الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        إنما يحكم بأن الأم أحق بالحضانة من الأب في حق من لا تمييز له أصلا ، وهو الصغير في أول أمره ، والمجنون ، فأما إذا صار الصغير مميزا ، فيخير بين الأبوين إذا افترقا ، ويكون عند من اختار منهما ، وسواء في التخيير الابن والبنت ، وسن التمييز غالبا سبع سنين ، أو ثمان تقريبا ، قال الأصحاب : وقد يتقدم التمييز عن السبع وقد يتأخر عن الثمان ، ومدار الحكم على نفس التمييز ، لا على سنه ، وإنما يخير بين الأبوين إذا اجتمع فيهما شروط الحضانة ، بأن يكونا مسلمين حرين عاقلين عدلين مقيمين في وطن واحد على ما سيأتي - إن شاء الله تعالى - ، [ ص: 104 ] وأن تكون الأم خلية ، فإن اختل في أحدهما بعض الشروط ، فلا تخيير ، والحضانة للآخر ، فإن زال الخلل ، أنشئ التخيير ، ولو وجدت الشروط فيهما ، واختص أحدهما بزيادة في الدين أو المال أو محبة الولد ، فهل يختص به أم يجري التخيير ؟ وجهان : أصحهما : الثاني ، ويجري التخيير بين الأم والجد عند عدم الأب ، ويجري أيضا بينها وبين من على حاشية النسب ، كالأخ والعم ، على الأصح ، وقيل : تختص به الأم ، وفي ابن العم مع الأم هذان الوجهان ، إن كان الولد ذكرا ، فإن كان أنثى ، فالأم أحق قطعا ، ويجري الخلاف أيضا بين الأب والأخت والخالة إذا قدمناها عليه قبل التمييز كما سنذكره - إن شاء الله تعالى - ، وإذا اختار أحد الأبوين ، ثم اختار الآخر ، حولناه إليه ، فإن عاد واختار الأول ، أعدناه إلى الأول ، فإن أكثر التنقل بحيث يظن أن سببه نقصانه وقلة تمييزه ، جعل عند الأم كما قبل التمييز ، وكذا لو بلغ على نقصانه وخبله .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        إذا اختار الأب وسلم إليه ، فإن كان ذكرا ، لم يمنعه الأب من زيارة أمه ولا يحوجها إلى الخروج لزيارته ، وإن زارته ، لم يمنعها من الدخول عليه ، وله منع الأنثى من زيارة الأم ، فإن شاءت الأم ، خرجت إليها للزيارة ، لأنها أولى بالخروج لسنها وخبرتها ، ثم الزيارة تكون في الأيام على العادة ، لا في كل يوم ، وإذا دخلت ، لا تطيل المكث ، ولو مرض الولد ذكرا كان أو أنثى ، فالأم أولى بتمريضه ، فإنها أشفق وأهدى إليه ، فإن رضي بأن تمرض في بيته ، فذاك ، وإلا فينقل الولد إلى بيت الأم ، ويجب الاحتراز عن الخلوة إذا كانت تمرضه في بيت الأب ، وكذا إذا زارت الولد ، فإن لم يكن هناك ثالث ، خرج حتى تدخل ، وإذا مات ، لم تمنع من حضور غسله وتجهيزه إلى أن يدفن ، وإن مرضت الأم ، لم [ ص: 105 ] يكن للأب منع الولد من عيادتها ، ذكرا كان أو أنثى ، ولا يمرضها ، قال الروياني : إلا إذا أحسنت الأنثى التمريض .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        إذا اختار الأم ، فإن كان ابنا ، أوى إليها ليلا ، وكان عند الأب نهارا يؤدبه ويعلمه أمور الدين والمعاش والحرفة ، وإن كانت بنتا ، كانت عند الأم ليلا ونهارا ، ويزورها الأب على العادة ، ولا يطلب إحضارها عنده ، وهكذا الحكم إذا كان الولد عند الأم قبل سن التخيير .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        إذا اختار الأم ، فليس للأب إهماله بمجرد ذلك ، بل يلزمه القيام بتأديبه وتعليمه ، إما بنفسه وإما بغيره ويتحمل مؤنته ، وكذا المجنون الذي لا تستقل الأم بضبطه يلزم الأب رعايته ، وإنما تقدم الأم فيما يتأتى منها وما هو شأنها .

                                                                                                                                                                        قلت : تأديبه وتعليمه واجب على وليه أبا كان أو جدا أو وصيا أو قيما ، وتكون أجرة ذلك في مال الصبي ، فإن لم يكن له مال ، فعلى من تلزمه نفقته ، وقيل : إن أجرة ما لا يلزمه تعلمه بعد البلوغ تكون في مال الولي مع يسار الولد ، والأول أصح ، وقد سبق بعض هذا في أول كتاب الصلاة . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        لو خيرناه فاختارهما ، أقرع بينهما ، وإن لم يختر واحدا منهما ، فوجهان : أحدهما : يقرع وبه قطع البغوي ، وأصحهما : الأم أحق ، لأنه لم يختر غيرها ، وكانت الحضانة لها فيستصحب ، وبه قطع في " البسيط " .

                                                                                                                                                                        [ ص: 106 ] قال الروياني : لو ترك أحد الأبوين في وقت التخيير كفالته للآخر ، كان الآخر أحق به ، ولا اعتراض للولد ، فإن عاد وطلب الكفالة ، عدنا إلى التخيير ، قال : ولو تدافع الأبوان كفالته ، وامتنعا منها ، فإن كان بعدهما من يستحق الحضانة ، كالجد والجدة ، خير بينهما ، وإلا فوجهان : أحدهما : يخير الولد ، ويجبر من اختاره على كفالته ، فعلى هذا لو امتنعا من الحضانة قبل سن التمييز ، يقرع بينهما ، ويجبر من خرجت قرعته على حضانته ، والثاني : يجبر عليها من تلزمه نفقته .

                                                                                                                                                                        قلت : أصحهما الثاني . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        ما سبق من أن الأم أولى من الأب قبل التمييز ، وأنه يخير بينهما بعد تمييزه ، هو فيما إذا كان الأبوان مقيمين في بلد واحد ، فأما إذا أراد أحدهما سفرا ، أو أرادا سفرا يختلف فيه بلدهما ، فينظر ، إن كان سفر حاجة ، كحج وغزو وتجارة ، لم يسافر بالولد ، لما في السفر من الخطر والمشقة ، بل يكون مع المقيم إلى أن يعود المسافر ، سواء طالت مدة السفر أم قصرت ، وعن الشيخ أبي محمد وجه أن للأب أن يسافر به إذا طال سفره . وإن كان سفر نقلة ، نظر ؛ إن كان ينتقل إلى مسافة القصر ، فللأب أن ينتزعه من الأم ويستصحبه معه ، سواء كان المنتقل الأب أو الأم ، أو أحدهما إلى بلد والآخر إلى آخر ، احتياطا للنسب ، فإن النسب يتحفظ بالأباء ، ولمصلحة التأديب والتعليم ، وسهولة القيام بنفقته ومؤنته ، وسواء نكحها في بلدها أو في الغربة ، فلو رافقته الأم في طريقه ، دام حقها ، وكذا في المقصد ، ولو عاد من سفر النقلة إلى بلدها ، عاد حقها ، ولو كان الطريق الذي يسلكه مخوفا ، أو البلد الذي يقصده [ ص: 107 ] غير مأمون لغارة ونحوها ، لم يكن له انتزاع الولد ، وإن كان الانتقال إلى دون مسافة القصر ، فوجهان : أحدهما : لا يؤثر ، ويكونان كالمقيمين في محلتين من بلد ، وأصحهما : أنه كمسافة القصر ، ولو اختلفا ، فقال : أريد الانتقال ، فقالت : بل التجارة ، فهو المصدق بيمينه ، وقال القفال : يصدق بلا يمين ، والأول أصح ، فإن نكل ، حلفت ، وأمسكت الولد ، وسائر العصبات من المحارم كالجد والأخ والعم بمنزلة الأب في انتزاع الولد ونقله إذا أرادوا الانتقال ، احتياطا للنسب ، وكذا غير المحارم ، كابن العم ، إن كان الولد ذكرا ، وإن كان أنثى ، لم تسلم إليه ، قال المتولي : إلا إذا لم تبلغ حدا يشتهى مثلها ، وفي " الشامل " أنه لو كان له بنت ترافقه ، سلمت إلى بنته ، وأما المحرم الذي لا عصوبة له ، كالخال والعم للأم ، فليس له نقل الولد إذا انتقل ، لأنه لا حق له في النسب .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        إنما يثبت حق النقل للأب وغيره ، إذا استجمع الصفات المعتبرة في الحضانة ، قال المتولي : ولو كان للولد جد مقيم ، وأراد الأب الانتقال ، كان له أن ينقل الولد ، ولم تمنع منه إقامة الجد ، وكذا حكم الجد عند عدم الأب ، ولا تمنعه إقامة الأخ أو العم ، لكن لو لم يكن أب ولا جد ، وأراد الأخ الانتقال ، وهناك ابن أخ أو عم يقيمان ، فليس للأخ انتزاعه من الأم لنقله ، بخلاف الأب والجد ، لكمال عنايتهما وتقارب عناية غيرهما من العصبات .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        لو كان كل واحد من الأبوين يسافر لحاجة ، واختلف طريقهما ومقصدهما ، فيشبه أن يدام حق الأم ، ويحتمل أن يكون مع الذي مقصده أقرب ، أو مدة سفره أقصر .

                                                                                                                                                                        [ ص: 108 ] قلت : المختار أنه يدام مع الأم ، وهو مقتضى كلام الأصحاب . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية