الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ) .

                          بين لنا تعالى في الآية السابقة أنه لو شاء لجمع الناس على الهدى ولكنه لم يشأ أن يجعل البشر مفطورين على ذلك ، ولا أن يلجئهم إليه إلجاء بالآيات القاسرة ، بل اقتضت حكمته ومضت سنته في البشر بأن يكونوا متفاوتين في الاستعداد ، عاملين بالاختيار ، فمنهم من يختار الهدى على الضلال ، ومنهم من يستحب العمى على الهدى ، ثم بين لنا في هاتين الآيتين أن الأولين هم الذين ينظرون في الآيات ، ويعقلون ما يسمعون من البينات ، وأن الآخرين لا يسمعون ولا ينظرون حتى كأنهم من الأموات ، فقال عز وجل :

                          ( إنما يستجيب الذين يسمعون ) يقال : أجاب الدعوة إذا أتى ما دعي إليه من قول أو عمل ، وأجاب الداعي إذا لباه وقام بما دعاه إليه ، ويقال : استجاب له ، وهو في القرآن كثير ، واستجاب دعاءه وكذا استجابه . نعرف منه قول كعب بن مرثد الغنوي في رثاء أخيه :


                          وداع دعا يا من يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب

                          . [ ص: 321 ] قالوا : إن الاستجابة بمعنى الإجابة ، ولذلك قال : فلم يستجبه مجيب ، وقال الراغب : والاستجابة قيل : هي الإجابة ، وحقيقتها هي التحري للجواب والتهيؤ له لكن عبر به عن الإجابة لقلة انفكاكها منها . انتهى . وهذا من دقائق تحديده للمعاني رحمه الله تعالى ، ولكنه لم يحط به ، وحقيقة الجواب والإجابة كما يؤخذ من قوله - قطع الصوت أو الشخص الجوب أو الجوبة وهي المسافة بين البيوت أو الحفرة ، ووصوله إلى الداعي أي : وصول ما سأله إليه بالفعل ، وأما الاستجابة فهي التهيؤ للجواب أو للإجابة أي المستلزم للشروع والمضي فيها عند الإمكان ، وغايته الإجابة التامة عند عدم المانع ، فالسين والتاء على معناهما ، ومن دقق النظر في استعمال الصيغتين في القرآن الحكيم يظهر له أن أفعال الإجابة كلها قد ذكرت في المواضع المفيدة لحصول السؤال كله بالفعل حقيقة أو ادعاء دفعة واحدة ، ومنه الإجابة بالقول كقولك : نعم ، وبلى ، ولبيك ، ولك ذلك ، وأن الاستجابة قد ذكرت في المواضع المفيدة لحصول السؤال بالقوة أو التهيؤ والاستعداد له ، ومنه قوله تعالى : ( الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ) ( 3 : 172 ) فهو قد نزل في تهيؤ المؤمنين للقتال في حمراء الأسد بعد أحد ، أو بالفعل التدريجي ، كاستجابة دعوة الدين التي تبدأ بالقبول والشهادتين ، ثم تكون سائر الأعمال بالتدريج وشواهده كثيرة ، والاستجابة من الله القادر على كل شيء إنما يعبر بها في الأمور التي تقع في المستقبل ، ويكون الشأن فيها أن تقع بالتدريج كاستجابة الدعاء بالوقاية من النار ، وبالمغفرة وتكفير السيئات وإيتاء ما وعد به المؤمنين في الآخرة ، قال تعالى بعد حكاية هذا الدعاء بذلك عن أولي الألباب : ( فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم ) ( 3 : 195 ) إلخ . وكاستجابته للمؤمنين في بدر بإمدادهم بالملائكة تثبتهم كما في " سورة الأنفال " ( 8 : 9 - 12 ) ومن ذلك استجابته لأيوب وذي النون وزكريا عليهم السلام كما في " سورة الأنبياء " ( 21 : 83 ، 90 ) كل ذلك مما يقع بالتدريج في الاستقبال ، وأما قوله تعالى لموسى وهارون حين دعوا على فرعون وملئه : ( قد أجيبت دعوتكما ) ( 10 : 89 ) فهو تبشير لهما بأنه تعالى قد قبلها بالفعل . وهذا من الإجابة القولية جاءت بصيغة الماضي للإيذان بتحقق مضمونها في المستقبل حتى كأنها أجيبت وانتهى أمرها ، وهذا المعنى تؤديه مادة الإجابة دون مادة الاستجابة ، ولو ذكرت هذه المسألة بصيغة الحكاية لعبر عن إعطائهما ما سألا بلفظ الاستجابة كما قال في شأن كل من أيوب وذي النون وزكريا ( فاستجبنا له ) فيالله العجب من هذه الدقة والبلاغة في هذا الكلام الإلهي المعجز للبشر حتى في وضع مفرداته في مواضعها ، دع بلاغة أساليبه ، وجمله ، وعلومه ، وحكمه ، وما فيه من أخبار الغيب ، وغير ذلك من الآيات البينات . هذا تحقيق معنى الاستجابة ، وقيل : إن الفرق بين الإجابة والاستجابة هو أن الاستجابة تدل على القبول ولا يعرف له أصل منقول ولا معقول .

                          [ ص: 322 ] والسمع والسماع يطلق بمعنى إدراك الصوت ، وبمعنى فهم ما يسمع من الكلام وهو ثمرة السماع ، وبمعنى قبول ما يفهم منه والاعتبار به والعمل بموجبه ، وهذه ثمرة الثمرة ، فهي المرتبة الكاملة العليا من مراتب السماع ، فمن سمع ولم يفهم ، كان كمن لم يسمع ، ومن فهم ولم يعمل كان كمن لم يفهم ، وهذا القول أقرب إلى الحقيقة وأبعد عن قصد المبالغة من قول الشاعر :


                          خلقوا وما خلقوا لمكرمة     فكأنهم خلقوا وما خلقوا
                          .

                          رزقوا وما رزقوا سماح يد     فكأنهم رزقوا وما رزقوا

                          .

                          ذلك بأن للخلق والرزق ثمرات وغايات غير المكارم وسماح اليد ، وأما سماع الكلام فلا فائدة له إلا فهمه ، وفهمه لا فائدة له إلا الانتفاع به ، ولأجل هذا أطلق القرآن على من لا يستفيدون من سماع الآيات والعلم النافع لفظ الصم ولفظ الموتى في آيات منها قوله فيهما معا : ( إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ) ( 27 : 80 ) والآية التي نفسرها من هذا القبيل .

                          فمعنى صدر الآية : إنما يستجيب لك أيها الرسول - أو لله ولرسوله - الذين يسمعون كلام الله الداعي إليه بآياته سماع فهم وتدبر ، فيعقلون الآيات ، ويذعنون لما عرفوا بها من الحق ; لسلامة فطرتهم واستقلال عقولهم ، دون الذين قالوا : سمعنا وهم لا يسمعون كالمقلدين الجامدين ، ودون الذين قالوا : سمعنا وعصينا من المستكبرين الجاحدين . فكل أولئك من موتى القلوب والأرواح الذين هم أبعد عن الانتفاع من موتى الجسوم والأبدان .

                          ( والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون ) أي وموتى القلوب الذين لا يسمعون هذا السماع يخرجهم الله تعالى من قبورهم ويرسلهم إلى موقف الحساب ، ثم ترجعهم الملائكة إليه فينالون ما استحقوه من الجزاء ، فأصل البعث في اللغة : إثارة الشيء وتوجيهه ، كما قال الراغب : يقال : بعثت بالبعير أي : أثرته من مبركه وسيرته إلى المرعى ونحوه ، و ( يرجعون ) مبني للمفعول من الرجع ، و " رجع " جاء لازما ومتعديا ، يقال : رجع فلان رجوعا ، أي انصرف ورجعته رجعا ، ومنه ( قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا ) ( 23 : 99 ، 100 ) و " أرجعته " لغة هذيل .

                          فالظاهر مما تقدم أن المراد بالموتى هنا : الكفار الراسخون في الكفر ، المطبوع على قلوبهم ، الميئوس من سماعهم سماع فهم واعتبار تتبعه الاستجابة لداعي الإيمان ، أي : والذين لا ترجى استجابتهم لأنهم كالموتى لا يسمعون السماع النافع - يترك أمرهم إلى الله فهو يبعثهم بعد موتهم ، ثم يرجعون إليه فيجازيهم على كفرهم وأعمالهم ، ولا يضرك أيها الرسول كفرهم ، وليس في استطاعتك هدايتهم ، فالواجب عليك أن تفوض إلى الله أمرهم ، وقيل : إن لفظ الموتى [ ص: 323 ] على حقيقته ، وأن الكلام تمثيل وتعريض بالإيماء إلى عدم قدرة الرسول على هدايتهم ، كما أنه لا يقدر على إحياء الموتى . وهو بعيد وفيه ما لا يخفى من التكليف .

                          ( وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه ) أي : وقال أولئك الظالمون لأنفسهم الذين يجحدون بآيات ربهم ويعاندون رسوله إليهم : هلا أنزل عليه - أي الرسول - آية من ربه من الآيات المخالفة لسننه تعالى في خلقه ، مما اقترحنا عليه ، وجعلناه شرطا لإيماننا به ؟ وقيل : إن مرادهم آية ملجئة إلى الإيمان ، والإلجاء اضطرار لا اختيار ، فلا يوجه إليه الطلب ولا يعتد به إن حصل ( قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ) أي : قل أيها الرسول : إن الله تعالى قادر على تنزيل آية مما اقترحوا ، وإنما ينزلها إذا اقتضت حكمته تنزيلها ، لا إذا تعلقت شهوتهم بتعجيز الرسول بطلبها ، فإن إجابة المعاندين إلى الآيات المقترحة لم يكن في أمة من الأمم سببا للهداية ، وقد مضت سنته تعالى في الأقوام ، بأن يعاقب المعجزين للرسل بذلك بعذاب الاستئصال ، فتنزيل آية مقترحة لا يكون خيرا لهم ، بل هو شر لهم ، ولكن أكثرهم لا يعلمون شيئا من حكم الله تعالى في أفعاله ، ولا من سننه في خلقه ، ولا أنك أرسلت رحمة للعالمين ، فلا يأتي على يديك سبب استئصال أمتك بإجابة المعاندين منها إلى ما اقترحوا عليك لإظهار عجزك ، ولا يعلمون أيضا أن إجابة اقتراح واحد يؤدي إلى اقتراحات كثيرة لا حد لها ، ولا فائدة منها . وقد يعلم أفراد منهم بعض ذلك علما ناقصا لا يهدي إلى الاعتبار ، ولا يصد صاحبه عن مثل هذا الاقتراح ، ومن قال : إنهم اقترحوا آية ملجئة يقول : ولكن أكثرهم لا يعلمون أن تنزيلها يزيل الاختيار الذي هو أساس التكليف فلا يبقى لدعوة الرسالة فائدة .

                          قرأ ابن كثير ( ينزل ) بالتخفيف من الإنزال ، والباقون بالتشديد من التنزيل الدال بصيغته على التدريج أو التكثير ، وقال المفسرون : إن معناهما هاهنا واحد ، والذي نراه هو أن كل صيغة منهما على أصل معناها ، وأن الجمع بينهما لبيان أن بعضهم اقترح آية واحدة تنزل دفعة واحدة كنزول ملك من السماء عليهم أو عليه ، وهو المشار إليه بقراءة ابن كثير ، وبعضهم اقترح عدة آيات منها ما لا يكون إلا بالتدريج وهي المشار إليها بقراءة الجمهور ، ولا ينافي إفراد الآية هنا طلب بعضهم لعدة آيات ; إذ المراد بها آية مما اقترحوا ، وقد صرح لفظ الجمع في آية العنكبوت الواردة بمعنى هذه الآية ، وسيأتي نصها قريبا .

                          هذا وإن بعض الكفار وبعض الشاكين والمشككين في الإسلام يقولون : لو أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - أوتي آية بينة ومعجزة واضحة تدل على نبوته ورسالته لما طلب قومه الآية ، وإن هذا الجواب بقدرة الله على تنزيل الآية ونفي العلم عن أكثرهم لا تقوم به الحجة عليهم المبطلة لحقية طلبهم ، وإليك الجواب عن هذه الشبهة :

                          [ ص: 324 ] إن الآية الكبرى لخاتم الرسل - صلى الله عليه وسلم - على نبوته هي القرآن ، وإنها لآية مشتملة على آيات كثيرة ، وقد احتج عليهم به وتحداهم بسورة من مثله فعجزوا ، واحتج عليهم أيضا ببعض ما اشتمل عليه من الآيات كأخبار الغيب . ومما نزل في ذلك قبل " سورة الأنعام " فاكتفى فيها بالإحالة عليه قوله تعالى في " سورة العنكبوت " : ( وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون ) ( 29 : 47 - 51 ) فالقرآن في جملته آية علمية ، وفي تفصيله آيات كثيرة عقلية وكونية ، وهي دائمة لا تزول كما زالت الآيات الكونية كعصا موسى مثلا ، عامة لا تختص ببعض من كان في عصر الرسول كما كانت آية موسى الكبرى خاصة بمن رآها في عصره ، وهي أدل على الرسالة من الآيات الكونية ; لأن موضوع الرسالة علمي ، فهو علم موحى به غير مكسوب يقصد به هداية الخلق إلى الحق ، فظهور علوم الهداية على لسان أمي كان هو وقومه أبعد الناس عن كل علم بعبارة أعجزت ببلاغتها قومه كما أعجزت غيرهم - على أنه لم يكن من قبل معدودا من بلغائهم - أدل على كون ذلك موحى به من الله عز وجل من عصا موسى على كون ما جاء به من التوراة موحى به منه تعالى ، وهي غير معجزة في نفسها ، وقد نشأ من جاء بها في دار ملك أربى على سائر ممالك الأرض بالعلوم والشرائع .

                          فالآية العلمية القطعية لا يمكن المراء فيها كالمراء في الآية الكونية التي هي أمر غريب غير معتاد يشتبه بكثير من الأمور النادرة التي لها أسباب خفية كالسحر وغيره ; ولذلك اختلف علماء المعقول في دلالة المعجزة على النبوة ، هل هي عقلية أو عادية أو وضعية ؟ وقد جاء في الفصل الثالث عشر من سفر تثنية الاشتراع أن من أتى بآية أو أعجوبة من نبي أو حالم وأمر بعبادة غير الله تعالى لا يسمع له ، بل يجب قتله ؛ لأنه تكلم بالزيغ . فالآيات الكونية إذا لا تدل على صدق كل من تظهر على يديه ، بل تختلف دلالتها باختلاف أحوال من تظهر على أيديهم ، وبذلك يقول كثير من المتكلمين .

                          وأما طلبهم للآية والآيات مع وجود هذه الآيات البينات ، فسببه محاولة تعجيز الرسول لا كونه هو الدليل الذي يرونه موصلا إلى المدلول ، وقد قال تعالى لرسوله في هذه السورة : ( ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ) ( 7 ) وقال في أول " سورة القمر " : ( وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ) ( 54 : 2 ) [ ص: 325 ] وأكثرهم يقول مثل هذا في كل آية كونية عن اعتقاد ، وأما قول بعضهم : إن القرآن سحر يؤثر فقد كان عن تضليل وعناد ، على أن الله تعالى قد أيد رسوله بآيات أخرى غير الآيات التي اقترحها الجاحدون المعاندون ازداد بها المؤمنون إيمانا ، والجاحدون عنادا وطغيانا ، وقد سبق لنا بحث في هذه المسألة من قبل وسيجيء ما يقتضي العودة إليها بعد .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية