الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                        باب العرض في الزكاة وقال طاوس قال معاذ رضي الله عنه لأهل اليمن ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وقال النبي صلى الله عليه وسلم وأما خالد فقد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله وقال النبي صلى الله عليه وسلم تصدقن ولو من حليكن فلم يستثن صدقة الفرض من غيرها فجعلت المرأة تلقي خرصها وسخابها ولم يخص الذهب والفضة من العروض 1380 حدثنا محمد بن عبد الله قال حدثني أبي قال حدثني ثمامة أن أنسا رضي الله عنه حدثه أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له التي أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده وعنده بنت لبون فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها وعنده ابن لبون فإنه يقبل منه وليس معه شيء [ ص: 366 ]

                                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                                        [ ص: 366 ] قوله : ( باب العرض في الزكاة ) أي : جواز أخذ العرض ، وهو بفتح المهملة وسكون الراء بعدها معجمة ، والمراد به ما عدا النقدين . قال ابن رشيد : وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم ، لكن قاده إلى ذلك الدليل . وقد أجاب الجمهور عن قصة معاذ ، وعن الأحاديث كما سيأتي عقب كل منها .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( وقال طاوس : قال معاذ لأهل اليمن ) هذا التعليق صحيح الإسناد إلى طاوس ، لكن طاوسا لم يسمع من معاذ فهو منقطع ، فلا يغتر بقول من قال : ذكره البخاري بالتعليق الجازم فهو صحيح عنده ، لأن ذلك لا يفيد إلا الصحة إلى من علق عنه ، وأما باقي الإسناد فلا ، إلا أن إيراده له في معرض الاحتجاج به يقتضي قوته عنده ، وكأنه عضده عنده الأحاديث التي ذكرها في الباب . وقد روينا أثر طاوس المذكور في " كتاب الخراج ليحيى بن آدم " من رواية ابن عيينة ، عن إبراهيم بن ميسرة ، وعمرو بن دينار فرقهما كلاهما عن طاوس .

                                                                                                                                                                                                        وقوله " خميص " ) قال الداودي ، والجوهري وغيرهما : ثوب خميس بسين مهملة هو ثوب طوله خمسة أذرع ، وقيل : سمي بذلك لأن أول من عمله الخميس ملك من ملوك اليمن . وقال عياض : ذكره البخاري بالصاد ، وأما أبو عبيدة فذكره بالسين ، قال أبو عبيدة : كأن معاذا عنى الصفيق من الثياب . وقال عياض : قد يكون المراد ثوب خميص أي : خميصة ، لكن ذكره على إرادة الثوب .

                                                                                                                                                                                                        وقوله " لبيس " ) أي : ملبوس ، فعيل بمعنى مفعول .

                                                                                                                                                                                                        وقوله : " في الصدقة " ) يرد قول من قال : إن ذلك كان في الخراج ، وحكى البيهقي أن بعضهم قال فيه : " من الجزية " بدل الصدقة ، فإن ثبت ذلك سقط الاستدلال ، لكن المشهور الأول ، وقد رواه ابن أبي شيبة ، عن وكيع ، عن الثوري ، عن إبراهيم بن ميسرة ، عن طاوس : أن معاذا كان يأخذ العروض في الصدقة . وأجاب الإسماعيلي باحتمال أن يكون المعنى ائتوني به آخذه منكم مكان الشعير والذرة الذي آخذه شراء بما آخذه فيكون بقبضه قد بلغ محله ، ثم يأخذ مكانه ما يشتريه مما هو أوسع عندهم وأنفع للآخذ . قال : ويؤيده أنها لو كانت من الزكاة لم تكن مردودة على الصحابة ، وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ الصدقة من أغنيائهم فيردها على فقرائهم . وأجيب بأنه لا مانع من أنه كان يحمل الزكاة إلى الإمام ليتولى قسمتها . وقد احتج به من يجيز نقل الزكاة من بلد إلى بلد ، وهي مسألة خلافية أيضا . وقيل في الجواب عن قصة معاذ : إنها اجتهاد منه فلا حجة فيها ، وفيه نظر لأنه كان أعلم الناس بالحلال [ ص: 367 ] والحرام ، وقد بين له النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسله إلى اليمن ما يصنع . وقيل : كانت تلك واقعة حال لا دلالة فيها ، لاحتمال أن يكون علم بأهل المدينة حاجة لذلك ، وقد قام الدليل على خلاف عمله ذلك . وقال القاضي عبد الوهاب المالكي : كانوا يطلقون على الجزية اسم الصدقة فلعل هذا منها . وتعقب بقوله : " مكان الشعير والذرة " . وما كانت الجزية حينئذ من أولئك من شعير ولا ذرة إلا من النقدين .

                                                                                                                                                                                                        . وقوله " أهون عليكم " أراد معنى تسلط السهولة عليهم ، فلم يقل : أهون لكم .

                                                                                                                                                                                                        وقوله : " وخير لأصحاب محمد " . أي : أرفق بهم ، لأن مؤنة النقل ثقيلة ، فرأى الأخف في ذلك خيرا من الأثقل .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( وقال النبي صلى الله عليه وسلم : وأما خالد ) هو طرف من حديث لأبي هريرة أوله : " أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصدقة ، فقيل : منع ابن جميل " الحديث ، وسيأتي موصولا في " باب قول الله : وفي الرقاب " مع بقية الكلام عليه ، إن شاء الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( وقال النبي صلى الله عليه وسلم : تصدقن ولو من حليكن . فلم يستثن صدقة الفرض من غيرها ، فجعلت المرأة تلقي خرصها وسخابها ، ولم يخص الذهب والفضة من العروض ) أما الحديث فطرف من حديث لابن عباس أخرجه المصنف بمعناه ، وقد تقدم في العيدين ، وهو عند مسلم بلفظه من طريق عدي بن ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس وأوله : " خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم فطر أو أضحى " الحديث . وفيه : " فجعلت المرأة تلقي خرصها وسخابها " . والخرص بضم المعجمة وسكون الراء بعدها مهملة : الحلقة التي تجعل في الأذن ، وقد ذكره المصنف موصولا في آخر الباب لكن لفظه : " فجعلت المرأة تلقي ، وأشار أيوب إلى أذنه وحلقه " . وقد وقع تفسير ذلك بما ذكره في الترجمة من قوله : " تلقي خرصها وسخابها " ، لأن الخرص من الأذن والسخاب من الحلق ، والسخاب بكسر المهملة بعدها معجمة وآخره موحدة : القلادة . وقوله : " فلم يستثن " ، وقوله : " فلم يخص " كل من الكلامين للبخاري ، ذكرهما بيانا لكيفية الاستدلال على أداء العرض في الزكاة ، وهو مصير منه إلى أن مصارف الصدقة الواجبة كمصارف صدقة التطوع بجامع ما فيهما من قصد القربة ، والمصروف إليهم بجامع الفقر والاحتياج ، إلا ما استثناه الدليل . وأما من وجهه فقال : لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم النساء بالصدقة في ذلك اليوم - وأمره على الوجوب - صارت صدقة واجبة ، ففيه نظر لأنه لو كان للإيجاب هنا لكان مقدرا ، وكانت المجازفة فيه وقبول ما تيسر غير جائز . ويمكن أن يكون تمسك بقوله : " تصدقن " . فإنه مطلق يصلح لجميع أنواع الصدقات واجبها ونفلها ، وجميع أنواع المتصدق به عينا وعرضا ، ويكون قوله : " ولو من حليكن " للمبالغة أي : ولو لم تجدن إلا ذلك . وموضع الاستدلال منه للعرض قوله : " وسخابها " ، لأنه قلادة تتخذ من مسك وقرنفل ونحوهما تجعل في العنق ، والبخاري فيما عرف بالاستقراء من طريقته يتمسك بالمطلقات تمسك غيره بالعمومات .

                                                                                                                                                                                                        ثم ذكر المصنف في الباب حديث أنس أن أبا بكر كتب له فذكر طرفا من حديث الصدقات ، وسيأتي معظمه في " باب زكاة الغنم " وموضع الدلالة منه قبول ما هو أنفس مما يجب على المتصدق وإعطاؤه التفاوت من جنس غير الجنس الواجب ، وكذا العكس ، لكن أجاب الجمهور عن ذلك بأنه لو كان لكان كذلك ينظر إلى ما بين الشيئين في القيمة ، فكان العرض [1] . يزيد تارة وينقص أخرى لاختلاف ذلك في الأمكنة والأزمنة ، فلما قدر الشارع التفاوت [ ص: 368 ] بمقدار معين لا يزيد ولا ينقص كان ذلك هو الواجب في الأصل في مثل ذلك ، ولولا تقدير الشارع بذلك لتعينت بنت المخاض مثلا ولم يجز أن تبدل بنت لبون مع التفاوت . والله أعلم




                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية