الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ثم قال تعالى : ( وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ) الآية الماضية في حكم غير الممسوسة إذا لم يفرض لها ، وهذه في حكمها وقد فرض لها المهر ، وهو أن لها نصف المهر المفروض .

                          قال ( الجلال ) : فنصف ما فرضتم يجب لهن ويرجع لكم النصف .

                          قال الأستاذ الإمام : وهذا جرى على أن الذي كان عليه العمل هو سوق المهر كله للمرأة عند العقد ، خلافا لما استحدثه الناس بعد من تأخير ثلث المهر أي في الغالب ، وقد يؤخرون أكثر من الثلث أو أقل حتى كأن ذلك من سنن الدين ، وما هو إلا عادة من العادات ، والظاهر أن سببها حب الظهور بكثرة المهر والفخر به ، مع اجتناب الإرهاق بدفعه كله . وقدر غير الجلال : فالواجب نصف ما فرضتم - أو - فادفعوا نصف ما فرضتم ، والمعنى ظاهر على كل تقدير ( إلا أن يعفون ) أي : النساء المطلقات عن أخذ النصف كله أو بعضه ، وهو حق البالغة الرشيدة ( أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ) قيل : هو الولي مطلقا وعليه جماعة من المفسرين ، أو الولي المجبر وهو الأب أو الجد فيعفو له عن النصف الواجب كله أو بعضه ، والشيعة لا تبيح له العفو عن كله ، وقال كثير منهم : إن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج الذي بيده حلها ، قال الأستاذ الإمام : عبر عنه بهذا للتنبيه على أن الذي ربط المرأة وأمسك العقدة بيده لا يليق به أن يحلها ويدعها بدون شيء ، بل يستحب له العفو والسماح بكل ما كان قد أعطى وإن كان الواجب المحتم نصفه ، فذلك تمهيد لقوله : ( وأن تعفوا أقرب للتقوى ) [ ص: 343 ] والخطاب على هذا خاص بالرجال ، وفيه وجه آخر أنه عام للنساء والرجال ، أي من عفا فهو المتقي ، ويروى عن جبير بن مطعم أنه تزوج بنتا لسعد بن أبي وقاص ثم طلقها قبل الدخول وأعطاها جميع المهر ، فسئل عن هذا فقال : أما التزوج فلأنه عرضها علي فما رأيت أن أرده ، وأما العفو فأنا أحق بالفضل . هكذا قال من روى القصة بالمعنى ، وفي التفسير الكبير أن جبيرا قال : أنا أحق بالعفو ، وإذا كان هذا لفظه فهو دليل على أن الخطاب عام على سبيل التغليب ، ويرجحه اختلاف الأحوال ، ففي بعض الأحوال تكون المصلحة في عفو الرجل عن النصف الآخر ، وفي بعضها تكون في عفو المرأة عن النصف الواجب لها; ذلك لأن الطلاق قد يكون من قبله بلا علة منها وقد يكون بالعكس ، والذي تراه في عامة كتب التفسير أن المراد بالتقوى هنا تقوى الله تعالى المطلوبة في كل شيء; وذلك أن العفو أكثر ثوابا وأجرا .

                          وقال الأستاذ الإمام : إن التقوى في هذا المقام اتقاء الريبة وما يترتب على الطلاق من التباغض وآثار التباغض ، ولا يخفى ما في السماح بالمال من التأثير في تغيير الحال; ولذلك قال بعد ذلك : ( ولا تنسوا الفضل بينكم ) فسروا الفضل بالتفضل والإحسان ، وجعلوه للترغيب في العفو . وقال الأستاذ الإمام : المراد به المودة والصلة ، أي ينبغي لمن تزوج من بيت ثم طلق ألا ينسى مودة أهل ذلك البيت وصلتهم ، قال : فأين هذا مما نحن عليه اليوم من التباغض والضرار ؟ !

                          على هذا السياق جرى في تفسير الآية ، وهو مما لا يقف الذهن فيه إلا من كان مطلعا على وجوه الخلاف في الذي بيده عقدة النكاح ، يقول القائلون بأنه الولي : إنه هو الذي يتولى العقد شرعا وعرفا ، وقد يتولى العفو عن نصف المهر بالنيابة عن موليته إذا هي طلقت ، ولا سيما إذا كانت غير مدخول بها ، ولا حديث بينها وبين الزوج ولا معاملة ، وإن تبرع الزوج بالنصف الآخر من المهر لا يسمى عفوا وإنما يسمى هبة ، وإنه كان من مقتضى السياق أن يقال - لو أريد الزوج - : ( ( إلا أن يعفون أو تعفوا أنتم ) ) ، وإن عقدة النكاح لم تبق في يد الزوج بعد الطلاق ، ويقول الذاهبون إلى أنه الزوج : إن الولي بيده عقد النكاح لا عقدته التي هي أثر العقد ، وإنه ليس للولي أن يسمح بشيء من مال موليته; لأنها هي المالكة المتصرفة من دونه ، وأنت ترى الجواب من كل جانب عما أورده الآخر سهلا، والخطب أسهل ، فالمعنى المراد أن الواجب نصف المهر إلا أن يسمح الرجل به كله ، وسمى سماحه بالنصف الآخر عفوا; لأن المعهود أنهم كانوا يسوقون جميع المهر عند العقد كما تقدم ، أو تعفو المرأة بنفسها أو بواسطة وليها عما يجب لها فلا تأخذ منه شيئا ، فأي الفريقين عفا فعفوه أقرب إلى التقوى ، والقائلون بأن الذي بيده عقد النكاح هو الزوج أكثر كما تشعر به العبارة السابقة ، ويروى فيه حديث مرفوع عند ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي .

                          [ ص: 344 ] وقد ختمت الآية بقوله تعالى : ( إن الله بما تعملون بصير ) جريا على السنة الإلهية بالتذكير والتحذير بعد تقرير الأحكام; لتكون مقرونة بالموعظة التي تغذي الإيمان وتبعث على الامتثال .

                          وفي التذكير باطلاع الله تعالى وإحاطة بصره بما يعامل به الأزواج بعضهم بعضا ترغيب في المحاسنة والفضل ، وترهيب لأهل المخاشنة والجهل .

                          قال الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى بعد تفسير هذه الآيات ما معناه : من تدبر هذه الآيات وفهم هذه الأحكام يتجلى له نسبة مسلمي هذا العصر إلى القرآن ، ومبلغ حظهم من الإسلام .

                          قال : وأخص المصريين بالذكر; فإن الروابط الطبيعية في النكاح والصهر وسائر أنواع القرابة صارت في مصر أرث وأضعف منها في سائر البلاد ، فمن نظر في أحوالهم وتبين ما يرجى بين الأزواج من المخاصمات والمنازعات والمضارات ، وما يكيد بعضهم لبعض ، يخيل إليه أنهم ليسوا من أهل القرآن ، بل يجدهم كأنهم لا شريعة لهم ولا دين بل آلهتهم أهواؤهم ، وشريعتهم شهواتهم ، وأن حال المماكسة بين التجار في السلع هي أحفظ وأضبط من حال الزواج ، وأقوى في الصلة من روابط الأزواج . وسرد في الدرس وقائع تؤيد ما ذكره ( منها ) أن رجلا هجر زوجته - وهي ابنة عمه وله منها بنت - بغير ذنب غير الطمع في المال ، فكان كلما كلموه في شأنها قال : لتشتر عصمتها مني . ( ومنها ) ما هو أدهى من ذلك وأمر كالذين يتركون نساءهم بغير نفقات حتى قد يضطروهن إلى بيع أعراضهن ، وكالمطلقات المعتدات بالقروء يزعمن أن حيضهن حبس ، فتمر السنون ولا تنقضي عدتهن بزعمهن ، وما الغرض إلا إلزام المطلق النفقة طول هذه المدة انتقاما منه ، وكالذين يذرون أزواجهم كالمعلقات لا يمسكونهن بمعروف ولا يسرحونهن بإحسان ، أو يفتدين منهم بالمال ، فأين الله وأين كتاب الله وشرعه من هؤلاء وأين هم منه ؟ إنهم ليسوا من كتاب الله في شيء ، ولكن المسرفين أهواءهم يتبعون .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية