الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
635 [ ص: 26 ] حديث ثان لثور بن زيد مقطوع

مالك عن ثور بن زيد الديلي عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان ، فقال : لا تصوموا حتى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتى تروه ، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين

التالي السابق


هكذا هذا الحديث في الموطأ عند جماعة الرواة ، عن مالك عن ثور بن زيد عن ابن عباس ليس فيه ذكر عكرمة والحديث محفوظ لعكرمة عن ابن عباس وإنما رواه ثور عن عكرمة .

وقد روي عن روح بن عبادة هذا الحديث ، عن مالك عن ثور عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان ، ثم ساقه إلى آخره سواء .

وليس في الموطأ في هذا الإسناد عكرمة وزعموا أن مالكا أسقط ذكر عكرمة منه ; لأنه كره أن يكون في كتابه لكلام سعيد بن المسيب وغيره فيه ، ولا أدري صحة هذا ; لأن مالكا قد ذكره في كتاب الحج وصرح باسمه ومال إلى روايته ، عن ابن عباس وترك رواية عطاء في تلك المسألة وعطاء أجل التابعين في علم المناسك والثقة والأمانة .

روى مالك عن أبي الزبير المكي عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عباس أنه سئل عن رجل وقع على امرأته ، وهو بمنى قبل أن يفيض ، فأمره أن ينحر بدنة .

وروى مالك أيضا ، عن ثور بن زيد الديلي عن عكرمة مولى ابن عباس قال : أظنه ، عن ابن عباس أنه قال : الذي يصيب أهله قبل أن يفيض يعتمر ويهدي . وبه قال : مالك .

[ ص: 27 ] قال أبو عمر : عكرمة مولى ابن عباس من جلة العلماء لا يقدح فيه كلام من تكلم فيه ; لأنه لا حجة مع أحد تكلم فيه ، وقد يحتمل أن يكون مالك جبن عن الرواية عنه ; لأنه بلغه أن سعيد بن المسيب كان يرميه بالكذب ، ويحتمل أن يكون لما نسب إليه من رأي الخوارج ، وكل ذلك باطل عليه إن شاء الله .

وقد قال الشافعي في بعض كتبه : نحن نتقي حديث عكرمة وقد روى الشافعي عن إبراهيم بن أبي يحيى والقاسم العمري وإسحاق بن أبي فروة وهم ضعفاء متروكون ، وهؤلاء كانوا أولى أن يتقى حديثهم ، ولكنه لم يحتج بهم في حكم .

وكل أحد من خلق الله يؤخذ من قوله ويترك ، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه ، عن إسحاق الطباع ، قال : سألت مالك بن أنس قلت : أبلغك أن ابن عمر قال لنافع : لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس [ ص: 28 ] قال : لا ، ولكن بلغني أن سعيد بن المسيب قال ذلك لبرد مولاه ، وقيل لابن أبي أويس : لم لم يكتب مالك حديث عكرمة مولى ابن عباس قال : لأنه كان يرى رأي الإباضية .

وأما قول سعيد بن المسيب فيه فقد ذكر العلة الموجبة للعداوة بينهما أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي في كتاب الانتفاع بجلود الميتة ، وقد ذكرت ذلك وأشباهه في كتابي كتاب جامع بيان أخذ العلم وفضله ، وما ينبغي في روايته وحمله في باب قول العلماء بعضهم في بعض فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا ، وتكلم فيه ابن سيرين ولا خلاف أعلمه بين نقاد أهل العلم أنه أعلم بكتاب الله من ابن سيرين وقد يظن الإنسان ظنا يغضب له ، ولا يملك نفسه .

ذكر الحلواني عن زيد بن الحباب قال : سمعت الثوري يقول : خذوا تفسير القرآن ، عن أربعة : عن عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك . فبدأ [ ص: 29 ] بعكرمة .

وقال ابن علية ، عن أيوب ، عن عمرو بن دينار ، قال : دفع إلي جابر بن زيد مسائل أسأل عنها عكرمة قال : فجعل جابر يقول : هذا عكرمة هذا مولى ابن عباس هذا البحر فاسألوه .

وقال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال : أعطاني جابر بن زيد صحيفة فيها مسائل ، فقال : سل عنها عكرمة قال : فكأني تبطأت ، فانتزعها من يدي .

وقال : هذا عكرمة هذا مولى ابن عباس هذا أعلم الناس .

وقال جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال : قيل لسعيد بن جبير : تعلم أحدا أعلم منك ؟ ، قال : نعم عكرمة قال : فلما قتل سعيد بن جبير قال إبراهيم : ما خلف بعده مثله .

قال أبو عبد الله المروزي : وحدثنا يحيى بن يحيى قال : حدثنا إسماعيل [ ص: 30 ] ابن علية عن أيوب قال : نبئت ، عن سعيد بن جبير أنه ، قال : لو كف عنهم عكرمة من حديثه لشدت إليه المطايا ، قال : وحدثنا إسحاق بن راهويه ، قال : أخبرنا يحيى بن ضريس ، عن أبي سنان عن حبيب بن أبي ثابت قال : اجتمع عندي خمسة لا يجتمع عندي مثلهم أبدا عطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة فتذاكروا التفسير فأقبل مجاهد وسعيد بن جبير على عكرمة يسألانه عن التفسير ، وهو يجيبهما ، قال : وحدثنا محمد بن عبيد قال : حدثنا حماد بن زيد عن أيوب قال : اجتمع عكرمة وسعيد بن جبير وطاوس وعدة من أصحاب ابن عباس فكان عكرمة صاحب الحديث ، قال : وأخبرنا محمد بن يحيى قال : حدثنا سليمان بن حرب قال : حدثنا حماد بن زيد قال : قال رجل لأيوب : كان عكرمة يتهم ، فسكت هنيئة ، ثم قال : أما أنا فإني لم أكن أتهمه .

وبه ، عن أيوب قال : قال عكرمة : أرأيت هؤلاء الذين يكذبونني من خلفي أفلا يكذبونني في وجهي ، قال : وحدثنا الحلواني قال : حدثنا مسلم بن إبراهيم قال : حدثنا سلام بن مسكين قال : سمعت قتادة يقول : كان الحسن من أعلم الناس بالحلال والحرام [ ص: 31 ] وكان عطاء من أعلم الناس بالمناسك ، وكان عكرمة من أعلم الناس بالتفسير ، قال : وحدثنا الحلواني قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعاني قال : حدثنا عبد الصمد بن معقل أن عكرمة قدم على طاوس اليمن فحمله طاوس على نجيب وأعطاه ثمانين دينارا ، فقيل لطاوس في ذلك ، فقال : ألا أشتري علم ابن عباس لعبد الله بن طاوس بنجيب وثمانين دينارا .

وذكر عباس ، عن يحيى بن معين قال : حدثنا محمد بن فضيل ، قال : حدثنا عثمان بن حكيم ، قال : جاء عكرمة إلى أبي أمامة بن سهل وأنا جالس ، فقال : يا أبا أمامة أسمعت ابن عباس يقول : ما حدثكم به عكرمة فصدقوه ، فإنه لم يكذب علي ؟ قال : نعم ، وقد روينا أن عبد الله بن عباس قال له : اخرج يا عكرمة فأفت الناس ، ومن سألك عما لا يعنيه ، فلا تفته فإنك تطرح عن نفسك ثلثي مؤنة الناس ، قال عباس : قال يحيى بن معين : مات ابن عباس وعكرمة عبد فباعه على ابن عبد الله فقيل له : تبيع علم أبيك ، فاسترجعه .

وقال عثمان [ ص: 32 ] ابن سعيد ، قلت ليحيى بن معين : عكرمة أحب إليك ، أو سعيد بن جبير ؟ ، فقال : ثقة وثقة ، قلت : فعكرمة أو عبيد الله بن عبد الله ؟ ، فقال : كلاهما ، ولم يختر .

وقال أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح الكوفي : عكرمة مولى ابن عباس ثقة ، وهو بريء مما رماه الناس به من الحرورية ، وذكر عيسى بن مسكين عن محمد بن الحجاج بن رشدين عن أحمد بن صالح المصري قال : عكرمة مولى ابن عباس بربري من المغرب .

وقال أبو العرب : سمعت قدامة بن محمد يقول : كان خلفاء بني أمية يرسلون إلى المغرب يطلبون جلود الخرفان التي لم تولد بعد العسلية ، قال : فربما ذبحت المائة شاة ، فلا يوجد إلا واحد عسلي ، كانوا يتخذون منها الفراء ، فكان عكرمة يستعظم ذلك ويقول : هذا كفر [ ص: 33 ] هذا شرك . فأخذ ذلك عنه الصفرية والإباضية ، فكفروا الناس بالذنوب .

قال أبو عمر : لهذا كان سحنون يقول : يزعمون أن عكرمة مولى ابن عباس أضل المغرب .

قال أبو عمر : نزل عكرمة مولى ابن عباس المغرب ومكث بالقيروان برهة ، ومن الناس من يقول : إنه مات بها ، والصحيح أنه مات بالمدينة هو وكثير عزة الشاعر في يوم واحد ، وذكر ابن أبي مريم لهيعة عن أبي الأسود قال : أنا مدحت المغرب لعكرمة مولى ابن عباس ذكرت له حال أهلها ، فخرج إلى المغرب فمات بها ، قال أبو عبد الله المروزي : قد أجمع عامة أهل العلم على الاحتجاج بحديث عكرمة واتفق على ذلك رؤساء أهل العلم بالحديث من أهل عصرنا ، منهم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور ويحيى بن معين ولقد سألت إسحاق بن راهويه عن الاحتجاج بحديثه ، فقال لي : عكرمة عندنا إمام الدنيا ، وتعجب من سؤالي إياه ، قال : وأخبرني غير واحد أنهم شهدوا يحيى بن معين وسأله بعض الناس عن الاحتجاج بحديث عكرمة فأظهر التعجب ، قال المروزي : وعكرمة قد ثبتت عدالته بصحبة ابن عباس وملازمته إياه ، وبأن غير واحد من أهل العلم رووا عنه وعدلوه ، وما زال أهل العلم بعدهم يروون عنه ، قال : وممن روى عنه من جلة التابعين محمد بن سيرين وجابر بن زيد وطاوس والزهري وعمرو بن دينار ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم ، قال أبو عبد الله المروزي : وكل رجل ثبتت عدالته برواية أهل العلم [ ص: 34 ] عنه وحملهم حديثه فلن يقبل فيه تجريح أحد جرحه حتى يثبت ذلك عليه بأمر لا يجهل أن يكون جرحة ، فأما قولهم فلان كذاب ، فليس مما يثبت به جرح حتى يتبين ما قاله ، حدثنا محمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى حدثنا محمد بن أيوب الرقي قال : سمعت أبا بكر أحمد بن عمرو والبزار يقول : روى عن عكرمة مائة وثلاثون - أو قال : قريب من مائة وثلاثين - رجلا من وجوه البلدان بين مكي ومدني وكوفي وبصري ، ومن سائر البلدان ، كلهم روى عنه ورضي به .

قال أبو عمر : جماعة الفقهاء وأئمة الحديث الذين لهم بصر بالفقه والنظر هذا قولهم إنه لا يقبل من ابن معين ولا من غيره فيمن اشتهر بالعلم وعرف به وصحت عدالته وفهمه ، إلا أن يتبين الوجه الذي يجرحه به على حسب ما يجوز من تجريح العدل المبرز العدالة في الشهادات ، وهذا الذي لا يصح أن يعتقد غيره ، ولا يحل أن يلتفت إلى ما خالفه ، وقد ذكرنا بيان ذلك في باب قول العلماء بعضهم في بعض من كتابنا كتاب العلم ، فأغنى ذلك ، عن إعادته هاهنا ، وبالله توفيقنا .

[ ص: 35 ] وذكر الزبير قال : حدثني عمي مصعب قال : حدثني الواقدي قال : حدثني خالد بن القاسم البياضي قال : مات عكرمة مولى ابن عباس وكثير بن عبد الرحمن الخزاعي صاحب عزة في يوم واحد في سنة خمس ومائة ، فرأيتهما جميعا صلي عليهما بعد الظهر في مسجد الجنائز ، فقال الناس : مات اليوم أفقه الناس وأشعر الناس .

وقال المفضل بن فضالة : مات عكرمة وكثير عزة في يوم واحد ، فأخرج جنازتاهما ، فما علمته تخلف رجل ، ولا امرأة بالمدينة ، عن جنازتيهما ، قال : وقيل : مات اليوم أعلم الناس وأشعر الناس ، قال : وغلب النساء على جنازة كثير يبكينه ويذكرن عزة في ندبتهن إياه .

وهذا الحديث صحيح لعكرمة عن ابن عباس حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد قال : حدثنا محمد بن معاوية قال : حدثنا أحمد بن شعيب قال : حدثنا قتيبة بن سعيد . ح ، وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا بكر بن حماد قال : حدثنا مسدد قالا جميعا : حدثنا أبو الأحوص قال : حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تصوموا قبل رمضان ، صوموا للرؤية ، وأفطروا للرؤية ، فإن حالت دونه غياية ، فأكملوا ثلاثين ورواه شعبة وأبو عوانة وحاتم بن أبي صغيرة ، عن سماك مثله .

[ ص: 36 ] أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال : حدثنا عبد الحميد بن أحمد الوراق قال : حدثنا الخضر بن داود قال : حدثنا أبو بكر الأثرم قال : حدثنا عبد الله بن بكر السهمي . ح ، وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد الجهني قال : حدثنا حمزة بن محمد قال : حدثنا أحمد بن شعيب قال : أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال : أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم قالا جميعا : حدثنا حاتم بن أبي صغيرة عن سماك قال : سمعت عكرمة يقول : سمعت ابن عباس يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن حال بينكم وبينه سحابة ، أو غياية فأكملوا العدة ، ولا تستقبلوا الشهر استقبالا ، لا تستقبلوا رمضان بيوم من شعبان اللفظ بحديث ابن عبد المؤمن .

وقرأت على أحمد بن قاسم التميمي أن قاسم بن أصبغ حدثهم ، قال : حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال : حدثنا عبد الله بن بكر قال : حدثنا حاتم عن سماك قال : دخلت على عكرمة في يوم ، وقد أشكل علي أمره أمن رمضان هو أم من شعبان ، فأصبحت صائما ، وقلت : إن كان من رمضان لم يسبقني ، وإن كان من شعبان كان تطوعا ، فدخلت على عكرمة وهو يأكل خبزا وبقلا ولبنا ، فقال : هلم إلى الغداء ، فقلت : إني صائم ، فقال : أحلف عليك لتفطرنه ، فقلت : سبحان الله ، فقال : أحلف بالله لتفطرنه ، قال : فلما رأيته لا يستثني ، أفطرت ، فعدت لبعض الشيء وأنا شبعان ، فقلت : هات ، فقال : سمعت ابن عباس يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن حال بينكم وبينه سحابة ، أو غياية فكملوا العدة ، ولا تستقبلوا الشهر استقبالا ، لا [ ص: 37 ] تستقبلوا رمضان بيوم من شعبان .

وروى هذا الحديث حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس ولم يسمعه عمرو من ابن عباس وإنما يرويه عمرو بن دينار عن محمد بن حنين ، عن ابن عباس عن النبي عليه السلام مثله .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان وأحمد بن قاسم قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال : حدثنا روح بن عبادة قال : حدثنا زكريا بن إسحاق قال : حدثنا عمرو بن دينار أن محمد بن حنين أخبره أنه سمع ابن عباس يقول : إني لأعجب من هؤلاء الذين يصومون قبل رمضان ، إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأفطروا ، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين أما قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إذ ذكر رمضان : لا تصوموا حتى تروا الهلال فالصيام لاسمه معنيان أحدهما لغوي والآخر شرعي تعبد الله به عباده ، فأما معنى الصيام في اللغة فمعناه الإمساك عما كان يصنعه الإنسان من حركة ، أو كلام ، أو أكل ، أو شرب ، أو مشي ، ونحو ذلك من سائر الحركات ، فإذا أمسك عما كان يصنعه سمي صائما في اللغة ، وليس ذلك معنى الصيام المأمور به المسلمون في القرآن والسنة ، والدليل على أن الإمساك يسمى صوما قول الله عز وجل حاكيا عن مريم : إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا أي إمساكا عن الكلام .

وقال المفسرون : أي صمتا ، وتقول العرب خيل صائمة إذا كانت واقفة دون أكل ، ولا رعي ، قال الشاعر :

خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وخيل تعلك اللجما

يقول : خيل ممسكة عن الأكل وخيل آكلة .

[ ص: 38 ] وقال امرؤ القيس :

فدعها وسل الهم عنك بجسرة ذمول إذا صام النهار وسجرا

ومعناه إذا أمسكت الشمس عن الجري واستوت في كبد السماء .

وقال بشر بن أبي خازم :

نعاما بوجرة صفر الخدود ما تطعم النوم إلا صياما

وأما الصيام في الشريعة فالإمساك عن الأكل والشرب والجماع من اطلاع الفجر إلى غروب الشمس ، وفرائض الصوم خمس وهي العلم بدخول الشهر والنية والإمساك عن الطعام والشراب والجماع واستغراق طرفي النهار المفترض صيامه .

وسنن الصيام أن لا يرفث الصائم ، ولا يغتاب أحدا ، وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله .

وأما قوله : فإن غم عليكم فذلك من الغيم والغمام ، وهو السحاب ، يقال منه يوم غم وليلة غمة ، وذلك أن تكون السماء مغيمة ، وفي الآثار المذكورة في هذا الباب ما يوضح لك ذلك والحمد لله .

وروي هذا الحديث ، عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه ابن عباس وأبو هريرة من حديث أبي سلمة عنه ، ومن حديث محمد بن زياد عنه ، ومن حديث سعيد بن المسيب عنه ، ومن [ ص: 39 ] حديث الأعرج عنه وحذيفة بن اليمان من رواية جرير عن منصور عن ربعي عن حذيفة . ورواه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، إلا أنه قال : فإن غم عليكم فاقدروا له

وحديث ابن عباس يفسر حديث ابن عمر في قوله فاقدروا له ، وكذلك جعله مالك في كتابه بعده مفسرا له . وقد كان ابن عمر يذهب في قوله فاقدروا له مذهبا سنذكره عنه في باب حديث نافع من كتابنا هذا إن شاء الله ، ونذكر من تابعه على تأويله ذلك ، ومن خالفه فيه ، ونذكر هنا كثيرا من معاني هذا الباب إن شاء الله ، ولا قوة إلا بالله .

وفي حديث ابن عباس هذا من الفقه أن الشهر قد يكون تسعا وعشرين ، وفيه أن الله تعبد عباده في الصوم برؤية الهلال لرمضان ، أو باستكمال شعبان ثلاثين يوما ، وفيه تأويل لقول الله عز وجل فمن شهد منكم الشهر فليصمه أن شهوده رؤيته ، أو العلم برؤيته ، وفيه أن اليقين لا يزيله الشك ، ولا يزيله إلا يقين مثله ; لأنه صلى الله عليه أمر الناس ألا يدعوا ما هم عليه من يقين شعبان ، إلا بيقين رؤية واستكمال العدة ، وأن الشك لا يعمل في ذلك شيئا ، ولهذا نهى عن صوم يوم الشك اطراحا لأعمال الشك وإعلاما أن الأحكام لا تجب ، إلا بيقين ، لا شك فيه ، وهذا أصل عظيم من الفقه أن لا يدع الإنسان ما هو عليه من الحال المتيقنة ، إلا بيقين من انتقالها ، وقوله صلى الله عليه وسلم فإن غم عليكم فأكملوا العدد ثلاثين يوما يقتضي استكمال شعبان قبل الصيام [ ص: 40 ] واستكمال رمضان أيضا ، وفيه دليل على أنه لا يجوز صيام يوم الشك خوفا أن يكون من رمضان ، وقد ذكرنا في باب نافع عن ابن عمر من كتابنا هذا اختلاف الفقهاء في صيام يوم الشك على أنه من رمضان بأتم من ذلك هاهنا ; لأن ذلك الموضع أولى به لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر فاقدروا له

واختلف العلماء في صوم آخر يوم من شعبان تطوعا فأجازه مالك وأصحابه والشافعي وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه وأكثر الفقهاء إذا كان تطوعا ولم يكن خوفا ، ولا احتياطا أن يكون من رمضان ، ولا يجوز عندهم صومه على الشك ، قال مالك : إن تيقن أنه من شعبان جاز صومه تطوعا ، وهو قول الشافعي .

وقال أبو حنيفة : لا يصام يوم الشك ، إلا تطوعا .

وقال الثوري : لا يتلوم يوم الشك ، ولا يصوم أحد يوم الشك . وسيأتي القول فيمن صامه على الشك هل يجزئه من رمضان ، عند قوله فاقدروا له في باب نافع إن شاء الله .

وقال بعض أهل العلم من أهل الحديث : إنه لا يجوز صيام يومين قبل رمضان من آخر شعبان ، إلا لمن كان له عادة صيام شعبان ، واحتجوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : لا يقدم أحدكم رمضان بيوم ، ولا يومين ، إلا أن يكون صوما كان يصومه أحدكم فليتم صومه رواه يحيى بن أبي كثير ومحمد بن عمرو ، عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي [ ص: 41 ] صلى الله عليه وسلم ، قالوا : وفي قوله : ولا يومين دليل على أن ذلك تطوع ; لأنه لا يجوز أن يكون الشك في يومين .

قال أبو عمر : زعم بعض أصحابنا أن في صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبان تطوعا دليلا على أن نهيه عن صوم يوم الشك ، إنما هو على الخوف أن يكون من رمضان ، وإن هذا هو المكروه ، حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن إسماعيل قال : حدثنا صالح قال : حدثني معاوية بن صالح أن عبد الله بن قيس حدثه أنه سمع عائشة تقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان ويصله برمضان .

وروى سالم بن أبي الجعد عن أبي سلمة عن أم سلمة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه : كان يصوم شعبان ويصله برمضان رواه عن سالم جماعة لم يختلفوا عليه .

وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كان يصوم شعبان كله ، قال : وهذه الآثار كلها تدل على [ ص: 42 ] أن رسول الله صلى الله عليه ، إنما كان يصوم يوم الشك تطوعا ، لا خوفا أن يكون من رمضان .

قال أبو عمر : ليس في صيامه لشعبان تطوعا دفع لما تأوله أولئك في النهي عن صوم يوم الشك تطوعا ; لأن في الحديث : إلا أن يكون في صوم يصومه ، وفي ذلك دلالة على أن النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين إنما هو على ذلك الوجه ، والله أعلم .

.

وأما قوله صلى الله عليه صوموا لرؤيته فمعناه صوموا اليوم الذي يلي ليلة رؤيته من أوله ، ولم يرد : صوموا من وقت رؤيته ; لأن الليل ليس بموضع صيام ، وإذا رئي الهلال نهارا ، فإنما هو لليلة التي تأتي ، هذا هو الصحيح إن شاء الله .

وقد اختلفت الرواية في هذه المسألة ، عن عمر رضي الله عنه .

ذكر عبد الرزاق عن معمر عن الأعمش ، عن أبي وائل قال : كتب إلينا عمر ونحن بخانقين : إذا رأيتم الهلال نهارا ، فلا تفطروا حتى يشهد رجلان أنهما رأياه بالأمس . ففي هذا الخبر عن عمر اعتبار شهادة رجلين على رؤية الهلال ، ولم يخص عشيا من غير عشي ، وقد ذكرنا مسألة الشهادة على الهلال في باب نافع .

حدثنا أحمد بن قاسم المقرئ قال : حدثنا عبيد الله بن محمد [ ص: 43 ] بن حبابة ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال : حدثنا علي بن الجعد قال : حدثنا زهير بن معاوية عن الأعمش عن شقيق بن سلمة قال : كتب إلينا عمر بن الخطاب ونحن بخانقين أن الأهلة بعضها أكبر من بعض ، فإذا رأيتم الهلال نهارا ، فلا تفطروا حتى يشهد عدلان أنهما رأياه بالأمس .

وروي عن علي بن أبي طالب مثل ذلك ، ذكره عبد الرزاق عن الحسن بن عمارة عن الحكم عن يحيى بن الجزار ، عن علي وقد روي من حديث أبي إسحاق عن الحارث أن هلال الفطر رئي نهارا ، فلم يأمر علي بن أبي طالب الناس أن يفطروا من يومهم ذلك .

وروى الزهري عن سالم ، عن ابن عمر قال : لا تفطروا حتى يرى من موضعه ، وعن ابن مسعود وأنس بن مالك [ ص: 44 ] مثل ذلك ، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن بن سعد والأوزاعي .

وبه قال أحمد وإسحاق كل هؤلاء يقول : إذا رئي الهلال نهارا قبل الزوال أو بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة .

وقال سفيان الثوري وأبو يوسف : إن رئي بعد الزوال فهو لليلة التي تأتي ، وإن رئي قبل الزوال فهو لليلة الماضية .

وروي مثل ذلك عن عمر ذكر عبد الرزاق وغيره ، عن الثوري عن مغيرة عن شباك ، عن إبراهيم قال : كتب عمر إلى عتبة بن فرقد : إذا رأيتم الهلال نهارا قبل أن تزول الشمس لتمام ثلاثين فأفطروا ، وإذا رأيتموه بعد ما تزول الشمس ، فلا تفطروا حتى تمسوا ، وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن أسباط بن محمد عن مطرف عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي مثل ذلك .

ولا يصح في هذه المسألة من جهة الإسناد شيء عن علي رحمه الله .

وروي عن سلمان بن ربيعة [ ص: 45 ] مثل قول الثوري وإليه ذهب عبد الملك بن حبيب واختلف عن عمر بن عبد العزيز في هذه المسألة فروي عنه ما يدل على الوجهين جميعا ، والحديث عن عمر بمعنى ما ذهب إليه مالك والشافعي وأبو حنيفة ومن تابعهم متصل .

والحديث الذي روي عنه بمذهب الثوري وأبي يوسف منقطع ، والمصير إلى المتصل أولى ، وعليه أكثر العلماء ، حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا محمد بن وضاح قال : حدثنا هشام بن خالد قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، قال : سألت مالكا والأوزاعي عن الهلال يرى من أول النهار ، فقالوا : هو لليلة التي تجيء ، قال : الأوزاعي : وكتب بذلك عمر بن الخطاب .

وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ولا تفطروا حتى تروا الهلال ففيه رد لتأويل من تأول قوله صلى الله عليه وسلم : شهرا عيد لا ينقصان : رمضان وذو الحجة إنهما لا ينقصان من ثلاثين ثلاثين يوما ; لأن قوله : ولا تفطروا حتى تروه ، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين دليل على جواز كون رمضان من تسع وعشرين ومع هذا الدليل ، فإن المشاهدة تثبت ما قلنا وكفى بها حجة لما ذكرنا .

وأما الحديث فحدثناه عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال : حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا مسدد أن [ ص: 46 ] يزيد بن زريع حدثهم ، قال : حدثنا خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ، عن النبي عليه السلام ، قال : شهرا عيد ، لا ينقصان : رمضان وذو الحجة ورواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، ورواه سالم أبو عبيد الله بن سالم عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن النبي عليه السلام مثله سواء ، وهذا معناه عندنا - والله أعلم - أنهما لا ينقصان في الأجر وتكفير الخطايا ، سواء كانا من تسع وعشرين ، أو من ثلاثين ، وإن ما وعد الله صائم رمضان على لسان نبيه عليه السلام من الأجر فهو منجزه له ، سواء كان شهره ثلاثين ، أو تسعا وعشرين .

وأما حديث أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه أنه قال : كل شهر حرام ثلاثون يوما وثلاثون ليلة ، فإنه حديث لا يحتج بمثله ; لأنه يدور على عبد الرحمن بن إسحاق ، وهو ضعيف . حدثناه خلف بن قاسم قال : حدثنا أحمد بن إبراهيم بن أحمد البغدادي المعروف بابن الحداد قال : حدثنا زكريا بن يحيى [ ص: 47 ] السجزي قال : حدثنا يوسف بن سليمان ، قال : حدثنا مروان بن معاوية ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق القرشي قال : حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه : كل شهر حرام ثلاثون يوما وثلاثون ليلة .

قال أبو عمر : الأشهر الحرم أربعة : ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب . وقد حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد بن منيع عن ابن أبي زائدة ، عن عيسى بن دينار عن أبيه ، عن عمرو بن الحارث بن أبي ضرار عن ابن مسعود قال : لما صمنا مع رسول الله صلى الله عليه تسعا وعشرين أكثر مما صمنا معه ثلاثين ، وهذا أيضا يدفع التأويل المذكور في قوله : شهرا عيد ، لا ينقصان ، ويوضح لك أن رمضان قد يكون تسعا وعشرين ، وفيما يدرك من ذلك معاينة ومشاهدة كفاية ، وبالله التوفيق .

وسيأتي ذكر الاختلاف في الشهادة على رؤية هلال رمضان ، وذكر رؤية هلال رمضان وهلال الفطر في بلد دون بلد في باب نافع إن شاء الله .




الخدمات العلمية