الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
6189 - وعنها ، قالت : إن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة ، يبتغون بذلك مرضاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالت : إن نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كن حزبين : فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة ، والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكلم حزب أم سلمة ، فقلن لها : كلمي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكلم الناس فيقول : من أراد أن يهدي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليهده إليه حيث كان . فكلمته ، فقال لها : " لا تؤذيني في عائشة ؟ فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة " . قالت : أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله ! ثم إنهن دعون فاطمة فأرسلن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكلمته ، فقال : " يا بنية ! ألا تحبين ما أحب ؟ " . قالت : بلى . قال : " فأحبي هذه " . متفق عليه .

وذكر حديث أنس " فضل عائشة على النساء " في باب " بدء الخلق " برواية أبي موسى .

التالي السابق


6189 - ( وعنها ) ، أي : عن عائشة ( قالت : إن الناس كانوا يتحرون ) : بتشديد الراء المفتوحة من التحري وهو طالب الحري بمعنى اللائق ، أو قصد الأحرى بمعنى الأحق والأولى . قال الطيبي : هو الرواية وفي بعض نسخ المصابيح يتحينون وما وجدناها في الأصول . وفي النهاية التحري : القصد والاجتهاد في الطلب ، والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول . وفي الحديث : تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر أي : تعهدوا طلبها فيها . اهـ . والمعنى يطلبون زيادة الثواب ( بهداياهم يوم عائشة ) ، أي في اليوم الذي هو نوبة عائشة ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - عندها ( يبتغون ) ، أي : يطلبون ( بذلك ) ، أي : بإرسال هداياهم إليه في يومها ( مرضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . أي زيادة رضاه لمزيد محبته لها . ( وقالت : إن نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كن حزبين ) ، أي : طائفتين اتفقت مزاج كل طائفة ورأيها في عشرتها وصحبتها ( فحزب ) ، أي : جمع منهن . ( فيه عائشة ) : وسبق ذكرها ( وحفصة ) : وهي بنت .

[ ص: 3992 ] عمر بن الخطاب
، وأمها زينب بنت مظعون ، كانت قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت حبيش بن حفافة السهمي ، هاجرت معه مات عنها بعد غزوة بدر ، فلما ضاعت ذكرها عمر على أبي بكر وعثمان فلم يجبه واحد منهما ، فخطبهـا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنكحه إياها في سنة ثلاث ، وطلقها تطليقة واحدة ، ثم راجعها حيث نزل عليه الوحي : راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة ، روى عنها جماعة من الصحابة والتابعين ، وماتت في شعبان سنة خمس وأربعين وهي ابنة ستين ( وصفية ) : وهي بنت حيي بن أخطب من بني إسرائيل سبط هارون بن عمران - عليه السلام - وكانت تحت كنانة بن أبي الحقيق ، فقتل يوم خيبر في محرم سنة سبع ، ووقعت في السبي فاصطفاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقيل وقعت في سهم دحية الكلبي ، فاشتراها منه بسبعة أرؤس ، فأسلمت فأعتقها وتزوجها ، وجعل عتقها صداقها ، وماتت سنة خمسين ودفنت بالبقيع ، روى عنها أنس وابن عمر وغيرهما ( وسودة ) ، أي : بنت زمعة أسلمت قديما ، وكانت تحت ابن عم لها يقال له السكوان بن عمرو ، فلما مات زوجها تزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - ودخل بها بمكة ، وذلك بعد موت خديجة قبل أن يعقد على عائشة ، وهاجرت إلى المدينة ، فلما كبرت أراد طلاقها فسألته أن لا يفعل ، وجعلت يومها لعائشة فأمسكها ، وتوفيت بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين ( والحزب الآخر ) ، أي : من أمهات المؤمنين ( أم سلمة ) : وهي بنت أبي أمية ، اسمها هند ، وكانت قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت أبي سلمة ، فما مات أبو سلمة سنة أربع ، وقيل سنة ثلاث ، تزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - في ليال بقين في شوال من السنة التي مات فيها أبو سلمة ، وماتت سنة تسع وخمسين ودفنت بالبقيع ، وكان عمرها أربعا وثمانين سنة ، روى عنها ابن عباس وعائشة وزينب بنتها وابن المسيب ، وخلق سواهم كثير من الصحابة والتابعين . ( وسائر نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) ، أي وباقيهن وهن زينب وأم حبيبة وجويرية بالتصغير وميمونة .

أما زينب فهي بنت جحش ، وأمها أمية بنت عبد المطلب عمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانت تحت زيد بن حارثة مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - فطلقها ثم تزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة خمس ، وهي أول من مات من أزواجه بعده ، وكان اسمها برة ، فجعله النبي - صلى الله عليه وسلم - زينب . قالت عائشة في شأنها : لم تكن امرأة خيرا منها في الدين ، وأتقى لله وأصدق حديثا ، وأوصل للرحم ، وأعظم صدقة وأشد تبذلا لنفسها في العمل الذي تتصدق به ، وتتقرب إلى الله تعالى ، ماتت بالمدينة سنة عشرين ، وقيل : سنة إحدى وعشرين ، ولها ثلاث وخمسون سنة ، روت عنها عائشة وأم حبيبة وغيرها .

وأما أم حبيبة : فاسمها رملة بنت أبي سفيان بن صخر بن حرب ، وأمها صفية بنت أبي العاص عمة عثمان بن عفان ، وقد اختلف في نكاح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياها ، وموضع العقد ، فقيل : إنه عقد بأرض الحبشة سنة ست وزوجه منها النجاشي وأمهرها أربعمائة دينار ، وقيل أربعة آلاف درهم من عنده ، وبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - شرحبيل بن حسنة فجاء بها إليه ، ودخل بها بالمدينة ، وقيل : إنه عقد عليها بالمدينة ، وزوجه منها عثمان بن عفان ، وماتت بالمدينة سنة أربع وأربعين ، روى عنها جماعة كثيرة .

وأما جويرية ، فهي بنت الحارث بن حزام ، سباها النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة المريسيع ، وهي غزوة بني المصطلق في سنة خمس ، فوقعت في سهم ثابت بن قيس ، فكاتبها فقضى عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - كتابتها ثم أعتقها وتزوجها ، وكان اسمها برة فغيره النبي - صلى الله عليه وسلم - وسماها جويرية ، وماتت في ربيع الأول سنة ست وخمسين ، ولها خمس وستون سنة ، روى عنها ابن عباس وابن عمر وجابر .

وأما ميمونة فهي بنت الحارث الهلالية العامرية ويقال إن اسمها كان برة فسماها النبي - صلى الله عليه وسلم - ميمونة : وكانت تحت مسعود بن عمرو الثقفي في الجاهلية ، ففارقها فتزوجها أبو درهم وتوفي عنها فتزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذي القعدة سنة سبع في عمرة القضاء بسرف على عشرة أميال من مكة وقدر الله تعالى أنها ماتت في المكان الذي تزوجها فيه بسرف سنة إحدى وستين ، وقيل إحدى وخمسين ، وقيل غير ذلك ، وصلى عليها ابن عباس ، وهي أخت أم الفضل امرأة العباس ، وأخت أسماء بنت عميس ، وهي آخر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، روى عنها جماعة منهم : عبد الله بن عباس كذا في الأسماء للمؤلف .

[ ص: 3993 ] ( فكلم حزب أم سلمة ) ، أي : إياها والمعنى فكلمنها ( فقلن لها : كلمي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكلم الناس ) : بالرفع على ما في نسخة السيد ، على أنه استئناف تعليل ، وقال ابن حجر : بالجزم ، والميم مكسورة لالتقاء الساكنين ، ويجوز الرفع . قلت : الصواب الرفع لقوله ( فيقول ) : والمعنى ليكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول لهم : ( من أراد أن يهدي ) : بضم الياء وكسر الدال أي : يرسل هدية ( إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليهده ) : وضع السيد في نسخته علامة الشك فوق الضمير ، وفيه أنه يستوي وجوده وعدمه في المعنى المراد ، نعم قد يحذف ضمير المفعول لكن النسخ اجتمعت على وجوده وهو أوضح من تقديره ، فلا وجه للشك وتنظيره ، والمعنى فليرسل مهداه أي هديته ( إليه ) ، أي : إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ( حيث كان ) . أي من حجرات الأمهات ومرادهن أنه لا يقع التحري في ذلك لا لهن ولا لغيرهن ، بل بحسب ما يتفق الأمر فيهن ليرتفع التمييز الباعث للغيرة عنهن ( فكلمته ) ، أي أم سلمة ( فقال ) : النبي - صلى الله عليه وسلم - ( لها : لا تؤذيني في عائشة " ) ، أي في حقها ، وهو أبلغ من لا تؤذي عائشة لما يفيد من أن ما آذاها فهو يؤذيه ( " فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة " ) ، أي : لحاف زوجة ( " إلا عائشة " ) . قال الطيبي : إلا بمعنى غير أي امرأة غير عائشة . اهـ . والمعنى إلا في ثوب عائشة ففي كتاب الخميس ، قالت عائشة : نزلت إنك لا تهدي من أحببت وأنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في اللحاف ( قالت ) ، أي : أم سلمة ( أتوب إلى الله من أذاك ) ، أي : مما يجر إلى أذاك ( يا رسول الله ! ثم إنهن ) ، أي : حزب أم سلمة ( دعون فاطمة ) ، أي : طلبنها ( فأرسلن ) ، أي : فبعثنها ( إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، أي : لتكلمه في هذه القضية ( فكلمته ) ، ولعلها ما اطلعت على قصة أم سلمة السابقة ( فقال : " يا بنية " ) : تصغير للشفقة والمرحمة ( " ألا تحبين ما أحب ؟ " قالت : بلى . قال : " فأحبي هذه " ) . أي عائشة يعني ولا تذكري ما يكون سببا لكراهية خاطرها ( متفق عليه ) . ورواه النسائي .

( وذكر حديث أنس " فضل عائشة على النساء " ) : تمامه : " كفضل الثريد على سائر الأطعمة " . ( " في باب بدء الخلق برواية أبي موسى ) . وتقدم الخلاف في أن المراد بالنساء جنسهن ، أو أزواجه - صلى الله عليه وسلم - عموما أو بعد خديجة ، والأظهر أنها أفضل من جميع النساء كما هو ظاهر الإطلاق من حيث الجامعية للكمالات العلمية والعملية المعبر عنهما في التشبيه بالثريد ، فإنما يضرب المثل بالثريد لأنه أفضل طعام العرب ، وأنه مركب من الخبز واللحم والمرقة ، ولا نظير لها في الأغذية ، ثم إنه جامع بين الغذاء واللذة والقوة وسهولة التناول وقلة المؤنة في المضغ ، وسرعة المرور في الحلقوم والمريء ، فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها المثل به ليعلم أنها أعطيت مع حسن الخلق ، وحسن الخلق ، وحسن الحديث ، وحلاوة المنطق ، وفصاحة اللهجة ، وجودة القريحة ، ورزانة الرأي ، ورصانة العقل التحبب إلى البعل ، فهي تصلح للتبعل والتحدث والاستئناس بها والإصغاء إليها وإلى غير ذلك من المعاني التي اجتمعت فيها ، وحسبك من تلك المعاني أنها عقلت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لم تعقل غيرها من النساء ، وروت عنه ما لم يرو مثلها من الرجال ، والله أعلم بالحال .

[ ص: 3994 ]



الخدمات العلمية