الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                          صفحة جزء
                                                          تنبيهات

                                                          ( الأول ) لام التعريف وإن اشتد اتصالها بما دخلت عليه وكتبت معه كالكلمة الواحدة ، فإنها مع ذلك في حكم المنفصل الذي ينقل إليه ، فلم يوجب اتصالها خطا أن تصير بمنزلة ما هو من نفس البنية ; لأنها إذا أسقطتها لم يختل معنى الكلمة ، وإنما يزول بزوالها المعنى الذي دخلت بسببه خاصة وهو التعريف ، ونظير هذا النقل إلى هذه اللام إبقاء لحكم الانفصال عليها - وإن اتصلت [ ص: 415 ]

                                                          خطا - سكت حمزة وغيره عليها إذا وقع بعدها همز ، كما يسكتون على السواكن المنفصلة حسبما يجيء في الباب الآتي ( فإذا علمت ذلك ) فاعلم أن لام التعريف هي عند سيبويه حرف واحد من حروف التهجي ، وهو اللام وحدها ، وبها يحصل التعريف ، وإنما الألف قبلها ألف وصل ؛ ولهذا تسقط في الدرج ، فهي إذا بمنزلة باء الجر وكاف التشبيه مما هو على حرف واحد ؛ ولهذا كتبت موصولة في الخط بما بعدها ، وذهب آخرون إلى أن أداة التعريف هي : الألف واللام ، وأن الهمزة تحذف في الدرج تخفيفا لكثرة الاستعمال ، وظاهر كلام سيبويه أن هذا مذهب الخليل ، واستدلوا على ذلك بأشياء : منها ثبوتها مع تحريك اللام حالة النقل نحو ( الحمر ، الرض ) وأنها تبدل أو تسهل بين بين مع همزة الاستفهام نحو ( آلذكرين ) ، وأنها تقطع في الاسم العظيم في النداء نحو ( يا ألله ) وليس هذا محل ذكر ذلك بأدلته ، والقصد ذكر ما يتعلق بالقراءات من ذلك .

                                                          وهو التنبيه ( الثاني ) فنقول : إذا نقلت حركة الهمزة إلى لام التعريف في نحو ( الأرض ، الآخرة ، الآن ، الإيمان ، الأولى ، الأبرار ) وقصد الابتداء على مذهب الناقل ، فإما أن يجعل حرف التعريف " أل " ، أو اللام فقط ؛ فإن جعلت " أل " ابتدأ بهمزة الوصل وبعدها اللام المحركة بحركة همزة القطع ، فتقول : ( الرض ، الاخرة ، الايمان ، البرار ) ليس إلا ، وإن جعلت اللام فقط فإما أن يعتد بالعارض - وهو حركة اللام بعد النقل - أو لا يعتد بذلك ويعتبر الأصل . فإذا اعتددنا بالعارض حذفنا همزة الوصل ، وقلنا : ( لرض ، لاخرة ، ليمان ، لان ، لبرار ) ليس إلا ، وإن لم نعتد بالعارض واعتبرنا الأصل جعلنا همزة الوصل على حالها وقلنا ( الرض ، الاخرة ) كما قلنا على تقدير أن حرف التعريف " أل " ، وهذان الوجهان جائزان في كل ما ينقل إليه من لامات التعريف لكل من ينقل ; ولذلك جاز لنافع وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب في ( الأولى ) من ( عادا الأولى ) كما تقدم وجاز في ( الان ) لابن وردان في وجه النقل ، وممن نص على هذين الوجهين حالة الابتداء مطلقا الحافظان أبو عمرو الداني وأبو العلاء الهمداني

                                                          [ ص: 416 ] وأبو علي الحسن بن بليمة وأبو العز القلانسي وأبو جعفر بن الباذش وأبو القاسم الشاطبي وغيرهم ، وبهما قرأنا لورش وغيره على وجه التخيير ، وبهما نأخذ له وللهاشمي ، عن ابن جماز ، عن أبي جعفر ، من طريق الهذلي ، وأما الابتداء من قوله تعالى : بئس الاسم فقال الجعبري : وإذا ابتدأت ( الاسم ) فالتي بعد اللام على حذفها للكل ، والتي قبلها فقياسها جواز الإثبات والحذف ، وهو الأوجه ؛ لرجحان العارض الدائم على العارض المفارق ، ولكني سألت بعض شيوخي فقال : الابتداء بالهمز وعليه الرسم . انتهى .

                                                          ( قلت ) : الوجهان جائزان مبنيان على ما تقدم في الكلام على التعريف ، والأولى الهمز في الوصل والنقل ، ولا اعتبار بعارض دائم ولا مفارق ، بل الرواية وهي بالأصل الأصل ، وكذلك رسمت . نعم ، الحذف جائز ولو قيل : إن حذفها من ( الأولى ) في النجم أولى للحذف لساغ ، ولكن في الرواية تفصيل كما تقدم ، والله أعلم .

                                                          ( الثالث ) أنه إذا كان قبل لام التعريف المنقول إليها حرف من حروف المد ، أو ساكن غيرهن لم يجز إثبات حرف المد ، ولا رد سكون الساكن مع تحريك اللام ; لأن التحريك في ذلك عارض ، فلم يعتد به ، وقدر السكون ؛ إذ هو الأصل ، ولذلك حذف حرف المد ، وحرك الساكن حالة الوصل ، وذلك نحو ( وألقى الألواح ) ، و ( سيرتها الأولى ) ، و ( إذا الارض ) ، و ( أولي الأمر ) ، و ( في الانعام ) ، و ( يحيي الارض ) ، و ( قالوا الان ) ، و ( أنكحوا الايامى ) ، و ( أن تؤدوا الامانات ) ونحو ( فمن يستمع الان ) ، و ( بل الانسان ) ، ( وألم نهلك الاولين ) ، و ( عن الاخرة ) ، و ( من الارض ) ، و ( من الاولى ) ، و ( أشرقت الارض ) ، و ( فلينظر الانسان ) وكذلك لو كان صلة ، أو ميم جمع نحو ( وبداره الارض ) ، و ( لا تدركه الابصار ) ، و ( هذه الانهار ) ، و ( هذه الانعام ) ، ( ويلههم الامل ) ، ( وأنتم الاعلون ) وهذا مما لا خلاف فيه بين أئمة القراء ، نص على ذلك غير واحد ، كالحافظ أبي عمرو الداني وأبي محمد سبط الخياط وأبي الحسن السخاوي ، وغيرهم ، وإن كان جائزا في اللغة وعند أئمة العربية [ ص: 417 ] الوجهان : الاعتداد بحركة النقل وعدم الاعتداد بها ، وأجروا على كل وجه ما يقتضي من الأحكام ، ولم يخصوا بذلك وصلا ولا ابتداء ، ولا دخول همزة ولا عدم دخولها ، بل قالوا : إن اعتددنا بالعارض فلا حاجة إلى حذف حرف من ( في الارض ) ولا إلى تحريك النون ( من لان ) وأنشد في ذلك ثعلب ، عن سلمة ، عن الفراء :


                                                          لقد كنت تخفي حب سمراء خيفة فبح لان منها بالذي أنت بائح

                                                          وعلى ذلك قرأنا لابن محيصن ( يسألونك عن لهلة ) ، و ( عن لانفال ) ، و ( من لاثمين ) وشبهه بالإسكان في النون وإدغامها ، وهو وجه قراءة نافع ومن معه ( عادا لولى ) في النجم كما تقدم .

                                                          ولما رأى أبو شامة إطلاق النحاة ووقف على تقييد القراء استشكل ذلك ، فتوسط وقال ما نصه : جميع ما نقل فيه ورش الحركة إلى لام المعرفة في جميع القرآن غير ( عادا لولى ) هو على قسمين : أحدهما ظهرت فيه أمارة عدم الاعتداد بالعارض كقوله تعالى : ( إنا جعلنا ما على الارض زينة ) ( وما الحياة الدنيا في الآخرة ) ( ويدع الانسان ) ( قالوا الان ) ، ( أزفت الازفة ) ونحو ذلك . ألا ترى أنه بعد نقل الحركة في هذه المواضع لم يرد حروف المد التي حذفت لأجل سكون اللام ، ولم تسكن تاء التأنيث التي كسرت لسكون ( لازفة ) فعلمنا أنه ما اعتد بالحركة في مثل هذه المواضع ، فينبغي إذا ابتدأ القارئ له فيها أن يأتي بهمزة الوصل ; لأن اللام ، وإن تحركت فكأنها بعد ساكنة .

                                                          ( القسم الثاني ) ما لم يظهر فيه أمارة نحو ( وقال الانسان ما لها ) فإذا ابتدأ القارئ لورش هنا اتجه الوجهان المذكوران . انتهى .

                                                          وهو حسن لو ساعده النقل ، وقد تعقبه الجعبري فقال : وهذا فيه عدول عن النقل إلى النظر ، وفيه حظر .

                                                          ( قلت ) : صحة الرواية بالوجهين حالة الابتداء من غير تفصيل بنص من يحتج بنقله ، فلا وجه للتوقف فيه ، فإن قيل : لم اعتد بالعارض في الابتداء دون الوصل وفرق بينهما رواية مع الجواز فيهما لغة ؟

                                                          فالجواب : أن حذف حرف المد للساكن والحركة لأجله في الوصل سابق للنقل ، والنقل طارئ عليه ، [ ص: 418 ] فأبقي على حاله لطرآن النقل عليه ، ولم يعتد فيه بالحركة ، وأما حالة الابتداء ، فإن النقل سابق للابتداء ، والابتداء طارئ عليه ، فحسن الاعتداد فيه ، ألا تراه لما قصد الابتداء بالكلمة التي نقلت حركة الهمزة فيها إلى اللام لم تكن اللام إلا محركة ، ونظير ذلك حذفهم حرف المد من نحو ( وقالا الحمد لله ولا تسبوا الذين و أفي الله شك ) وإثباتهم له في ( ولا تولوا ، و كنتم تمنون ) لطرآن الإدغام عليه كما قدمنا ، وذلك واضح ، والله أعلم .

                                                          ( الرابع ) ميم الجمع ، أما لورش فواضح ; لأن مذهبه عند الهمزة صلتها بواو ، فلم تقع الهمزة بعدها في مذهبه إلا بعد حرف مد من أجل الصلة ، وأما من طريق الهاشمي عن ابن جماز ، فإن الهذلي نص على أن مذهبه عدم الصلة مطلقا ، ومقتضى هذا الإطلاق عدم صلتها عند الهمزة ، ونص أيضا على النقل مطلقا ، ومقتضى ذلك النقل إلى ميم الجمع . وهذا من المشكل تحقيقه ، فإني لا أعلم له نصا في ميم الجمع بخصوصيتها بشيء ، فأرجع إليه ، والذي أعول عليه في ذلك عدم النقل فيها بخصوصيتها والأخذ فيها بالصلة ، وحجتي في ذلك أني لما لم أجد له فيها نصا رجعت إلى أصوله ومذاهب أصحابه ، ومن اشترك معه على الأخذ بتلك القراءة ، ووافقه على النقل في الرواية ، وهو الزبير بن محمد بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العمري أحد الرواة المشهورين ، عن أبي جعفر من رواية ابن وردان ، فوجدته يروي النقل نصا وأداء ، وخص ميم الجمع بالصلة ليس إلا . وكذلك ورش وغيره من رواة النقل عن نافع ، كلهم لم يقرأ في ميم الجمع بغير صلة ، ووجدت نص من يعتمد عليه من الأئمة صريحا في عدم جواز النقل في ميم الجمع . فوجب المصير إلى عدم النقل فيها ، وحسن المصير إلى الصلة دون عدمها جمعا بين النص لمنع النقل فيها وبين القياس في الأخذ بالصلة فيها دون الإسكان ، وذلك أني لما لم أر أحدا نقل عن أبي جعفر ولا عن نافع الذي هو أحد أصحاب أبي جعفر النقل في غير ميم الجمع وخصصها بالإسكان ، كما أني لا أعلم أحدا منهم نص على النقل فيها ، وحمل رواية الراوي على من شاركه في تلك الرواية ، أو وافقه في أصل تلك القراءة أصل معتمد عليه ولا سيما عند [ ص: 419 ] التشكيك والإشكال ، فقد اعتمده غير واحد من أئمتنا - رحمهم الله - لما لم يجدوا نصا يرجعون إليه ، ومن ثم لم يجز مكي وغيره في ( أأعجمي ، و أأن كان ) لابن ذكوان سوى الفصل بين الهمزتين . قال مكي عند ذكرهما في " التبصرة " : لكن ابن ذكوان لم نجد له أصلا يقاس عليه ، فيجب أن يحمل أمره على ما فعله هشام في ( أينكم وأنذرتهم ) ونحوه ( فيكون ) مثل أبي عمرو وقالون ، وحمله على مذهب الراوي معه على رجل بعينه أولى من حمله على غيره . انتهى . وأما مذهب حمزة في الوقف فيأتي في بابه إن شاء الله تعالى . ثم رأيت النص على الهاشمي المذكور لأبي الكرم الشهرزوري وأبي منصور بن خيرون بصلة ميم الجمع للهاشمي عند همزة القطع ، فصح ما قلناه ، واتضح ما حاولناه ، ولله الحمد والمنة ، وقفت على ذلك في كتاب " كفاية المنتهي ونهاية المبتدي " للقاضي الإمام أبي ذر أسعد بن الحسين بن سعد بن علي بن بندار اليزدي صاحب الشهرزوري وابن خيرون المذكورين ، وهو من الأئمة المعتمدين ، وأهل الأداء المحققين .

                                                          التالي السابق


                                                          الخدمات العلمية