الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة كل زيادة لم يقابلها عوض

المسألة الثالثة : قال علماؤنا : الربا في اللغة هو الزيادة ، ولا بد في الزيادة من مزيد عليه تظهر الزيادة به ; فلأجل ذلك اختلفوا هل هي عامة في تحريم كل ربا ، أو مجملة لا بيان لها إلا من غيرها ؟ والصحيح أنها عامة ; لأنهم كانوا يتبايعون ويربون ، وكان الربا عندهم معروفا ، يبايع الرجل الرجل إلى أجل ، فإذا حل الأجل قال : أتقضي أم تربي ؟ يعني أم تزيدني على مالي عليك وأصبر أجلا آخر . فحرم الله تعالى الربا ، وهو الزيادة ; ولكن لما كان كما قلنا لا تظهر الزيادة إلا على مزيد عليه ، ومتى قابل الشيء غير جنسه في المعاملة لم تظهر الزيادة ، وإذا قابل جنسه لم تظهر الزيادة أيضا إلا بإظهار الشرع ، ولأجل هذا صارت الآية مشكلة على الأكثر ، معلومة لمن أيده الله تعالى بالنور الأظهر .

[ ص: 321 ] وقد فاوضت فيها علماء ، وباحثت رفعاء ، فكل منهم أعطى ما عنده حتى انتظم فيها سلك المعرفة بدرره وجوهرته العليا .

إن من زعم أن هذه الآية مجملة فلم يفهم مقاطع الشريعة ; فإن الله تعالى أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم إلى قوم هو منهم بلغتهم ، وأنزل عليهم كتابه تيسيرا منه بلسانه ولسانهم ; وقد كانت التجارة والبيع عندهم من المعاني المعلومة ، فأنزل عليهم مبينا لهم ما يلزمهم فيهما ويعقدونهما عليه ، فقال تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم }

والباطل كما بيناه في كتب الأصول ، هو الذي لا يفيد وقع التعبير به عن تناول المال بغير عوض في صورة العوض .

والتجارة هي مقابلة الأموال بعضها ببعض ، وهو البيع ; وأنواعه في متعلقاته بالمال كالأعيان المملوكة ، أو ما في معنى المال كالمنافع ، وهي ثلاثة أنواع : عين بعين ، وهو بيع النقد ; أو بدين مؤجل وهو السلم ، أو حال وهو يكون في التمر أو على رسم الاستصناع ، أو بيع عين بمنفعة وهو الإجارة .

والربا في اللغة هو الزيادة ، والمراد به في الآية كل زيادة لم يقابلها عوض ; فإن الزيادة ليست بحرام لعينها ، بدليل جواز العقد عليها على وجهه ، ولو كانت حراما ما صح أن يقابلها عوض ، ولا يرد عليها عقد كالخمر والميتة وغيرها .

وتبين أن معنى الآية : " وأحل الله البيع المطلق الذي يقع فيه العوض على صحة القصد والعمل ، وحرم منه ما وقع على وجه الباطل " .

وقد كانت الجاهلية تفعله كما تقدم ، فتزيد زيادة لم يقابلها عوض ، وكانت تقول : إنما البيع مثل الربا أي : إنما الزيادة عند حلول الأجل آخرا مثل أصل الثمن في أول العقد ; فرد الله تعالى عليهم قولهم ، وحرم ما اعتقدوه حلالا عليهم ، وأوضح أن الأجل إذا حل ولم يكن عنده ما يؤدي أنظر إلى الميسرة تخفيفا ، يحققه أن الزيادة إنما تظهر بعد تقدير العوضين فيه ، وذلك على قسمين : [ ص: 322 ] أحدهما : تولى الشرع تقدير العوض فيه ، وهو الأموال الربوية ، فلا تحل الزيادة فيه .

وأما الذي وكله إلى المتعاقدين فالزيادة فيه على قدر مالية العوضين عند التقابل على قسمين : أحدهما : ما يتغابن الناس بمثله فهو حلال بإجماع .

ومنه ما يخرج عن العادة ; واختلف علماؤنا فيه ، فأمضاه المتقدمون وعدوه من فن التجارة ، ورده المتأخرون ببغداد ونظرائها وحدوا المردود بالثلث .

والذي أراه أنه إذا وقع عن علم المتعاقدين فإنه حلال ماض ; لأنهما يفتقران إلى ذلك في الأوقات ، وهو داخل تحت قوله تعالى : { إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم }

وإن وقع عن جهل من أحدهما فإن الآخر بالخيار ، وفي مثله ورد الحديث { أن رجلا كان يخدع في البيوع فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم : فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا بايعت فقل : لا خلابة } . زاد الدارقطني وغيره : { ولك الخيار ثلاثا }

، وقد مهدناه في شرح الحديث ومسائل الخلاف ; فهذا أصل علم هذا الباب .

فإن قيل : أنكرتم الإجمال في الآية ، وما أوردتموه من البيان والشروط هو بيان ما لم يكن في الآية مبينا ، ولا يوجد عنها من القول ظاهرا .

قلنا : هذا سؤال من لم يحضر ما مضى من القول ، ولا ألقى إليه السمع وهو شهيد ، وقد توضح في مسائل الكلام أن جميع ما أحل الله لهم أو حرم عليهم كان معلوما عندهم ; لأن الخطاب جاء فيه بلسانهم ، فقد أطلق لهم حل ما كانوا يفعلونه من بيع وتجارة ويعلمونه ، وحرم عليهم الربا وكانوا يفعلونه ، وحرم عليهم أكل المال بالباطل [ ص: 323 ] وقد كانوا يفعلونه ويعلمونه ويتسامحون فيه ; ثم إن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقي إليهم زيادة فيما كان عندهم من عقد أو عوض لم يكن عندهم جائزا ، فألقى إليهم وجوه الربا المحرمة في كل مقتات ، وثمن الأشياء مع الجنس متفاضلا ، وألحق به بيع الرطب بالتمر ، والعنب بالزبيب ، والبيع والسلف ، وبين وجوه أكل المال بالباطل في بيع الغرر كله أو ما لا قيمة له شرعا فيما كانوا يعتقدونه متقوما كالخمر والميتة والدم وبيع الغش ، ولم يبق في الشريعة بعد هاتين الآيتين بيان يفتقر إليه في الباب ، وبقي ما وراءهما على الجواز ; إلا أنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم : { ما لا يصح ستة وخمسون معنى نهى عنها } .

الأول والثاني : ثمن الأشياء جنسا بجنس ، والثالث والرابع والخامس والسادس والسابع : بيع المقتات أو ثمن الأشياء جنسا بجنس متفاضلا ، أو جنسا بغير جنسه نسيئة ، أو بيع الرطب بالتمر ، أو العنب بالزبيب ، أو بيع المزابنة على أحد القولين ، أو عن بيع وسلف ; وهذا كله داخل في بيع الربا ، وهو مما تولى الشرع تقدير العوض فيه ، فلا تجوز الزيادة عليه .

الثامن بيعتان في بيعة . التاسع بيع الغرر ، ورد بيع الملامسة والمنابذة والحصاة ، وبيع الثنيا ، وبيع العربان وما ليس عندك ، والمضامين ، والملاقيح ، وحبل حبلة .

ويتركب عليهما من وجه بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها وبيع السنبل حتى يشتد ، والعنب حتى يسود ، وهو مما قبله ، وبيع المحاقلة والمعاومة والمخابرة والمحاصرة ، وبيع ما لم يقبض ، وربح ما لم يضمن ، وبيع الطعام قبل أن يستوفي من بعض ما تقدم ، والخمر والميتة وشحومها ، وثمن الدم ، وبيع الأصنام ، وعسب الفحل ، والكلب والسنور ، وكسب الحجام ، ومهر البغي ، وحلوان الكاهن ، وبيع المضطر ، وبيع الولاء ، وبيع الولد أو الأم فردين ، أو الأخ والأخ فردين ، وكراء الأرض والماء والكلأ والنجش ، وبيع الرجل على بيع أخيه ، وخطبته على خطبة أخيه ، وحاضر لباد ، وتلقي السلع والقينات .

فهذه ستة وخمسون معنى حضرت الخاطر مما نهى عنه أوردناها حسب نسقها في [ ص: 324 ] الذكر .

وهي ترجع في التقسيم الصحيح الذي أوردناه في المسائل إلى سبعة أقسام : ما يرجع إلى صفة العقد ، وما يرجع إلى صفة المتعاقدين ، وما يرجع إلى العوضين ، وإلى حال العقد ، والسابع وقت العقد كالبيع وقت نداء يوم الجمعة ، أو في آخر جزء من الوقت المعين للصلاة .

ولا تخرج عن ثلاثة أقسام ; وهي الربا ، والباطل ، والغرر .

ويرجع الغرر بالتحقيق إلى الباطل فيكون قسمين على الآيتين ، وهذه المناهي تتداخل ويفصلها المعنى .

ومنها أيضا ما يدخل في الربا والتجارة ظاهرا ، ومنها ما يخرج عنها ظاهرا ; ومنها ما يدخل فيها باحتمال ، ومنها ما ينهى عنها مصلحة للخلق وتألفا بينهم لما في التدابر من المفسدة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث