الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " فأما في التطوع فلا بأس إن أصبح ولم يطعم شيئا أن ينوي الصوم قبل الزوال ، واحتج في ذلك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل على أزواجه فيقول " هل من غداء ؟ " فإن قالوا : لا . قال : " إني صائم "

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا كما قال :

                                                                                                                                            لا بأس أن ينوي لصوم التطوع نهارا قبل الزوال ، وبه قال أبو حنيفة وقال مالك وداود : التطوع كالفرض في وجوب النية ، تعلقا بقوله صلى الله عليه وسلم لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل قالوا : ولأنها عبادة تتنوع فرضا ونفلا ؛ فوجب أن يكون محل النية في نفلها ، كمحل النية في فرضها أصله الصلاة ، ودليلنا في ذلك حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أنفذ إلى أهل العوالي في يوم عاشوراء : " من أكل فليمسك بقية نهاره ، ومن لم يأكل فليصم " ومعلوم أن عاشوراء كان نافلة ، وأنه أمرهم بصومه نهارا .

                                                                                                                                            روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كان يدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول : " هل عندكم من غداء " فإن قلنا : لا قال : " إني صائم " [ ص: 456 ] وروي " إني إذا صائم " .

                                                                                                                                            والدلالة في هذا الخبر من ثلاثة أوجه :

                                                                                                                                            أحدهما : أن التماسه الطعام ليأكل دليل على أنه كان مفطرا إذ لو كان صائما ما التمس طعاما ولا أهم بالإفطار ، فإن قيل : إنما التمسه لوقت الإفطار لا للأكل في الحال ، قلنا : لو كان هذا مراده لقال هل من عشاء ، فلما قال : هل من غداء علم أنه أراد أكله في الحال ، فإن قيل : إنما سأل عن ذلك ليعلم خبر منزله ، قلنا : هذا خطأ ؛ لأن ظاهر قوله : " هل عندكم من غداء أتغذى به " يدل على أنهم لما قالوا : لا . قال : " إني صائم " فعقب ذلك بما دل على مراده على أنا روينا أنه كان إذا أحضروا الغداء أكل ، وإن لم يحضروه قال : " إني صائم " .

                                                                                                                                            والدليل الثاني : من الخبر أنه لما أخبر بصيامه عند فقد الطعام دل على حدوث نيته ، وأن صومه إنما كان لفقده ليكون الحكم محمولا على سنته .

                                                                                                                                            والدليل الثالث منه : قوله " إني إذا صائم " فمعلوم أن إذا للابتداء والاستثناء لا لما مضى وتقدم ، ويدل على ذلك أيضا من طريق المعنى : أن الصوم عبادة يتنوع جنسها فرضا ونفلا ويخرج منها بالفساد ، فوجب أن يخالف نفلها فرضها في ترك التوجه والقيام مع القدرة عليها ، ولا يدخل عليه الحج ؛ لأنه لا يخرج منه بالفساد ، فإن قيل : قد يختلف فرض الصيام ونفله في كفارة الوطء قلنا : ليست الكفارة من أفعال الصوم وإنما هي موجبات إفساده ، على أن الكفارة إنما تلزم لحرمة رمضان لا لفرض الصيام ، فأما تعلقهم بعموم الخبر فمخصوص بما ذكرناه ، وأما قياسهم على الصلاة ، فالمعنى فيها ما ذكرناه من أن الفرض منها يخالف النفل من وجوه ، فجاز أن يتفقا في النية ، وليس كذلك الصيام على أن نية الصيام لما جاز تقدمها جاز تأخيرها ، وليس كذلك الصلاة .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية