الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين

فمن الحوادث فيها هزيمة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بدير الجماجم


وذلك أن عبد الرحمن نزل دير الجماجم ، وهو دير بظاهر الكوفة على طرف البر الذي يسلك منه إلى البصرة ، وإنما سمي بدير الجماجم لأنه كان بين إياد والقين حروب فقتل من أياد والقين خلق كثير ودفنوا ، فكان الناس يحفرون فتظهر لهم جماجم فسمي دير الجماجم ، وذلك اليوم بيوم الجماجم .

ونزل الحجاج دير قرة - وهو مما يلي الكوفة بإزاء دير الجماجم - فقال الحجاج:

[ما اسم هذا الموضع الذي نزل فيه ابن الأشعث؟ قيل له: دير الجماجم] ، فقال الحجاج: يقال هو بدير الجماجم فتكثر جماجم أصحابه عنده ، ونحن بدير قرة ملكنا البلاد ، واستقررنا فيها .

واتصلت الحرب بينهما مائة يوم كان فيها إحدى وثمانون وقعة ، وكان يحمل بعضهم على بعض ، فحمل أهل الشام مرة بعد مرة ، فنادى عبد الرحمن بن أبي ليلى: يا معشر القراء ، إن الفرار ليس بأحد من الناس بأقبح منه بكم ، إني سمعت عليا عليه السلام يقول يوم لقينا أهل الشام: أيها المؤمنون ، إنه من رأى عدوانا يعمل به ومنكرا يدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ ، ومن أنكره بلسانه فقد أجر وهو أفضل من صاحبه ، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي أصاب سبيل [ ص: 245 ] الهدى ونور قلبه باليقين فقاتلوا هؤلاء المحلين المحدثين المبتدعين الذين قد جهلوا الحق ولا يعرفونه ، وعملوا بالعدوان فليس ينكرونه . وقال أبو البختري : أيها الناس قاتلوهم على دينكم ودنياكم ، فو الله لئن ظهروا عليكم ليفسدن عليكم دينكم ، وليغلبن على دنياكم .

وقال الشعبي : يا أهل الإسلام قاتلوهم ولا يأخذكم حرج من قتالهم ، فو الله ما أعلم قوما على بسيط الأرض أعمل بظلم ولا أجور منهم في الحكم .

[وقال سعيد بن جبير: قاتلوهم ولا تأثموا من قتالهم بنية ويقين ، قاتلوهم على جورهم في الحكم] وتجبرهم في الدين واستذلالهم الضعفاء ، وإماتتهم الصلاة .

فحمل أصحاب عبد الرحمن على القوم حتى أزالوهم عن صفهم ، ثم عادوا فإذا جبلة بن زحر بن قيس الجعفي الذي كان على الرجالة صريع ، فانكسر القراء ، وحمل رأسه إلى الحجاج ، فقال: يا أهل الشام ، أبشروا هذا أول الفتح ، وما زالوا يقتتلون ويتبارز الرجل والرجل مائة يوم .

ثم إن أصحاب عبد الرحمن انهزموا في بعض الأيام ، وأخذوا في كل وجه ، وصعد عبد الرحمن المنبر ، وأخذ ينادي الناس: [عباد الله إلي إلي عباد الله ، إلي أنا ابن محمد] . وجاء إلى جماعة من أصحابه ، فأقبل أهل الشام فحملوا عليهم وهو على المنبر ، فقال له عبد الله بن يزيد الأزدي: انزل فإني أخاف عليك أن تؤسر ، ولعلك إن انصرفت أن تجمع لهم جمعا يهلكهم الله به بعد اليوم . وحضر مع القوم سلمة بن كهيل ، وعطاء السلمي ، والمعرور بن سويد ، وطلحة بن مصرف .

ورأى طلحة رجلا يضحك فقال له: أما إنك تضحك ضحك من لم يحضر الجماجم ، فقيل له: وشهدت الجماجم؟ ، فقال: نعم ورميت فيها بسهم وليت يدي قطعت ولم أرم فيها . [ ص: 246 ]

ثم إنه نزل من على المنبر وانهزم أهل العراق لا يلوون على شيء ، ومضى عبد الرحمن في أناس من أهل بيته إلى منزله ، فخرجت إليه ابنته فالتزمها ، وخرج أهله يبكون ، فأوصاهم بوصية ، وقال: لا تبكوا ، فكم عسيت أن أبقى معكم ، وإن الذي يرزقكم حي ، ثم ودعهم وخرج من الكوفة ، فقال الحجاج: لا تتبعوهم ، ومن رجع فهو آمن .

وجاء الحجاج إلى الكوفة فدخلها ، فجاء الناس إليه ، فكان لا يبايعه أحد إلا قال: أتشهد أنك كفرت ، فإذا قال نعم بايعه وإلا قتله ، فجاء رجل من خثعم فقال له: أتشهد أنك كافر؟ فقال: بئس الرجل أنا إن كنت عبدت الله -عز وجل- ثمانين سنة ثم أشهد على نفسي بالكفر ، قال: إذا أقتلك ، قال: وإن قتلتني فو الله ما بقي من عمري ظمء حمار ، وإني لأنتظر الموت صباحا ومساء ، فقال: اضربوا عنقه ، فضربت عنقه .

ودعا بكميل بن زياد فقتله ، وأتي برجل فقال الحجاج: إني أرى رجلا ما أظنه يشهد على نفسه بالكفر ، فقال: أخادعي أنت عن نفسي ، أنا أكفر أهل الأرض ، وأكفر من فرعون ذي الأوتاد ، فضحك الحجاج وخلى سبيله .

وأقام الحجاج بالكوفة شهرا .

التالي السابق


الخدمات العلمية