الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الحادي والعشرون إن الرجل يسألني ما لا يصلح لي ولا له

1887 [ ص: 383 ] حديث حادي عشرين لعبد الله بن أبي بكر , مرسل

مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا من بني عبد الأشهل على الصدقة ، فلما قدم سأله إبلا من إبل الصدقة فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف الغضب في وجهه ، وكان مما يعرف به الغضب في وجهه أن تحمر عيناه ، ثم قال : إن الرجل يسألني ما لا يصلح لي ، ولا له ، فإن منعته كرهت المنع ، وإن أعطيته أعطيته ما لا يصلح لي ، ولا له ، فقال الرجل : يا رسول الله لا أسألك منها شيئا أبدا .

التالي السابق


هكذا روى هذا الحديث جماعة الرواة فيما علمت عن مالك مرسلا ، عن عبد الله بن أبي بكر . ورواه أحمد بن منصور التلي ، عن مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن أنس ، حدثناه خلف بن القاسم ، حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمود بن أحمد بن خليد الشماع ، حدثنا أبو شعيب عبد الله بن [ ص: 384 ] الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني ، حدثنا أحمد بن منصور التلي ، حدثنا مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا من بني عبد الأشهل على الصدقة ، فلما قدم سأله بعيرا من الصدقة فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف الغضب في وجهه . هكذا حدثنا لم يزد .

قال أبو عمر : أما استعمال رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقات أصحابه من بني عبد الأشهل ، وهم من الأنصار ، ومن الأزد ، وغيرهم فمعروف مشهور في الآثار ، والسير .

وأما قوله في هذا الحديث : فلما قدم سأله إبلا من إبل الصدقة ، فهذا عندي يحتمل أن يكون سأله من إبل الصدقة شيئا زائدا على قدر عمالته لا يستحقه بها ، وكأنه أدلى بعمالته وظن أنه سيزيده على ما يجب له من سهمه أو أجره ، فغضب لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سأله ما لا يصلح ، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغضب إذا رأى ما لا يصلح ، أو سمع به ، وكان في غضبه لا يتعدى ما حد له ربه عز وجل ، ولا يزيد على أن تحمر وجنتاه ، وعيناه إلا أن يكون حدا لله [ ص: 385 ] فيقوم لله به صلى الله عليه وسلم ، ولا يجوز أن يحمل أحد هذا الحديث على أن العامل على الصدقات سأله ما يجب له من سهمه وحقه في العمل عليها فمنعه وغضب لذلك . هذا ما لا يحل لأحد أن يظنه ; لأن الله عز وجل قد جعل في الصدقات للعاملين عليها حقا واجبا .

وقد اختلف العلماء في ذلك الحق ما هو ؟ فذهب منهم طائفة إلى أن ذلك سهم من ثمانية أسهم ، وأن الصدقات مقسومة على ثمانية أسهم منها للعاملين عليها سهم ، وممن ذهب إلى هذا جماعة ، منهم : الشافعي في أحد قوليه ، وقال آخرون : إنما للعامل عليها قدر عمالته ، قد يكون ثمنا ويكون أقل ويكون أكثر ، ومن ذهب إلى هذا مالك بن أنس ، وأبو حنيفة ، وأبو ثور ، وقال آخرون : له أجره في ذلك بقدر سعيه ، ولا يزاد على الثمن .

وروى سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة أنه قال : تقسم الصدقة على الأسهم الثمانية بالسوية . وعن أبي جعفر محمد بن علي مثله ، وبه قال الشافعي ، وأصحابه ، وهو قول عكرمة أيضا ، وقد قال الشافعي في العاملين على الصدقات : إنهم يعطون منها بقدر أجور أمثالهم ، وهو المشهور عن الشافعي .

وروى الأخضر بن عجلان ، عن رجل قد سماه ، قال : سألت عبد الله بن عمرو : ما للعاملين على الصدقة ؟ قال : بقدر عمالتهم ، وقال أبو حنيفة : يعطى العامل ما [ ص: 386 ] يسعه ويسع أعوانه ، قال : ولا أعرف الثمن ، وقال مالك : ليس للعامل على الصدقة فريضة مسماة ، وإنما ذلك إلى الإمام يجتهد في ذلك .

وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، ومالك ، وأصحابه : ليس قسم الصدقات على أهل السهمان كالميراث ، ولكن الوالي يقسمها على ما يرى من حاجتهم ويؤثر أهل الحاجة والعذر حيث كانوا ، قال مالك : وعسى أن تنتقل الحاجة إلى الصنف الآخر بعد عام ، أو عامين ، فيؤثر أهل الحاجة والعذر حيث كانوا ، وقال محمد بن الحسن : يعطي الإمام للعاملين عمالتهم بما يرى .

وذكر أبو عبيد أن قول الثوري في هذه المسألة كقول مالك ، وبه قال أبو عبيد ، وقال الزهري في قول الله عز وجل : والعاملين عليها هم السعاة ، وقال قتادة : هم جباتها الذين يجبونها ، وقال الشافعي : هم المتولون لقبضها .

قرأت على أبي القاسم خلف بن القاسم - رحمه الله - أن إبراهيم بن محمد الديبلي حدثهم بمكة ، قال : حدثنا محمد بن علي بن زيد الصائغ ، حدثنا محمد بن بكار العيشي ، حدثنا محمد بن سواء ، حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أبي السوار ، عن عمران بن حصين ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها .

[ ص: 387 ] قال عمران : وكان إذا كره الشيء عرف في وجهه .

حدثنا سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان قراءة مني عليهما ، قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا إسماعيل بن إسحاق ، حدثنا الحوضي وسليمان بن حرب ، حدثنا شعبة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن زيد بن عقبة الفزاري ، قال : سمعت سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه وقال سليمان : " يكدح بها الرجل نفسه ، فمن شاء أبقى على وجهه ، أو نفسه ، ومن شاء ترك إلا أن يسأل ذا سلطان ، أو ينزل به أمر لا يجد منه بدا " . رواه ابن أبي شيبة ، عن وكيع ، عن الثوري ، عن عبد الملك بن عمير ، عن يزيد بن عقبة ، عن سمرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا قال يزيد بن عقبة ، وقال [ ص: 388 ] شعبة : زيد بن عقبة ، وصوابه زيد بن عقبة ، وأخشى أن يكون يزيد صحف على ابن أبي شيبة ، وقد ذكرنا ما يجوز فيه السؤال ، ولمن يجوز ، ومن يجوز له أخذ الصدقة من الأغنياء ، وغيرهم في باب زيد بن أسلم من كتابنا هذا ، فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث