الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث التاسع أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أو من معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية

744 [ ص: 239 ] حديث تاسع لعبد الله بن أبي بكر

مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن خلاد بن السائب الأنصاري ، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي ، أو من معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية ، أو بالإهلال يريد أحدهما .

التالي السابق


هذا حديث اختلف في إسناده اختلافا كثيرا وأرجو أن تكون رواية مالك فيه أصح ذلك إن شاء الله .

فأما الثوري فروى هذا الحديث عن عبد الله بن أبي لبيد ، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب ، عن خلاد بن السائب ، عن زيد بن خالد الجهني قال : قال رسول الله [ ص: 240 ] صلى الله عليه وسلم : جاءني جبريل فقال : مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية ، فإنها شعار الحج ذكره ابن أبي شيبة ، عن وكيع ، عن سفيان الثوري بهذا الإسناد .

وذكر ابن سنجر ، حدثنا قبيصة ، حدثنا سفيان ، عن عبد الله بن أبي لبيد ، قال : أخبرنا المطلب بن عبد الله بن حنطب ، عن خلاد بن السائب ، عن أبيه ، عن زيد بن خالد الجهني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتاني جبريل فقال : ارفع صوتك بالإهلال ، فإنه شعار الحج هكذا قال قبيصة : خلاد بن السائب ، عن أبيه ، ولم يقل : وكيع ، عن أبيه .

وقد مضى القول في معنى التلبية ، والإهلال فيما سلف من هذا الكتاب ، والمعنى فيهما واحد ، وذلك رفع صوت الحاج بلبيك اللهم لبيك على ما مضى في حديث نافع عن ابن عمر من ألفاظ التلبية .

واختلف العلماء في وجوب التلبية وكيفيتها ، فذهب أهل الظاهر إلى وجوب التلبية ، منهم : داود ، وغيره ، وقال سائر أهل العلم : ذلك من سنن الحج وزينته ، وكان مالك يرى على من ترك التلبية من أول إحرامه إلى آخر حجه دما يهريقه ، وكان الشافعي ، وأبو حنيفة لا يريان عليه شيئا ، وإن كان قد أساء عندهم ، وقد مضت هذه المسألة في باب نافع من هذا الكتاب مجودة ، وكذلك أوجب أهل الظاهر رفع الصوت بالتلبية ، [ ص: 241 ] ولم يوجبه غيرهم ، وقال مالك : يرفع المحرم صوته بالتلبية قدر ما يسمع نفسه ، وكذلك المرأة ترفع صوتها قدر ما تسمع نفسها ، وقال في الموطأ : لا يرفع المحرم صوته بالإهلال في المساجد مساجد الجماعة ليسمع نفسه ، ومن يليه إلا المسجد الحرام ، ومسجد منى ، فإنه يرفع صوته فيهما . قال : ويلبي عند اصطدام الرفاق ، وقال إسماعيل بن إسحاق : الفرق بين المسجد الحرام ، ومسجد منى وبين سائر المساجد في رفع الصوت بالتلبية - أن مساجد الجماعة إنما بنيت للصلاة خاصة فكره رفع الصوت فيها وجاءت الكراهية في رفع الصوت فيها عاما لم يخص أحد من أحد إلا الإمام الذي يصلي بالناس فيها ، فدخل الملبي في الجملة ، ولم يدخل في ذلك المسجد الحرام ومسجد منى ; لأن المسجد الحرام جعل للحاج وغير الحاج ، قال الله عز وجل : سواء العاكف فيه والبادي وكان الملبي إنما يقصد إليه ، فكان له فيه من الخصوص ما ليس في غيرها .

وأما مسجد منى ، فإن للحاج خاصة ، قال : وقد ذكر أبو ثابت عن ابن نافع ، عن مالك أنه سئل عن المحرم : هل يرفع صوته بالتلبية في المساجد التي بين مكة ، والمدينة ؟ قال : نعم ، لا بأس بذلك ، قال : إسماعيل : لأن هذه المساجد إنما جعلت للمجتازين وأكثرهم المحرمون ، فهم من النحو الذي وصفنا ، وقال [ ص: 242 ] الشافعي ، وأبو حنيفة ، والثوري ، وأصحابهم : يرفع المحرم صوته بالتلبية . قال الشافعي : ويلبي عند اصطدام الرفاق ، والإشراف ، والهبوط ، واستقبال الليل ، وفي المساجد كلها .

وقد كان الشافعي يقول بالعراق مثل قول مالك ثم رجع إلى هذا على ظاهر الحديث المذكور في هذا الباب وعمومه ; لأنه لم يخص فيه موضعا من موضع ، وكان ابن عمر يرفع صوته بالتلبية ، وقال ابن عباس : هي زينة الحج . وقال أبو حازم : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبلغون الروحاء حتى تبح حلوقهم من التلبية .

وأجمع العلماء على أن السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها ، وإنما عليها أن تسمع نفسها ، فخرجت من جملة ظاهر الحديث ، وخصت بذلك ، وبقي الحديث في الرجال وأسعدهم به من ساعده ظاهره ، وبالله التوفيق .

وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، قال : كان ابن عمر يرفع صوته بالتلبية ، فلا يأتي الروحاء حتى يصحل صوته ، أو يشخب صوته .

قال أبو عمر : لا وجه لقوله : أو يشخب ، والصحيح يصحل ، قال الخليل : صحل صوته صحلا ، فهو صحل إذا كانت فيه بحة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث