الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                        1885 حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة ح وحدثني محمد حدثنا غندر حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي أيوب عن جويرية بنت الحارث رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال أصمت أمس قالت لا قال تريدين أن تصومي غدا قالت لا قال فأفطري وقال حماد بن الجعد سمع قتادة حدثني أبو أيوب أن جويرية حدثته فأمرها فأفطرت

                                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                                        قوله : ( وحدثني محمد حدثنا غندر ) لم ينسب محمد المذكور في شيء من الطرق ، والذي يظهر أنه بندار محمد بن بشار وبذلك جزم أبو نعيم في " المستخرج " بعد أن أخرجه من طريقه ومن طريق محمد بن المثنى جميعا عن غندر .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( عن أبي أيوب ) في رواية يوسف القاضي في الصيام له من طريق خالد بن الحارث عن شعبة عن قتادة : " سمعت أبا أيوب " ووافقه همام عن قتادة أخرجه أبو داود وقال في روايته : " عن أبي أيوب العتكي " وهو بفتح المهملة والمثناة نسبة إلى بطن من الأزد ، ويقال له أيضا : المراغي بفتح الميم والراء ثم بالغين المعجمة ، ورواه الطحاوي من طريق شعبة وهمام وحماد بن سلمة جميعا عن قتادة ، وليس لجويرية زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - في البخاري من روايتها سوى هذا الحديث ، وله شاهد من حديث جنادة بن أبي أمية عند النسائي بإسناد صحيح بمعنى حديث جويرية ، واتفق شعبة وهمام عن قتادة على هذا الإسناد ، وخالفهما سعيد بن أبي عروبة فقال عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو بن العاص : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على جويرية " فذكره ، أخرجه النسائي وصححه ابن حبان ، والراجح طريق شعبة لمتابعة همام وحماد بن سلمة له ، وكذا حماد بن الجعد كما سيأتي ، ويحتمل أن تكون طريق سعيد محفوظة أيضا ، فإن معمرا رواه عن قتادة عن سعيد بن المسيب أيضا لكن أرسله .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( أفطري ) زاد أبو نعيم في روايته " إذا " .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( وقال حماد بن الجعد . . . إلخ ) وصله أبو القاسم البغوي في " جمع حديث هدبة بن خالد " قال : " حدثنا هدبة حدثنا حماد بن الجعد سئل قتادة عن صيام النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : حدثني أبو أيوب " فذكره ، وقال في آخره : " فأمرها فأفطرت " وحماد بن الجعد فيه لين ، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع . واستدل بأحاديث الباب على منع إفراد يوم الجمعة بالصيام ، ونقله أبو الطيب الطبري عن أحمد وابن المنذر [ ص: 276 ] وبعض الشافعية ، وكأنه أخذه من قول ابن المنذر : ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة كما ثبت عن صوم يوم العيد ، وزاد يوم الجمعة الأمر بفطر من أراد إفراده بالصوم ، فهذا قد يشعر بأنه يرى بتحريمه .

                                                                                                                                                                                                        وقال أبو جعفر الطبري : يفرق بين العيد والجمعة بأن الإجماع منعقد على تحريم صوم يوم العيد ، ولو صام قبله أو بعده ، بخلاف يوم الجمعة ، فالإجماع منعقد على جواز صومه لمن صام قبله أو بعده . ونقل ابن المنذر وابن حزم منع صومه عن علي وأبي هريرة وسلمان وأبي ذر ، قال ابن حزم : لا نعلم لهم مخالفا من الصحابة . وذهب الجمهور إلى أن النهي فيه للتنزيه ، وعن مالك وأبي حنيفة لا يكره ، قال مالك : لم أسمع أحدا ممن يقتدى به ينهى عنه ، قال الداودي : لعل النهي ما بلغ مالكا . وزعم عياض أن كلام مالك يؤخذ منه النهي عن إفراده ؛ لأنه كره أن يخص يوم من الأيام بالعبادة فيكون له في المسألة روايتان . وعاب ابن العربي قول عبد الوهاب منهم : يوم لا يكره صومه مع غيره فلا يكره وحده . لكونه قياسا مع وجود النص . واستدل الحنفية بحديث ابن مسعود : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ، وقلما كان يفطر يوم الجمعة حسنه الترمذي ، وليس فيه حجة ؛ لأنه يحتمل أن يريد " كان لا يتعمد فطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها " ، ولا يضاد ذلك كراهة إفراده بالصوم جمعا بين الحديثين ، ومنهم من عده من الخصائص ، وليس بجيد ؛ لأنها لا تثبت بالاحتمال . والمشهور عند الشافعية وجهان : أحدهما - ونقله المزني عن الشافعي أنه لا يكره إلا لمن أضعفه صومه عن العبادة التي تقع فيه من الصلاة والدعاء والذكر ، والثاني وهو الذي صححه المتأخرون كقول الجمهور ، واختلف في سبب النهي عن إفراده على أقوال : أحدها : لكونه يوم عيد ، والعيد لا يصام ، واستشكل ذلك مع الإذن بصيامه مع غيره .

                                                                                                                                                                                                        وأجاب ابن القيم وغيره بأن شبهه بالعيد لا يستلزم استواءه معه من كل جهة ، ومن صام معه غيره انتفت عنه صورة التحري بالصوم . ثانيها لئلا يضعف عن العبادة وهذا اختاره النووي ، وتعقب ببقاء المعنى المذكور مع صوم غيره معه ، وأجاب أنه يحصل بفضيلة اليوم الذي قبله أو بعده جبر ما يحصل يوم صومه من فتور أو تقصير ، وفيه نظر فإن الجبران لا ينحصر في الصوم بل يحصل بجميع أفعال الخير فيلزم منه جواز إفراده لمن عمل فيه خيرا كثيرا يقوم مقام صيام يوم قبله أو بعده كمن أعتق فيه رقبة مثلا ولا قائل بذلك . وأيضا فكأن النهي يختص بمن يخشى عليه الضعف لا من يتحقق القوة ، ويمكن الجواب عن هذا بأن المظنة أقيمت مقام المئنة كما في جواز الفطر في السفر لمن لم يشق عليه . ثالثها خوف المبالغة في تعظيمه فيفتتن به كما افتتن اليهود بالسبت ، وهو منتقض بثبوت تعظيمه بغير الصيام ، وأيضا فاليهود لا يعظمون السبت بالصيام فلو كان الملحوظ ترك موافقتهم لتحتم صومه ؛ لأنهما لا يصومونه . وقد روى أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان من حديث أم سلمة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصوم من الأيام السبت والأحد ، وكان يقول إنهما يوما عيد للمشركين فأحب أن أخالفهم .

                                                                                                                                                                                                        رابعها : خوف اعتقاد وجوبه ، وهو منتقض بصوم الاثنين والخميس ، وسيأتي ذكر ما ورد فيهما في الباب الذي يليه . خامسها : خشية أن يفرض عليهم كما خشي - صلى الله عليه وسلم - من قيامهم الليل ذلك ، قال المهلب : وهو منتقض بإجازة صومه مع غيره ، وبأنه لو كان كذلك لجاز بعده - صلى الله عليه وسلم - لارتفاع السبب ، لكن المهلب حمله على ذلك اعتقاده عدم الكراهة على ظاهر مذهبه . سادسها : مخالفة النصارى ؛ لأنه يجب عليهم صومه ونحن مأمورون بمخالفتهم نقلها القمولي وهو ضعيف . وأقوى الأقوال وأولاها [ ص: 277 ] بالصواب أولها ، وورد فيه صريحا حديثان : أحدهما رواه الحاكم وغيره من طريق عامر بن لدين عن أبي هريرة مرفوعا : يوم الجمعة يوم عيد ، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم ، إلا أن تصوموا قبله أو بعده . والثاني رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي وقال : " من كان منكم متطوعا من الشهر فليصم يوم الخميس ، ولا يصم يوم الجمعة ؛ فإنه يوم طعام وشراب وذكر " .




                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية