قصة غير المنقول في الآخر، فلا المطلق المطلق، ولا المطلقة المطلقة، فإن المطلقة في هذا سهيمة امرأة ركانة، وهناك أمه; ولا لفظ التطليق لفظ التطليق. وفي هذا من تزويج عبد يزيد لامرأة مزنية، ودعواها عنته، وتكذيب النبي - صلى الله عليه وسلم - بشبه أولاده له، ما لا [ ص: 303 ] يمكن أن يكون في حديث ركانة، فإن ركانة لم يكن له أولاد أدركوا النبي - صلى الله عليه وسلم - يعدون من الصحابة، وإنما المعدود من الصحابة هو وإخوته وأبوه، كما في حديث ابن جريج.

لكن يجاب عن هذا بأن عبد يزيد أبا ركانة لم يذكره في الصحابة الزبير بن بكار ولا ابن عبد البر ولا غيرهما من المصنفين في الصحابة فيما علمنا ، بل قال الزبير بن بكار في كتاب "نسب قريش وأخبارها" : وولد هاشم بن المطلب بن عبد مناف: عبد يزيد، وأمه الشفاء بنت هاشم بن عبد مناف. فولد عبد يزيد بن هاشم: ركانة وعجير وعبيد وعمير بني عبد يزيد، وأمهم العجلة بنت العجلان ونسبها إلى كنانة.

قال: وركانة بن عبد يزيد الذي صارع النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الإسلام، وكان أشد الناس، فقال: يا محمد! إن صرعتني آمنت بك، فصرعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أشهد أنك ساحر. ثم أسلم بعد، وأطعمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسين وسقا بخيبر. ونزل ركانة المدينة، ومات بها في أول خلافة معاوية .

قال: وعجير بن عبد يزيد أطعمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثين وسقا . [ ص: 304 ]

قال: وولد عبيد بن عبد يزيد: السائب، أسر يوم بدر، وكان يشبه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - .

فقد بين أن ركانة وابنه كانا من الصحابة، بخلاف أبيه عبد يزيد.

وأيضا فلا يجوز أن يكون في الصحابة من يسمى بهذا الاسم، فتبين أن المطلق ركانة لا أبوه.

وإذا قال القائل: ما في حديث ابن جريج من قصة عبد يزيد أبي ركانة لا يعارضه حديث ركانة بوجه من الوجوه، [و] لم يجز دفع أحدهما بالآخر، بل يبقى النظر في رواة هذا الحديث، وهم ثقات معروفون إلا بعض بني أبي رافع، فإنه يحتاج إلى معرفتهم، فإنهم ليسوا من ولده لصلبه، إذ ولده لصلبه عبد الله وعبيد الله كاتب علي رضي الله عنه، وهذان قديمان لا يرويان عن عكرمة، ولا يروي عنهما ابن جريج.

قيل: هذا الحديث قد روي بإسناد آخر معروف الرجال، وهو يبين أن القصة واحدة، رواه أحمد والبيهقي وغيرهما من حديث إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق، فجعل المطلق ركانة. ورواه القاضي الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم من حديث يونس بن بكير، فقال في "كتاب الطلاق": ثنا محمد بن الحسين، ثنا ابن ، ثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن أبا ركانة طلق امرأته ثلاثا، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 305 ] فقال: يا رسول الله! طلقت امرأتي ثلاثا بكلمة واحدة، وإني قد وجدت عليها وجدا شديدا، فقال: "أتريد أن ترتجعها"؟ قال: قلت نعم يا رسول الله، قال: "فإنما هي واحدة".

وقد رواه البيهقي فقال في "السنن الكبير" : وقد روى محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: طلق ركانة امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف طلقها، قال: طلقتها ثلاثا، فقال: في مجلس واحد؟ قال: نعم، قال: إنما تلك واحدة، فارجعها إن شئت، فراجعها. وكان ابن عباس يرى أنما الطلاق عند كل طهر، فتلك السنة التي كان عليها الناس، والتي أمر الله بها فطلقوهن لعدتهن .

قال البيهقي: أخبرناه أبو بكر بن الحارث، ثنا أبو محمد بن حيان، ثنا سلم بن عصام، ثنا عبيد الله بن سعد، ثنا عمي، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، فذكره.

قال البيهقي: وهذا الإسناد لا تقوم به حجة مع ثمانية رووا عن ابن عباس فتياه بخلاف ذلك، ومع رواية أولاد ركانة أن طلاق ركانة كانت واحدة.

قلت: أما المعارضة بفتيا ابن عباس ففيها كلام مذكور في موضع آخر . وأما حديث أولاد ركانة فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله، [ ص: 306 ] لكن البيهقي ذكر في حديث أن المطلق ركانة، وهو الصواب. وقد رواه أحمد في المسند من هذا الوجه فقال: ثنا سعد بن إبراهيم، ثنا أبي عن محمد بن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: طلق ركانة بن عبد يزيد أخو المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، قال: فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف طلقتها؟ قال: طلقتها ثلاثا، قال: في مجلس واحد؟ قال: نعم، فقال: إنما تلك واحدة، فارجعها إن شئت، قال: فرجعها. فكان ابن عباس يرى أنما الطلاق عند كل طهر.

وهذا الحديث خرجه أبو عبد الله المقدسي في صحيحه الذي هو خير من صحيح الحاكم. فقد اتفق يونس بن بكير وإبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق على هذا الحديث، لكن قال أحدهما: إن المطلق ثلاثا أبو ركانة، كما في حديث ابن جريج، وقال الآخر: إنه ركانة. فإن كان المطلق أبا ركانة فلا منافاة بينه وبين حديث ركانة في البتة، وإن كان المطلق ركانة فهذه الرواية من هذين الوجهين تعارض من روى أنه قال: لم أطلق إلا واحدة. ورواة هذا الحديث مشهورون بحمل العلم، بخلاف ذاك، لكن ذاك من رواية أهل بيته.

ويعضد رواية من روى أن الطلاق كان ثلاثا حديث ابن عباس الذي في صحيح مسلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر. فهذا يوافق رواية ابن عباس، ورواية ابن عباس من وجهين عن عكرمة يصدق أحدهما صاحبه، فإن عكرمة عن [ ص: 307 ] ابن عباس أثبت من عبد الله بن علي بن [يزيد بن] ركانة عن أبيه عن جده. وقد قال أحمد: حديث ركانة ليس بشيء . وابن إسحاق يدخله أبو حاتم وابن خزيمة وابن حزم في الصحيح.

والبيهقي اعتقد أن القضية واحدة، كما اعتقدها أبو داود، ولكن ما رووه يخالف ذلك، فإما أن يكون الغلط فيما رووه، أو الغلط منهم في فهم ما رووه، ولا ريب أنهم صادقون فيما رووه رضي الله عنهم.

وهذا الحديث عمل به رواته، فكان ابن إسحاق يعمل به، ويقول: إن الثلاث بكلمة واحدة واحدة . وكذلك عكرمة راويه عن ابن عباس. وروي ذلك عن ابن عباس أيضا، كما قال أبو داود في سننه : وروى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس إذا قال: أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة. قال: وروى إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن عكرمة هذا قوله، لم يذكر ابن عباس، وجعله قول عكرمة.

التالي السابق


الخدمات العلمية