الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولو شهد الشاهدان أن له هذه المائة بعينها من رأس الحول فقال : قد ثم بعتها اشتريتها صدق " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وصورتها في رجل معه أربعون من الغنم طالبه الساعي بزكاتها ، فذكر أن حولها لم يحل فقبل الساعي قوله ، ثم إن شاهدين شهدا عليه أنها كانت معه من أول الحول إلى آخره .

                                                                                                                                            قال الشافعي : لا أقبل شهادتهما حتى يقطعا الشهادة عليها بأعيانها بأن يقولا : كانت هذه الغنم ويشيرا إليها لهذا الرجل ويشيرا إليه من أول الحول إلى آخره ، فإن زادا أو تمما الشهادة لو قالا لا نعلم أنها خرجت عن ملكه كان أحوط ، فإن صحت شهادتهما فعلى الساعي أن يرجع [ ص: 127 ] إلى ربها فيطالبه بزكاتها ؛ لأن البينة العادلة خير من الدعوى الكاذبة واليمين الفاجرة ، فإن قيل : ولم أجزتم شهادتهما وقد شهدا من غير أن يستشهدا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خير هذه الأمة قرني الذي أنا فيهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ثم ، الذين يلونهم ، ثم يفشو الكذب في الناس حتى يشهد الشهود من قبل أن يستشهدوا " .

                                                                                                                                            قيل : إنما اجتزينا بهذه الشهادة ؛ لأنها تتعلق بحق الله تعالى يستوي فيه الشاهد والمطالب فحسن أن يشهد فيه قبل أن يستشهد ، وكذلك حقوق الأيتام والضعفاء ومن لا ناصر له ولا معاضد ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " خير الشهادة ما شهد به الشهود قبل أن يستشهدوا فيها " ، فكان هذا الحديث موافقا لمعنى ما ذكرنا ، ويحمل ذلك الحديث على دعاوى الخصوم في حقوق الآدميين ، فيكون الحديثان معا مستعملين ، فإن قيل : فما تقولون في الشاهدين إن كانا فقيرين من أهل الصدقة تقبل شهادتهما أم لا ؟ قيل : إن كانا من جيران المالك وأهله لم تقبل شهادتهما لأنهما قد يتهمان أن يجرا بالشهادة نفعا إلى أنفسهما ، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا تجوز شهادة الخائن ولا ذي غمر ، ولا شهادة القانع لأهل البيت " يعني بذي الغمر العدو ، والقانع : السائل لأهل البيت الذين كانوا يتعاهدونه بالبر والصدقة ، وإن كان من غير جيران المالك ، وممن لا تفرق بينهما تلك الزكاة لبعدهما ، ففي قبول شهادتهما وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : تقبل لانتفاء الريبة عنهما .

                                                                                                                                            والثاني : لا تقبل خوفا من التهمة بأن تئول الصدقة إليهما ، فإذا قامت عليه البينة العادلة بأنها في يده من أول الحول إلى آخره ، طولب بأداء الزكاة ، فإن أكذب البينة لم يلتفت إلى إكذابه ، وأخذت منه الزكاة جبرا ، وإن أصدق البينة وادعى أنه قد كان باعها في تضاعيف الحول شراء ثم ابتاعها فالقول قوله مع يمينه ، لأنه أمين وما قاله محتمل . لكن اختلف أصحابنا هل هذه الدعوى توافق الظاهر أو تخالفه ؟ على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أنها موافقة للظاهر ، فعلى هذا تكون اليمين استظهارا ، فإن نكل عنها لم تؤخذ منه الزكاة .

                                                                                                                                            والثاني : واجبة فإن نكل عنها أخذت منه الزكاة

                                                                                                                                            [ ص: 128 ]

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية