الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث التاسع عشر إن عطس فشمته ثم إن عطس فشمته

1799 [ ص: 325 ] حديث تاسع عشر لعبد الله بن أبي بكر مرسل

مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : : إن عطس فشمته ، ثم إن عطس فشمته ، ثم إن عطس فشمته ، ثم إن عطس فقل : إنك مضنوك ، قال عبد الله بن أبي بكر : لا أدري أبعد الثلاثة ، أو الأربعة .

التالي السابق


قال أبو عمر : لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث ، وهو حديث يتصل عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ، منها حديث سلمة بن الأكوع وحديث أبي هريرة .

أخبرنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا محمد بن وضاح ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا زيد بن الحباب ، عن عكرمة بن عمار ، أخبرنا إياس بن سلمة [ ص: 326 ] بن الأكوع ، عن أبيه أن رجلا عطس عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : رحمك الله ثم عطس الثانية ، فقال : هو مزكوم هكذا قال زيد بن الحباب ، عن عكرمة بن عمار أن الثانية قال له فيها : هو مزكوم ، وتابعه على هذا المعنى ابن أبي زائدة ، عن عكرمة بن عمار .

وحدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود ، حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا ابن أبي زائدة ، عن عكرمة بن عمار ، عن إياس بن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه أن رجلا عطس عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له : يرحمك الله ، ثم عطس ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : الرجل مزكوم ورواه القطان ، عن عكرمة بن عمار ، فذكر أن ذلك إنما قاله في الثالثة .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا محمد بن عبد السلام ، حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عكرمة بن عمار ، حدثنا إياس بن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه ، قال : عطس رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فشمته ، ثم عطس فشمته ، ثم عطس ، فقال له في الثالثة : إنك مزكوم .

[ ص: 327 ] وأخبرنا عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود ، حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى ، عن ابن عجلان ، حدثني سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي هريرة . وحدثنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا محمد بن عبد السلام ، حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن مسعدة ، أخبرنا ابن عجلان ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، قال : شمت أخاك ثلاثا فما زاد فهو زكام . هكذا أوقفه يحيى القطان وحماد بن مسعدة على أبي هريرة ، ورفعه الليث بن سعد على الشك .

حدثناه أحمد بن محمد ، ومحمد بن الحكم ، ومحمد بن محمد بن موسى بن نصير وخلف بن أحمد ، قالوا : حدثنا أحمد بن مطرف ، حدثنا عبيد الله بن يحيى ، حدثني أبي يحيى بن يحيى ، عن الليث بن سعد . وأخبرنا عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود ، حدثني عيسى بن حماد المصري ، حدثنا الليث بن سعد ، عن ابن عجلان ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي هريرة ، قال : لا أعلم إلا أنه رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يشمت المسلم إذا عطس ثلاث مرات ، فإذا زاد فهو زكام " . وقد روي حديث ابن عجلان هذا عن ابن عجلان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 328 ] وأخبرنا عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود ، حدثنا هارون بن عبد الله ، حدثنا مالك بن إسماعيل ، حدثنا عبد السلام بن حرب ، عن يزيد بن عبد الرحمن ، عن يحيى بن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أمه حميدة ، أو عبيدة بنت عبيد بن رفاعة الزرقي ، عن أبيها ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : شمت العاطس ثلاثا ، وإن شئت بعد فشمته ، وإن شئت فاتركه .

قال أبو عمر : في حديث سلمة بن الأكوع أن يشمت مرة ، أو مرتين ، ويقال له في الثالثة : إنه مزكوم ، أو هذا زكام ، وفي حديث أبي هريرة وحديث الزرقي أنه يشمت ثلاثا ، ويقال له ذلك في الرابعة ، وهي زيادة يجب قبولها ، والقول بها أولى وبالله توفيقنا .

وأحسن ما روي في كيفية تشميت العاطس حديث من حديث أهل المدينة وحديث آخر من رواية أهل الكوفة ، فأما حديث أهل المدينة فحدثناه أحمد بن فتح بن عبد الله ، حدثنا حمزة بن محمد ، حدثنا عمران بن موسى بن حميد ، [ ص: 329 ] حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، حدثنا الليث بن سعد ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ، عن عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله ، وإذا قال الحمد لله فليقل له أخوه يرحمك الله ، فإذا قيل له ذلك فليقل يهديكم الله ويصلح بالكم .

وأخبرناه عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بكر ، أخبرنا أبو داود ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا عبد العزيز ، يعني ابن عبد الله بن أبي سلمة ، عن عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله على كل حال ، وليقل أخوه وصاحبه : يرحمك الله ، ويقول هو : يهديكم الله ويصلح بالكم .

وروي من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، حدثناه عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا ابن وضاح ، حدثنا منصور بن أبي مزاحم ، حدثنا أبو معشر ، عن عبد الله بن يحيى ، عن عمرة ، عن عائشة ، قالت : عطس عاطس عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما أقول يا رسول الله ؟ قال : قل الحمد لله قال [ ص: 330 ] القوم : ما نقول له يا رسول الله ؟ قال : قولوا يرحمك الله قال : ما أقول لهم يا رسول الله ، قال : قل يهديكم الله ويصلح بالكم .

وأما حديث الكوفيين فأخبرناه عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن هلال بن يساف ، قال : كان سالم بن عبيد جالسا فعطس رجل من القوم ، فقال : السلام عليكم ، فقال : السلام عليك وعلى أمك ، ثم قال : لعلك وجدت مما قلت لك ، قال : لوددت أنك لم تذكر أمي بخير ولا بشر قال : إنما قلت لك كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم ، فقال : السلام عليكم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وعليك ، وعلى أمك ثم قال : إذا عطس أحدكم فليحمد الله قال : فذكر بعض المحامد ، وليقل له من عنده يرحمك الله ، وليرد - يعني عليهم - يغفر الله لنا ولكم .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا أحمد بن زهير ، حدثنا يحيى بن عبد الحميد ، حدثنا [ ص: 331 ] أبو عوانة ، عن منصور ، عن هلال بن يساف ، عن رجل فيهم ، عن سالم بن عبيد ، قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فعطس رجل من القوم ، فقال : السلام عليكم ، فقال النبي - عليه السلام - : عليك ، وعلى أمك ثم قال : إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله رب العالمين ، أو الحمد لله على كل حال ، وليقل له من عنده يرحمك الله ، وليرد عليه يغفر الله لي ، ولكم .

وأخبرنا عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود ، حدثنا تميم بن المنتصر الواسطي ، حدثنا إسحاق بن يوسف ، عن أبي بشر ورقاء ، عن منصور ، عن هلال بن يساف ، عن خالد بن عرفجة ، عن سالم بن عبيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث .

وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي ، حدثني أبي ، حدثنا جعفر بن سليمان ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي عبد الرحمن ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله رب العالمين ، وليقل له : يرحمك الله ، وليقل : يغفر الله لنا ، ولكم .

[ ص: 332 ] قال أبو عمر : على هذا الناس في تشميت العاطس : قول يرحمك الله ، واختلفوا في كيفية رده ، فقال مالك : لا بأس أن يقول : يهديكم الله ويصلح بالكم ، أو يغفر الله لكم ، كل ذلك جائز ، وهو قول الشافعي ، قال : أي ذلك قال فحسن ، وقال أصحاب أبي حنيفة : يقول : يغفر الله لكم ، ولا يقول : يهديكم الله ويصلح بالكم .

وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال : يهديكم الله ويصلح بالكم شيء قالته الخوارج ، لأنهم لا يستغفرون للناس . واختار الطحاوي قول يهديكم الله ويصلح بالكم ; لأنها أحسن من تحيته ، قال : وحال من هدي وأصلح باله فوق المغفور له .

وروى مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر من قوله مثله .

وأما تشميت أهل الذمة ، ففيه حديث حكيم بن الديلم ، حدثنا خلف بن قاسم ، حدثنا أحمد بن محمد المكي ، حدثنا علي بن عبد العزيز ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن حكيم بن الديلم ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، قال : كان اليهود يتعاطسون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 333 ] رجاء أن يقول : يرحمكم الله ، فكان يقول : يهديكم الله ويصلح بالكم . انفرد به حكيم بن الديلم ، وهو عندهم ثقة مأمون .

وأما العاطس إذا لم يحمد الله فلا يجب تشميته ، أخبرنا عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود ، حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا زهير ، قال : أبو داود . وحدثنا محمد بن كثير ، أخبرنا سفيان المعنى ، قالا : حدثنا سليمان التيمي ، عن أنس ، قال : عطس رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فشمت أحدهما وترك الآخر ، فقيل : يا رسول الله رجلان عطسا فشمت أحدهما ، قال أحمد : أو فسمت أحدهما وتركت الآخر ، فقال : إن هذا حمد الله ، وإن هذا لم يحمد الله .

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، وسعيد بن نصر ، قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا ابن وضاح ، حدثنا أبو خيثمة مصعب بن سعيد ، حدثنا زهير بن معاوية ، عن التيمي ، عن أنس ، قال : عطس رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فشمت أحدهما ، ولم يشمت الآخر ، فقالوا : يا رسول الله شمت هذا ، ولم تشمت هذا ، قال : لأن هذا حمد الله ، وهذا لم يحمده .

[ ص: 334 ] حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، وسعيد بن نصر ، قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا محمد بن وضاح ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا قاسم بن مالك ، عن عاصم بن كليب ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه ، وإذا لم يحمد الله فلا تشمتوه .

قال أبو عمر : شمت وسمت لغتان معروفتان عند أهل العلم يختلفون في ذلك ، قال الخليل بن أحمد التسميت لغة في تشميت العاطس .

وروي عن ثعلب أنه سئل عن معنى التشميت ، والتسميت ، فقال : أما التشميت فمعناه أبعد الله عنك الشماتة وجنبك ما يشمت به عليك . وأما التسميت فمعناه جعلك الله على سمت حسن ونحو هذا .

قال أبو عمر : وهذا كله إنما ينويه الداعي له بصلاح الحال ، والغفران ، والرحمة على ما جاء في سنة التشميت مما قد ذكرنا في هذا الباب ، والحمد لله .

ومن أدب العطاس أن يضع العاطس يده على فيه ، ويخفض بالعطسة صوته ، ويقول : الحمد لله على كل حال .

[ ص: 335 ] أخبرنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا مضر بن محمد ، حدثنا عبد العزيز بن مقلاص ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني إدريس بن يحيى الخولاني ، أخبرني عبد الله بن عياش ، عن ابن هرمز ، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا عطس أحدكم فليضع كفه على وجهه ، وليخفض صوته .

وحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود ، حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى ، عن ابن عجلان ، عن سمي ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عطس وضع يده ، أو ثوبه على فيه ، وخفض ، أو غض بها صوته . شك يحيى .

واختلف الفقهاء في وجوب تشميت العاطس ، فذهب قوم إلى أن ذلك ندب لا إيجاب ، وأوجبه آخرون على الكفاية كرد السلام سواء ، وقد مضى القول في رد السلام في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا ، وقال أهل الظاهر : ذلك [ ص: 336 ] واجب متعين على كل أحد .

والأصل في هذا الباب ما حدثناه عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود ، حدثنا محمد بن داود بن سفيان ، وخشيش بن أصرم ، قالا : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : للمسلم على أخيه : رد السلام ، وتشميت العاطس ، وإجابة الدعوة ، وعيادة المريض ، واتباع الجنائز .

وقد تكلمنا على ما يجب من الفروض على الكفاية في صدر كتابنا : كتاب جامع بيان العلم وفضله ، وما ينبغي في روايته وحمله فأغنى ذلك على إعادته هاهنا .

حدثنا خلف بن القاسم ، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن الحداد ، حدثنا زكرياء بن يحيى السجزي ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد ، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي ، عن الحسن بن صالح ، عن سماك بن حرب ، عن [ ص: 337 ] عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه ، وإن كان مجوسيا ، فإن الله يقول : وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها .

وأما تشميت العاطس في الخطبة فسيأتي في باب أبي الزناد من كتابنا هذا عند ذكر قوله صلى الله عليه وسلم : إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة ، والإمام يخطب : أنصت ، فقد لغوت , إن شاء الله .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث