الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير سورة التوبة

سورة التوبة

165 - قوله : واعلموا أنكم غير معجزي الله ليس بتكرار ؛ لأن الأول للمكان ، والثاني للزمان . وقد تقدم ذكرهما في قوله : فسيحوا في الأرض أربعة أشهر .

166 - قوله : فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ليس بتكرار ؛ لأن الأول في الكفار ، والثاني في اليهود فيمن حمل قوله : اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا على التوراة . وقيل : هما في الكفار ، وجزاء الأول تخلية سبيلهم ، وجزاء الثاني : إثبات الأخوة لهم ، والمعنى بإثبات الله القرآن .

167 - قوله : كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ، ثم ذكر بعده : كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ، واقتصر عليه ، فذهب بعضهم إلى أنه [ ص: 134 ] تكرار للتأكيد ، واكتفى بذكر " كيف " عن الجملة بعده ، لدلالة الأولى عليه . وقيل : تقديره : كيف لا تقتلونهم ، فلا يكون من التكرار في شيء .

168 - قوله : لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ، وقوله : لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة . الأول : للكفار ، والثاني : لليهود . وقيل : ذكر الأول وجعل جزاء للشرط ، ثم أعاد ذلك تقبيحا لهم فقال : ساء ما كانوا يعملون لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ، فلا يكون تكرارا محضا .

169 - قوله : الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم . إنما قدم في سبيل الله في هذه السورة لموافقة قوله قبله : وجاهد في سبيل الله ، وقد سبق ذكره في الأنفال ، وقد جاء بعده في موضعين : " بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله " ؛ ليعلم أن الأصل ذلك ، وإنما ههنا لموافقة ما قبله فحسب .

170 - قوله : كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون بزيادة باء ، وبعده : إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا بغير باء فيهما ؛ لأن الكلام في الآية الأولى إيجاب بعد نفي ، وهو الغاية في باب التأكيد ، وهو قولهم : وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ، فأكد المعطوف أيضا ، فالباء ليكون الكل في التأكيد على منهاج واحد ، وليس كذلك الآيتان بعده ، فإنهما خلتا من التأكيد .

171 - قوله : فلا تعجبك أموالهم بالفاء ، وقال في [ ص: 135 ] الآية الأخرى : ولا تعجبك أموالهم بالواو ؛ لأن الفاء تتضمن معنى الجزاء ، والفعل الذي قبله مستقبل يتضمن معنى الشرط ، وهو قوله : ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون . أي : إن يكن منهم ذلك فما ذكر جزاؤهم ، فكان الفاء ههنا أحسن موقعا من الواو ، والتي بعدها جاء قبلها : كفروا بالله ورسوله وماتوا بلفظ الماضي وبمعناه ، والماضي لا يتضمن معنى الشرط ، ولا يقع من الميت فعل ، فكان الواو أحسن .

172 - قوله : ولا أولادهم بزيادة " لا " ، وقال في الأخرى : وأولادهم بغير " لا " ؛ لأنه لما أكد الكلام الأول بالإيجاب بعد النفي وهو الغاية ، وعلق الثاني بالأول تعليق الجزاء بالشرط ، اقتضى الكلام الثاني من التوكيد ما اقتضاه الأول ، فأكد معنى النهي بتكرار " لا " في المعطوف .

173 - قوله : إنما يريد الله ليعذبهم ، وقال في الأخرى : أن يعذبهم ؛ لأن " أن " في هذه الآية مقدرة ، وهي الناصبة للفعل فصار في الكلام ههنا زيادة كزيادة ( الباء ، ولا ) في الآية .

174 - قوله : في الحياة الدنيا ، وفي الآية الأخرى : في الدنيا ؛ لأن الدنيا صفة الحياة في الآيتين ، فأثبت الموصوف والصفة في الأولى ، وحذف الموصوف في الثانية ، اكتفاء بذكره في الأولى ، وليس الآيتان مكررتين ؛ لأن الأولى في قوم ، [ ص: 136 ] والثانية في آخرين . وقيل : الأولى في اليهود ، والثانية في المنافقين .

وجواب آخر : وهو أن المفعول في هذه الآية محذوف ، أي أن يزيد في نعمائهم بالأموال والأولاد ليعذبهم بها في الحياة الدنيا . والآية الأخرى إخبار عن قوم ماتوا على الكفر ، فتعلقت الإرادة بما هم فيه ، وهو العذاب .

175 - قوله : يريدون أن يطفئوا نور الله ، وفي الصف : ليطفئوا . هذه الآية تشبه قوله : إنما يريد الله أن يعذبهم ، و ليعذبهم . حذف اللام من الآية الأولى ؛ لأن مرادهم إطفاء نور الله بأفواههم ، والمراد الذي هو المفعول به في الصف مضمر ، تقديره : ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب ليطفئوا نور الله . واللام لام العلة . وذهب بعض النحاة إلى أن الفعل محمول على المصدر ، أي : إرادتهم لإطفاء نور الله .

176 - قوله : ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم هذه الكلمات تقع على وجهين :

أحدهما : " ذلك الفوز " بغير " هو " ، وهو في القرآن في ستة مواضع : في براءة موضعان ، وفي يونس ، والمؤمن " غافر " ، والدخان ، والحديد . وما في براءة أحدهما بزيادة الواو ، وهو قوله : فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ، وكذلك ما في المؤمن ، بزيادة الواو .

[ ص: 137 ] والجملة إذا جاءت بعد جملة من غير تراخ بنزول جاءت مربوطة بما قبلها ، إما بواو العطف ، وإما بكناية تعود من الثانية إلى الأولى ، وإما بإشارة فيها إليها ، وربما يجمع بين الاثنين منها والثلاثة للدلالة على مبالغة فيها ، ففي براءة : خالدين فيها ذلك الفوز ، خالدين فيها أبدا ذلك الفوز ، وفيها أيضا : ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز ، فجمع بين اثنين ، وبعدها : فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ، فجمع بين الثلاثة تنبيها على : أن الاستبشار من الله تعالى يتضمن رضوانه ، والرضوان يتضمن الخلود في الجنان .

قلت : ويحتمل أن ذلك لما تقدمه من قوله : وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ، ويكون كل واحد منها في مقابلة واحد ، وكذلك في المؤمن تقدمه فاغفر ، وقهم ، وأدخلهم ، فوقعت في مقابلة الثلاثة .

177 - قوله : وطبع على قلوبهم ، ثم قال بعده : وطبع الله ؛ لأن قوله : وطبع محمول على رأس المائة ، وهو قوله : وإذا أنزلت سورة مبني للمجهول ، والثاني : محمول على ما تقدم من ذكر الله تعالى مرات ، فكان اللائق وطبع الله . ثم ختم كل آية بما يليق بها فقال في الأولى : لا يفقهون ، وفي الثانية : لا يعلمون ؛ لأن العلم فوق الفقه ، والفعل المسند إلى الله فوق المسند إلى المجهول .

178 - قوله : وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون ، وقال في الأخرى : فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون ؛ [ ص: 138 ] لأن الأولى في المنافقين ، ولا يطلع على ضمائرهم إلا الله تعالى ، ثم رسوله - صلى الله عليه وسلم - بإطلاع الله إياه عليها ، كقوله : قد نبأنا الله من أخباركم ، والثانية في المؤمنين ، وطاعات المؤمنين وعباداتهم ظاهرة لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين . وختم آية المنافقين بقوله : ثم تردون ، فعطفه على الأول ؛ لأنه وعيد . وختم آية المؤمنين بقوله : وستردون ؛ لأنه وعد ، فبناه على قوله : فسيرى الله .

179 - قوله : إلا كتب لهم به عمل صالح ، وفي الأخرى : إلا كتب لهم ؛ لأن الآية الأولى مشتملة على ما هو من عملهم ، وهو قوله : ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا ، وعلى ما ليس من عملهم ، وهو : الظمأ والنصب والمخمصة . والله سبحانه وتعالى بفضله أجرى ذلك مجرى عملهم في الثواب فقال : إلا كتب لهم به عمل صالح أي : جزاء عمل صالح . والثانية : مشتملة على المشاق وقطع المسافات ، فكتب لهم ذلك بعينه ، وكذلك ختم الآية بقوله : ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون ، لكن الكل من عملهم ، فوعدهم أحسن الجزاء عليه ، وختم الآية بقوله : إن الله لا يضيع أجر المحسنين ، حتى ألحق ما ليس من عملهم بما هو من عملهم ، ثم جازاهم على الكل أحسن الجزاء .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث