الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الثاني والعشرون أن أبا طلحة الأنصاري كان يصلي في حائط له فطار دبسي فطفق يتردد يلتمس مخرجا

222 [ ص: 389 ] حديث ثاني عشرين لعبد الله بن أبي بكر , مقطوع

مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر أن أبا طلحة الأنصاري كان يصلي في حائط له فطار دبسي فطفق يتردد يلتمس مخرجا فأعجبه ذلك فجعل يتبعه بصره ساعة ، ثم رجع إلى صلاته ، فإذا هو لا يدري كم صلى ، فقال : لقد أصابني في مالي هذا فتنة ، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له الذي أصابه في حائطه من الفتنة ، وقال : يا رسول الله هو صدقة لله فضعه حيث شئت .

التالي السابق


هذا الحديث لا أعلمه يروى من غير هذا الوجه ، وهو منقطع ، والأصل في هذا الباب أن من سها في صلاته فلم يدر كم صلى لشغل باله بما ينظر إليه ، أو يفكر فيه فليبن على يقينه على ما أحكمته السنة في حديث أبي سعيد الخدري ، وغيره ، عن النبي صلى الله عليه وسلم على حسب ما ذكرناه في موضعه من كتابنا هذا .

[ ص: 390 ] وفي هذا الحديث دليل على أن النظر إلى ما يشغل المصلي لا يفسد الصلاة إذا بنى فيها على ما يجب ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمره بإعادة ، والأصل في هذا الباب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى خميصة لها علم في الصلاة فشغله النظر إلى أعلامها فرماها عن نفسه ، وردها إلى أبي جهم ، ولم يذكر إعادة ، وهذا حديث ثابت عن عائشة من حديث ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، وهو عند مالك ، عن علقمة بن أبي علقمة ، عن أمه ، عن عائشة ، وسيأتي في بابه إن شاء الله .

ومن الدليل على ما ذكرنا وذهبنا إليه في هذا الباب ، ما حدثناه عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا بكر بن حماد ، حدثنا مسدد ، حدثنا عبد الوارث ، عن عبد العزيز ، عن أنس ، قال : كان قرام لعائشة قد سترت به جانب بيتها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أميطي عنا قرامك هذا ، فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي .

قال أبو عمر : ولم يذكر إعادة ، وقد روي من حديث عبد الله بن سلام ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا صلاة [ ص: 391 ] لملتفت ، وهو حديث ليس بالقوي ، ومن حديث عائشة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : الالتفات في الصلاة خلسة يختلسها الشيطان من صلاة العبد .

ومن حديث أنس قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا بني ، إياك والالتفات في الصلاة ، فإنها هلكة ، فإن كان ولا بد ، ففي النافلة وهذا يدل على أن الصلاة لا تفسد به ; لأن ما فسدت به النافلة فسدت به الفريضة إذا كان اجتنابه من فرائض الصلاة . على أن هذه الأحاديث كلها من أحاديث الشيوخ لا يحتج بمثلها .

وأصح ما في هذا الباب ما حدثناه عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خميصة لها أعلام ، فقال : شغلتني أعلام هذه اذهبوا إلى أبي جهم بن حذيفة وأتوني بأنبجانية ففي هذا [ ص: 392 ] الحديث أن أعلام الخميصة شغله النظر إليها صلى الله عليه وسلم ، ولم يذكر إعادة ، ولا استئنافا لصلاته ، ولا سجود سهو ، ولو كان شيء من ذلك واجبا لقاله صلى الله عليه وسلم ، ولما سكت عنه ، ولو قاله لنقل ، وكذلك لو فعله لنقل عنه كنقل سائر السنن .

وأخبرنا عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود ، حدثنا الربيع بن نافع أبو توبة ، حدثنا معاوية ، يعني ابن سلام ، عن زيد أنه سمع أبا سلام ، قال : حدثني السلولي ، وهو أبو كبشة ، عن سهل بن الحنظلية ، قال : ثوب بالصلاة ، يعني صلاة الصبح ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ، وهو يلتفت إلى الشعب ، يعني وكان أرسل فارسا إلى الشعب من الليل يحرس .

وأخبرنا محمد بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن معاوية ، حدثنا أحمد بن شعيب ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ، أخبرنا الفضل بن موسى ، أخبرنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند ، عن ثور بن زيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظ في صلاته يمينا وشمالا ، ولا يلوي عنقه خلف ظهره .

[ ص: 393 ] قال أبو عمر : في أحاديث هذا الباب كلها ، مسندها ومقطوعها - دليل على أن نظر المصلي من السنة فيه أن يكون أمامه ، وهو المعروف الذي لا تكلف فيه ، ولذلك قال مالك : يكون نظر المصلي أمام قبلته . وقال الثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، والحسن بن حي : يستحب أن يكون نظره إلى موضع سجوده ، وقال شريك القاضي : ينظر في القيام إلى موضع السجود ، وفي الركوع إلى موضع قدميه ، وفي السجود إلى أنفه ، وفي قعوده إلى حجره .

قال أبو عمر : هذا كله تحديد لم يثبت به أثر ، وليس بواجب في النظر ، ومن نظر إلى موضع سجوده كان أسلم له ، وأبعد من الاشتغال بغير صلاته إن شاء الله . وبالله التوفيق .

وأما قوله : لقد أصابتني في مالي فتنة ، فالفتن على وجوه ، فأما فتنة الرجل في أهله وماله فتكفيرها الصلاة والصدقة . كذلك قال حذيفة لعمر في الحديث الصحيح ، وصدقه عمر ، وقال : لست عن هذه أسألك ، وقال جماعة من فقهاء الحجاز والعراق : إن المعاصي كلها فتنة تكفرها الصلاة ، والصوم ما لم يواقع الكبائر . دليل ذلك قول الله عز وجل : إن الحسنات يذهبن السيئات نزلت في رجل أصاب من امرأة ما ليس [ ص: 394 ] بكبيرة ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : يا معشر التجار ، إن هذا البيع يشوبه الحلف ، والكذب ، فشوبوه بالصدقة وكل من فتن بشيء من المعاصي ، والشهوات المحظورة ، فهو مفتون إلا أنه إن ترك وأناب واستغفر وتاب غفر له مع أدائه لصلاته وزكاته وصومه ، وهذه صفات المذنبين ، وقد فتن الصالحون وابتلوا بالذنوب ، قال الله تعالى : إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ، وقال تعالى : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم الآية ، وقد يكون من هذا الباب من الفتنة ما هو أشد مما وصفنا ، وهو الإصرار على الذنب ، والإقامة عليه منه ، وإن لم يأته فنيته على تلك الحال ويحب أن تسمح نفسه بترك ما هو عليه من قبيح أفعاله ، وهو مع ذلك لا يقلع عنها ، فهذا وإن كان مصرا لم تأت منه توبة ، فهو مقر بالذنوب والتقصير ، يحب أن يختم الله له بخير فيغفر له هذا برجائه ، ولا يقطع عليه ، وليست فتنته بذلك تخرجه عن الإسلام ، وقال بعضهم : ولا هو ممن تنكت في قلبه نكتة سوداء غلبت عليه ، فلا يعرف معروفا ، ولا ينكر منكرا كما قال حذيفة في ذلك [ ص: 395 ] الحديث ; لأنه ينكر ما هو عليه ويود أنه تاب منه ، قالوا : وإنما ذلك في الأهواء المردية ، والبدع المحدثة التي تتخذ دينا وإيمانا ، ويشهد بها على الله تعديا وافتراء ، ولا يحب من فتن بها أن يقصر فيها ، ولا ينتقل عنها ، ويود أن لا يأتيه الموت إلا عليها ، فهذا أيضا مفتون مغرور متدرج ، قد أصابته فتنة زين له فيها سوء عمله ، يود أن يكون الناس كلهم مثله ، قالوا : فهذه الفتنة أشد من الفتنتين اللتين ذكرنا من فتن الذنوب ، ومن الفتن أيضا الكفر ، وقد سماه الله فتنة بقوله : والفتنة أشد من القتل وشرح هذه المعاني يطول . وبالله العصمة لا شريك له .

وأما النهس فطائر صغير مثل العصفور ، والدبسي طائر يشبه اليمامة ، وقيل : هو اليمامة نفسها ، وقوله : طفق يتردد كقوله : جعل يتردد . وفيه لغتان : طفق طفق يطفق ويطفق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث