الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                2040 وحدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك بن أنس عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول قال أبو طلحة لأم سليم قد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفا أعرف فيه الجوع فهل عندك من شيء فقالت نعم فأخرجت أقراصا من شعير ثم أخذت خمارا لها فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت ثوبي وردتني ببعضه ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فذهبت به فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في المسجد ومعه الناس فقمت عليهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلك أبو طلحة قال فقلت نعم فقال ألطعام فقلت نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه قوموا قال فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته فقال أبو طلحة يا أم سليم قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس وليس عندنا ما نطعمهم فقالت الله ورسوله أعلم قال فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه حتى دخلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هلمي ما عندك يا أم سليم فأتت بذلك الخبز فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففت وعصرت عليه أم سليم عكة لها فأدمته ثم قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقول ثم قال ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال ائذن لعشرة حتى أكل القوم كلهم وشبعوا والقوم سبعون رجلا أو ثمانون

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                وأما الحديث الثالث حديث أنس في طعام أبي طلحة ففيه أيضا هذان العلمان من أعلام النبوة ، وهما تكثير القليل ، وعلمه صلى الله عليه وسلم بأن هذا القليل سيكثره الله تعالى فيكفي هؤلاء الخلق الكثير ، فدعاهم له . واعلم أن أنسا - رضي الله عنه - روى هنا حديثين الأول من طريق ، والثاني من طريق ، وهما قضيتان جرت فيهما هاتان المعجزتان وغيرهما من المعجزات . ففي الحديث الأول : أن أبا طلحة وأم سليم - رضي الله عنهما - أرسلا أنسا - رضي الله عنه - إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأقراص شعير ، قال أنس : فذهبت فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في المسجد ومعه أصحابه فقمت عليهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرسلك أبو طلحة ؟ فقلت : نعم : فقال ، ألطعام ؟ فقلت : [ ص: 189 ] نعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه : قوموا " فانطلق ، وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته ، فقال أبو طلحة : يا أم سليم ، قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس ، وليس عندنا ما نطعمهم فقالت : الله ورسوله أعلم ، قال : فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه حتى دخلا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هلمي ما عندك يا أم سليم ؟ فأتت بذلك الخبز فأمر به صلى الله عليه وسلم ففت ، وعصرت عليه عكة لها فأدمته ، ثم قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقول ، ثم قال : ائذن لعشرة فأذن لهم ، فأكلوا حتى شبعوا ، ثم خرجوا ، ثم قال : ائذن لعشرة حتى أكل القوم كلهم وشبعوا ، والقوم سبعون رجلا أو ثمانون .

                                                                                                                قوله صلى الله عليه وسلم : ( أرسلك أبو طلحة ؟ فقلت : نعم ) وقوله : ( ألطعام ؟ فقلت : نعم ) هذان علمان من أعلام النبوة ، وذهابه صلى الله عليه وسلم بهم علم ثالث كما سبق ، وتكثير الطعام علم رابع ، وفيه ما تقدم في حديث أبي هريرة وحديث جابر من ابتلاء الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه - والاختبار بالجوع وغيره من المشاق ؛ ليصبروا ، فيعظم أجرهم ومنازلهم . وفيه : ما كانوا عليه من كتمان ما بهم .

                                                                                                                وفيه : ما كانت الصحابة - رضي الله عنهم - عليه من الاعتناء بأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفيه : استحباب بعث الهدية وإن كانت قليلة بالنسبة إلى مرتبة المبعوث إليه ؛ لأنها وإن قلت فهي خير من العدم .

                                                                                                                وفيه جلوس العالم لأصحابه يفيدهم ويؤدبهم . واستحباب ذلك في المساجد ، وفيه : انطلاق صاحب الطعام بين يدي الضيفان وخروجه ليتلقاهم ، وفيه منقبة لأم سليم - رضي الله عنها - ودلالة على عظيم فقهها ورجحان عقلها لقولها : الله ورسوله أعلم ، ومعناه : أنه قد عرف الطعام فهو أعلم بالمصلحة ، فلو لم يعلمها في مجيء الجمع العظيم لم يفعلها فلا تحزن من ذلك . وفيه : استحباب فت الطعام ، واختيار الثريد على الغمس باللقم .

                                                                                                                وقوله : ( عصرت عليه عكة ) هي بضم العين وتشديد الكاف وهي وعاء صغير من جلد للسمن خاصة .

                                                                                                                وقوله : ( فآدمته ) هو بالمد والقصر لغتان ( آدمته وأدمته ) أي جعلت فيه إداما ، وإنما أذن لعشرة [ ص: 190 ] عشرة ليكون أرفق بهم ، فإن القصعة التي فت فيها تلك الأقراص لا يتحلق عليها أكثر من عشرة إلا بضرر يلحقهم ، لبعدها عنهم . والله أعلم .




                                                                                                                الخدمات العلمية