الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          وحدثني عن مالك عن زياد بن أبي زياد أنه قال قال أبو الدرداء ألا أخبركم بخير أعمالكم وأرفعها في درجاتكم وأزكاها عند مليككم وخير لكم من إعطاء الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلى قال ذكر الله تعالى قال زياد بن أبي زياد وقال أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل ما عمل ابن آدم من عمل أنجى له من عذاب الله من ذكر الله

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          490 493 - ( مالك ، عن زياد بن أبي زياد ) ميسرة المخزومي المدني ، ثقة ، عابد ، مات سنة خمس وثلاثين ومائة ، وخرج له مسلم والترمذي وابن ماجه . ( أنه قال : قال أبو الدرداء ) عويمر مصغر وقيل عامر بن زيد بن قيس الأنصاري الصحابي الجليل ، أول مشاهده أحد ، وكان عابدا مشهورا بكنيته ، مات في خلافة عثمان ، وقيل عاش بعد ذلك ، وهذا رواه أحمد والترمذي وابن ماجه ، وصححه الحاكم وابن عبد البر ، عن أبي الدرداء ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال ( ألا ) حرف تنبيه يؤكد به الجملة المصدرة به ( أخبركم ) وفي رواية أنبئكم ( بخير أعمالكم ) أي أفضلها لكم ( وأرفعها في درجاتكم ) أي منازلكم في الجنة ( وأزكاها عند مليككم ) أي أنماها وأطهرها عند ربكم ومالككم ( وخير ) بالخفض ( لكم من إعطاء ) وفي رواية إنفاق ( الذهب والورق ) بكسر الراء ، الفضة ( وخير لكم ) بالخفض أيضا عطف على خير أعمالكم من حيث المعنى ; لأن المعنى : ألا أخبركم بما هو خير لكم من بذل أموالكم ونفوسكم ؟ قاله الطيبي ( من أن تلقوا عدوكم ) الكفار ( فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ) يعني تقتلوهم ويقتلوكم بسيف أو غيره ( قالوا : بلى ) أخبرنا ، وفي رواية ابن ماجه : قالوا وما ذاك يا رسول الله ( قال : ذكر الله تعالى ) ; لأن سائر العبادات من الأنفال وقتال العدو وسائل ووسائط [ ص: 37 ] يتقرب بها إلى الله تعالى ، والذكر هو المقصود الأسمى ، ورأسه لا إله إلا الله ، وهي الكلمة العليا والقطب الذي تدور عليه رحى الإسلام والقاعدة التي بني عليها أركانه والشعبة التي هي أعلى شعب الإيمان ، بل هي الكل وليس غيره ( قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ) ( سورة الأنبياء : الآية 108 ) أي الوحي مقصور على التوحيد ; لأنه القصد الأعظم من الوحي ، ووقع غيره تبعا ولذا آثرها العارفون على جميع الأذكار لما فيها من الخواص التي لا تعرف إلا بالوجدان والذوق ، قالوا : وهذا محمول على أن الذكر كان أفضل للمخاطبين به ، ولو خوطب شجاع باسل يحصل به نفع الإسلام في القتال لقيل له الجهاد ، أو غني ينتفع الفقراء بماله لقيل الصدقة ، أو القادر على الحج لقيل له الحج ، أو من له أبوان قيل برهما ، وبه يحصل التوفيق بين الأخبار .

                                                                                                          وقال الحافظ : المراد بالذكر هنا الذكر الكامل ، وهو ما اجتمع فيه ذكر اللسان والقلب بالشكر واستحضار عظمة الرب ، وهذا لا يعدله شيء ، وفضل الجهاد وغيره إنما هو بالنسبة إلى ذكر اللسان المجرد . وقال الباجي : الذكر باللسان والقلب ، وهو ذكره عند الأوامر بامتثالها والمعاصي باجتنابها ، وذكر اللسان واجب كالفاتحة في الصلاة والإحرام والسلام وشبه ذلك ، ومندوب وهو سائر الأذكار ، فالواجب يحتمل أن يفضل على سائر أعمال البر ، والمندوب يحتمل أن يفضل لعظم ثوابه وهداه لطريق الخير أو لكثرة تكرره ، انتهى .

                                                                                                          ومقتضى هذا الحديث أن الذكر أفضل من التلاوة ، ويعارضه خبر : " أفضل عبادة أمتي تلاوة القرآن " وجمع الغزالي بأن القرآن أفضل لعموم الخلق ، والذكر أفضل للذاهب إلى الله في جميع أحواله في بدايته ونهايته ، فإن القرآن مشتمل على صنوف المعارف والأحوال والإرشاد إلى الطريق ، فما دام العبد مفتقرا إلى تهذيب الأخلاق وتحصيل المعارف فالقرآن أولى ، فإن جاوز ذلك واستولى الذكر على قلبه فمداومة الذكر أولى ، فإن القرآن يجاذب خاطره ويسرح به في رياض الجنة ، والذاهب إلى الله لا ينبغي أن يلتفت إلى الجنة بل يجعل همه هما واحدا وذكره ذكرا واحدا ليدرك درجة الفناء والاستغراق .

                                                                                                          قال تعالى : ( ولذكر الله أكبر ) ( سورة العنكبوت : الآية 45 ) وأخذ ابن الحاج من الحديث أن ترك طلب الدنيا أعظم عند الله من أخذها والتصدق بها ، وأيده بما في القوت عن الحسن : لا شيء أفضل من رفض الدنيا ، وبما في غيره عنه : أنه سئل عن رجلين طلب أحدهما الدنيا بحلالها فأصابها فوصل بها رحمه وقدم فيها نفسه ، وترك الآخر الدنيا . فقال : أحبهما إلي الذي جانب الدنيا . ( قال زياد بن أبي زياد ) ميسرة ( وقال أبو عبد الرحمن ) كنية ( معاذ بن جبل ) ابن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي ، من أعيان الصحابة ، شهد بدرا وما بعدها ، وإليه المنتهى في العلم بالأحكام والقرآن ، مات بالشام سنة ثماني عشرة ، وهذا قد رواه أحمد وابن عبد البر والبيهقي من طرق ، عن معاذ ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ( ما عمل ابن آدم ) وفي رواية آدمي ( من [ ص: 38 ] عمل ) وفي رواية عملا ( أنجى له من عذاب الله من ذكر الله ) ; لأن حظ الغافلين يوم القيامة من أعمارهم الأوقات والساعات التي عمروها بذكر الله ، وسائر ما عداه هدر . كيف ونهارهم شهوة ونومهم استغراق وغفلة ، فيقدمون على ربهم فلا يجدون ما ينجيهم إلا ذكر الله .

                                                                                                          زاد في رواية : " قالوا : يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : ولا الجهاد في سبيل الله إلا أن تضرب بسيفك حتى ينقطع ، ثم تضرب بسيفك حتى ينقطع ، ثم تضرب بسيفك حتى ينقطع " قال ابن عبد البر : فضائل الذكر كثيرة لا يحيط بها كتاب وحسبك بقوله تعالى : ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ) ( سورة العنكبوت : الآية 45 ) أي ذكر الله العبد في الصلاة أكبر من الصلاة ، ومعنى ذكر الله العبد مأخوذ من الحديث عن الله تعالى : " إن ذكرني عبدي في الصلاة في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وأكرم " .




                                                                                                          الخدمات العلمية