الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب المن شفاء للعين

5381 حدثنا محمد بن المثنى حدثنا غندر حدثنا شعبة عن عبد الملك سمعت عمرو بن حريث قال سمعت سعيد بن زيد قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين قال شعبة وأخبرني الحكم بن عتيبة عن الحسن العرني عن عمرو بن حريث عن سعيد بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال شعبة لما حدثني به الحكم لم أنكره من حديث عبد الملك

التالي السابق


قوله : ( باب الجذام ) بضم الجيم وتخفيف المعجمة ، هو علة رديئة تحدث من انتشار المرة السوداء في البدن كله فتفسد مزاج الأعضاء ، وربما أفسد في آخره إيصالها حتى يتأكل . قال ابن سيده : سمي بذلك لتجذم الأصابع وتقطعها .

قوله : ( وقال عفان ) هو ابن مسلم الصفار ، وهو من شيوخ البخاري لكن أكثر ما يخرج عنه بواسطة ، وهو من المعلقات التي لم يصلها في موضع آخر ، وقد جزم أبو نعيم أنه أخرجه عنه بلا رواية ، وعلى طريقة ابن الصلاح يكون موصولا . وقد وصله أبو نعيم من طريق أبي داود الطيالسي وأبي قتيبة مسلم بن قتيبة كلاهما [ ص: 168 ] عن سليم بن حيان شيخ عفان فيه ، وأخرجه أيضا من طريق عمرو بن مرزوق عن سليم لكن موقوفا ولم يستخرجه الإسماعيلي . وقد وصله ابن خزيمة أيضا . وسليم بفتح أوله وكسر ثانيه ، وحيان بمهملة ثم تحتانية ثقيلة .

قوله : ( لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ) كذا جمع الأربعة في هذه الرواية ، ويأتي مثله سواء بعد عدة أبواب في " باب لا هامة " من طريق أبي صالح عن أبي هريرة ، ويأتي بعد خمسة أبواب من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة مثله لكن بدون قوله : ولا طيرة وأعاده بعد أبواب كثيرة بزيادة قصة ، وبعد عدة أبواب في " باب لا طيرة " من طريق عبيد الله بن عتبة عن أبي هريرة لا طيرة حسب ، وفي " باب لا عدوى " من طريق سنان بن أبي سنان عن أبي هريرة بلفظ لا عدوى حسب ، ولمسلم من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة بلفظ " لا عدوى ولا هامة ولا طيرة ، وأخرج مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مثل رواية أبي سلمة وزاد " ولا نوء " ويأتي في " باب لا عدوى " من حديث ابن عمر ، ومن حديث أنس لا عدوى ولا طيرة ، ولمسلم وابن حبان من طريق ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا بلفظ لا عدوى ولا صفر ولا غول وأخرج ابن حبان من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس مثل رواية سعيد بن ميناء وأبي صالح عن أبي هريرة وزاد فيه القصة التي في رواية أبي سلمة عن أبي هريرة ، وهو في ابن ماجه باختصار . فالحاصل من ذلك ستة أشياء : العدوى والطيرة والهامة والصفر والغول والنوء ، والأربعة الأول قد أفرد البخاري لكل واحد منها ترجمة فنذكر شرحها فيه وأما الغول فقال الجمهور : كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات ، وهي جنس من الشياطين تتراءى للناس وتتغول لهم تغولا أي تتلون تلونا فتضلهم عن الطريق فتهلكهم ، وقد كثر في كلامهم " غالته الغول " أي أهلكته أو أضلته ، فأبطل - صلى الله عليه وسلم - ذلك . وقيل : ليس المراد إبطال وجود الغيلان ، وإنما معناه إبطال ما كانت العرب تزعمه من تلون الغول بالصور المختلفة ، قالوا : والمعنى لا يستطيع الغول أن يضل أحدا . ويؤيده حديث " إذا تغولت الغيلان فنادوا بالأذان أي ادفعوا شرها بذكر الله . وفي حديث أبي أيوب عند قوله : " كانت لي سهوة فيها تمر ، فكانت الغول تجيء فتأكل منه " الحديث ، وأما النوء فقد تقدم القول فيه في كتاب الاستسقاء ، وكانوا يقولون " مطرنا بنوء كذا " فأبطل - صلى الله عليه وسلم - ذلك بأن المطر إنما يقع بإذن الله لا بفعل الكواكب ، وإن كانت العادة جرت بوقوع المطر في ذلك الوقت ، لكن بإرادة الله - تعالى - وتقديره ، لا صنع للكواكب في ذلك ، والله أعلم .

قوله ( وفر من المجذوم كما تفر من الأسد ) لم أقف عليه من حديث أبي هريرة إلا من هذا الوجه ، ومن وجه آخر عند أبي نعيم في الطب ، لكنه معلول . وأخرج ابن خزيمة في " كتاب التوكل " له شاهدا من حديث عائشة ولفظه لا عدوى ، وإذا رأيت المجذوم ففر منه كما تفر من الأسد وأخرج مسلم من حديث عمرو بن الشريد الثقفي عن أبيه قال : كان في وفد ثقيف رجل مجذوم ، فأرسل إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنا قد بايعناك ، فارجع قال عياض : اختلفت الآثار في المجذوم ، فجاء ما تقدم عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكل مع مجذوم وقال : ثقة بالله وتوكلا عليه قال فذهب عمر وجماعة من السلف إلى الأكل معه ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ . وممن قال بذلك عيسى بن دينار من المالكية ، قال : والصحيح الذي عليه الأكثر ويتعين المصير [ ص: 169 ] إليه أن لا نسخ ، بل يجب الجمع بين الحديثين وحمل الأمر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط ، والأكل معه على بيان الجواز ا هـ . هكذا اقتصر القاضي ومن تبعه على حكاية هذين القولين ، وحكى غيره قولا ثالثا وهو الترجيح ، وقد سلكه فريقان : أحدهما سلك ترجيح الأخبار الدالة على نفي العدوى وتزييف الأخبار الدالة على عكس ذلك مثل حديث الباب فأعلوه بالشذوذ ، وبأن عائشة أنكرت ذلك ، فأخرج الطبري عنها " أن امرأة سألتها عنه فقالت : ما قال ذلك ، ولكنه قال : لا عدوى ، وقال : فمن أعدى الأول ؟ قالت : وكان لي مولى به هذا الداء فكان يأكل في صحافي ويشرب في أقداحي وينام على فراشي " وبأن أبا هريرة تردد في هذا الحكم كما سيأتي بيانه فيؤخذ الحكم من رواية غيره ، وبأن الأخبار الواردة من رواية غيره في نفي العدوى كثيرة شهيرة بخلاف الأخبار المرخصة في ذلك ، ومثل حديث " لا تديموا النظر إلى المجذومين وقد أخرجه ابن ماجه وسنده ضعيف ، ومثل حديث عبد الله بن أبي أوفى رفعه " كلم المجذوم وبينك وبينه قيد رمحين أخرجه أبو نعيم في الطب بسند واه ، ومثل ما أخرجه الطبري من طريق معمر عن الزهري " أن عمر قال لمعيقيب : اجلس مني قيد رمح " ومن طريق خارجة بن زيد كان عمر يقول نحوه ، وهما أثران منقطعان ، وأما حديث الشريد الذي أخرجه مسلم فليس صريحا في أن ذلك بسبب الجذام ، والجواب عن ذلك أن طريق الترجيح لا يصار إليها إلا مع تعذر الجمع ، وهو ممكن ، فهو أولى . الفريق الثاني سلكوا في الترجيح عكس هذا المسلك ، فردوا حديث لا عدوى بأن أبا هريرة رجع عنه إما لشكه فيه وإما لثبوت عكسه عنده كما سيأتي إيضاحه في " باب لا عدوى " قالوا : والأخبار الدالة على الاجتناب أكثر مخارج وأكثر طرقا فالمصير إليها أولى ، قالوا : وأما حديث جابر " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيد مجذوم فوضعها في القصعة وقال : كل ثقة بالله وتوكلا عليه ففيه نظر ، وقد أخرجه الترمذي وبين الاختلاف فيه على راويه ورجح وقفه على عمر ، وعلى تقدير ثبوته فليس فيه أنه - صلى الله عليه وسلم - أكل معه ، وإنما فيه أنه وضع يده في القصعة ، قاله الكلاباذي في " معاني الأخبار " . والجواب أن طريق الجمع أولى كما تقدم ، وأيضا فحديث لا عدوى ثبت من غير طريق أبي هريرة فصح عن عائشة وابن عمر وسعد بن أبي وقاص وجابر وغيرهم ، فلا معنى لدعوى كونه معلولا ، والله أعلم . وفي طريق الجمع مسالك أخرى . أحدها : نفي العدوى جملة وحمل الأمر بالفرار من المجذوم على رعاية خاطر المجذوم ، لأنه إذا رأى الصحيح البدن السليم من الآفة تعظم مصيبته وتزداد حسرته ، ونحوه حديث لا تديموا النظر إلى المجذومين فإنه محمول على هذا المعنى ، ثانيها : حمل الخطاب بالنفي والإثبات على حالتين مختلفتين ، فحيث جاء لا عدوى كان المخاطب بذلك من قوي يقينه وصح توكله بحيث يستطيع أن يدفع عن نفسه اعتقاد العدوى ، كما يستطيع أن يدفع التطير الذي يقع في نفس كل أحد ، لكن القوي اليقين لا يتأثر به ، وهذا مثل ما تدفع قوة الطبيعة العلة فتبطلها ، وعلى هذا يحمل حديث جابر في أكل المجذوم من القصعة وسائر ما ورد من جنسه ، وحيث جاء فر من المجذوم كان المخاطب بذلك من ضعف يقينه ، ولم يتمكن من تمام التوكل فلا يكون له قوة على دفع اعتقاد العدوى ، فأريد بذلك سد باب اعتقاد العدوى عنه بأن لا يباشر ما يكون سببا لإثباتها . وقريب من هذا كراهيته - صلى الله عليه وسلم - الكي مع إذنه فيه كما تقدم تقريره ، وقد فعل هو - صلى الله عليه وسلم - كلا من الأمرين ليتأسى به كل من الطائفتين . ثالث المسالك : قال القاضي أبو بكر الباقلاني : إثبات العدوى في الجذام ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى ، قال : فيكون معني قوله : لا عدوى [ ص: 170 ] أي إلا من الجذام والبرص والجرب مثلا ، قال : فكأنه قال لا يعدي شيء شيئا إلا ما تقدم تبييني له أن فيه العدوى . وقد حكى ذلك ابن بطال . رابعها : أن الأمر بالفرار من المجذوم ليس من باب العدوى في شيء ، بل هو لأمر طبيعي وهو انتقال الداء من جسد لجسد بواسطة الملامسة والمخالطة وشم الرائحة ، ولذلك يقع في كثير من الأمراض في العادة انتقال الداء من المريض إلى الصحيح بكثرة المخالطة ، وهذه طريقة ابن قتيبة فقال : المجذوم تشتد رائحته حتى يسقم من أطال مجالسته ومحادثته ومضاجعته ، وكذا يقع كثيرا بالمرأة من الرجل وعكسه ، وينزع الولد إليه ، ولهذا يأمر الأطباء بترك مخالطة المجذوم لا على طريق العدوى بل على طريق التأثر بالرائحة لأنها تسقم من واظب اشتمامها ، قال : ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - :لا يورد ممرض على مصح لأن الجرب الرطب قد يكون بالبعير ، فإذا خالط الإبل أو حككها وأوى إلى مباركها وصل إليها بالماء الذي يسيل منه ، وكذا بالنظر نحو ما به . قال : وأما قوله : " لا عدوى " فله معنى آخر ، وهو أن يقع المرض بمكان كالطاعون فيفر منه مخافة أن يصيبه ، لأن فيه نوعا من الفرار من قدر الله . المسلك الخامس : أن المراد بنفي العدوى أن شيئا لا يعدي بطبعه نفيا لما كانت الجاهلية تعتقده أن الأمراض تعدي بطبعها من غير إضافة إلى الله ، فأبطل النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتقادهم ذلك وأكل مع المجذوم ليبين لهم إن الله هو الذي يمرض ويشفي ، ونهاهم عن الدنو منه ليبين لهم أن هذا من الأسباب التي أجرى الله العادة بأنها تفضي إلى مسبباتها ، ففي نهيه إثبات الأسباب ، وفي فعله إشارة إلى أنها لا تستقل ، بل الله هو الذي إن شاء سلبها قواها فلا تؤثر شيئا ، وإن شاء أبقاها فأثرت ، ويحتمل أيضا أن يكون أكله - صلى الله عليه وسلم - مع المجذوم أنه كان به أمر يسير لا يعدي مثله في العادة ، إذ ليس الجذمى كلهم سواء ، ولا تحصل العدوى من جميعهم بل [1] لا يحصل منه في العادة عدوى أصلا كالذي أصابه شيء من ذلك ووقف فلم يعد بقية جسمه فلا يعدي . وعلى الاحتمال الأول جرى أكثر الشافعية ، قال البيهقي بعد أن أورد قول الشافعي ما نصه : الجذام والبرص يزعم أهل العلم بالطب والتجارب أنه يعدي الزوج كثيرا ، وهو داء مانع للجماع لا تكاد نفس أحد تطيب بمجامعة من هو به ولا نفس امرأة أن يجامعها من هو به ، وأما الولد فبين أنه إذا كان من ولده أجذم أو أبرص أنه قلما يسلم ، وإن سلم أدرك نسله . قال البيهقي : وأما ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا عدوى فهو على الوجه الذي كانوا يعتقدونه في الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله - تعالى - . وقد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح من به شيء من هذه العيوب سببا لحدوث ذلك ، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - : فر من المجذوم فرارك من الأسد وقال : لا يورد ممرض على مصح " وقال في الطاعون " من سمع به بأرض فلا يقدم عليه وكل ذلك بتقدير الله - تعالى - . وتبعه على ذلك ابن الصلاح في الجمع بين الحديثين ومن بعده وطائفة ممن قبله .

المسلك السادس : العمل بنفي العدوى أصلا ورأسا ، وحمل الأمر بالمجانبة على حسم المادة وسد الذريعة لئلا يحدث للمخالط شيء من ذلك فيظن أنه بسبب المخالطة فيثبت العدوى التي نفاها الشارع ، وإلى هذا القول ذهب أبو عبيد وتبعه جماعة فقال أبو عبيد : ليس في قوله : لا يورد ممرض على مصح إثبات العدوى ، بل لأن الصحاح لو مرضت بتقدير الله - تعالى - ربما وقع في نفس صاحبها أن ذلك من العدوى فيفتتن ويتشكك في ذلك ، فأمر باجتنابه . قال : وكان بعض الناس يذهب إلى أن الأمر بالاجتناب إنما هو للمخافة على الصحيح من ذوات العاهة ، قال : وهذا شر ما حمل عليه الحديث ، لأن فيه إثبات العدوى التي نفاها الشارع ، ولكن وجه الحديث عندي ما ذكرته . وأطنب ابن خزيمة في هذا في " كتاب التوكل " فإنه أورد حديث لا [ ص: 171 ] عدوى عن عدة من الصحابة وحديث لا لا يورد ممرض على مصح من حديث أبي هريرة وترجم للأول " التوكل على الله في نفي العدوى " وللثاني " ذكر خبر غلط في معناه بعض العلماء ، وأثبت العدوى التي نفاها النبي - صلى الله عليه وسلم - " ثم ترجم " الدليل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرد إثبات العدوى بهذا القول " فساق حديث أبي هريرة لا عدوى ، فقال أعرابي : فما بال الإبل يخالطها الأجرب فتجرب ؟ قال : فمن أعدى الأول ثم ذكر طرقه عن أبي هريرة ، ثم أخرجه من حديث ابن مسعود ، ثم ترجم " ذكر خبر روي في الأمر بالفرار من المجذوم قد يخطر لبعض الناس أن فيه إثبات العدوى وليس كذلك " وساق حديث " فر من المجذوم فرارك من الأسد من حديث أبي هريرة ومن حديث عائشة ، وحديث عمرو بن الشريد عن أبيه في أمر المجذوم بالرجوع ، وحديث ابن عباس لا تديموا النظر إلى المجذومين ثم قال : إنما أمرهم - صلى الله عليه وسلم - بالفرار من المجذوم كما نهاهم إن يورد الممرض على المصح شفقة عليهم ، وخشية أن يصيب بعض من يخالطه المجذوم الجذام ، والصحيح من الماشية الجرب فيسبق إلى بعض المسلمين أن ذلك من العدوى فيثبت العدوى التي نفاها - صلى الله عليه وسلم - فأمرهم بتجنب ذلك شفقة منه ورحمة ليسلموا من التصديق بإثبات العدوى ، وبين لهم أنه لا يعدي شيء شيئا . قال : ويؤيد هذا أكله - صلى الله عليه وسلم - مع المجذوم ثقة بالله وتوكلا عليه ، وساق حديث جابر في ذلك ثم قال : وأما نهيه عن إدامة النظر إلى المجذوم فيحتمل أن يكون لأن المجذوم يغتم ويكره إدمان الصحيح نظره إليه ، لأنه قل من يكون به داء إلا وهو يكره أن يطلع عليه ا هـ . وهذا الذي ذكره احتمالا سبقه إليه مالك ، فإنه سئل عن هذا الحديث فقال : ما سمعت فيه بكراهية ، وما أدري ما جاء من ذلك إلا مخافة أن يقع في نفس المؤمن شيء . وقال الطبري : الصواب عندنا القول بما صح به الخبر ، وأن لا عدوى ، وأنه لا يصيب نفسا إلا ما كتب عليها . وأما دنو عليل من صحيح فغير موجب انتقال العلة للصحيح ، إلا أنه لا ينبغي لذي صحة الدنو من صاحب العاهة التي يكرهها الناس ، لا لتحريم ذلك ، بل لخشية أن يظن الصحيح أنه لو نزل به ذلك الداء أنه من جهة دنوه من العليل فيقع فيما أبطله النبي - صلى الله عليه وسلم - من العدوى . قال : وليس في أمره بالفرار من المجذوم معارضة لأكله معه ، لأنه كان يأمر بالأمر على سبيل الإرشاد أحيانا وعلى سبيل الإباحة أخرى ، وإن كان أكثر الأوامر على الإلزام ، إنما كان يفعل ما نهى عنه أحيانا لبيان أن ذلك ليس حراما . وقد سلك الطحاوي في " معاني الآثار " مسلك ابن خزيمة فيما ذكره فأورد حديث لا يورد ممرض على مصح ثم قال : معناه أن المصح قد يصيبه ذلك المرض فيقول الذي أورده لو أني ما أوردته عليه لم يصبه من هذا المرض شيء ، والواقع أنه لو لم يورده لأصابه لكون الله - تعالى - قدره ، فنهى عن إيراده لهذه العلة التي لا يؤمن غالبا من وقوعها في قلب المرء ثم ساق الأحاديث في ذلك فأطنب ، وجمع بينها بنحو ما جمع به ابن خزيمة . ولذلك قال القرطبي في " المفهم " : إنما نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن إيراد الممرض على المصح مخافة الوقوع فيما وقع فيه أهل الجاهلية من اعتقاد العدوى ، أو مخافة تشويش النفوس وتأثير الأوهام ، وهو نحو قوله : فر من المجذوم فرارك من الأسد وإن كنا نعتقد أن الجذام لا يعدي ، لكنا نجد في أنفسنا نفرة وكراهية لمخالطته ، حتى لو أكره إنسان نفسه على القرب منه وعلى مجالسته لتأذت نفسه بذلك ، فحينئذ فالأولى للمؤمن أن لا يتعرض إلى ما يحتاج فيه إلى مجاهدة ، فيجتنب طرق الأوهام ، ويباعد أسباب الآلام ، مع أنه يعتقد أنه لا ينجي حذر من قدر ، والله أعلم . قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة : الأمر بالفرار من الأسد ليس للوجوب ، بل للشفقة ، لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان ينهى أمته عن كل ما فيه ضرر بأي وجه كان ، ويدلهم على كل ما فيه خير . وقد ذكر بعض أهل الطب أن الروائح تحدث في الأبدان خللا فكان هذا وجه الأمر بالمجانبة ، وقد أكل هو [ ص: 172 ] مع المجذوم ، فلو كان الأمر بمجانبته على الوجوب لما فعله . قال : ويمكن الجمع بين فعله وقوله بأن القول هو المشروع من أجل ضعف المخاطبين ، وفعله حقيقة الإيمان ، فمن فعل الأول أصاب السنة وهي أثر الحكمة ، ومن فعل الثاني كان أقوى يقينا لأن الأشياء كلها لا تأثير لها إلا بمقتضى إرادة الله - تعالى - وتقديره ، كما قال - تعالى - : وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله فمن كان قوي اليقين فله أن يتابعه - صلى الله عليه وسلم - في فعله ولا يضره شيء ، ومن وجد في نفسه ضعفا فليتبع أمره في الفرار لئلا يدخل بفعله في إلقاء نفسه إلى التهلكة . والحاصل أن الأمور التي يتوقع منها الضرر وقد أباحت الحكمة الربانية الحذر منها فلا ينبغي للضعفاء أن يقربوها وأما أصحاب الصدق واليقين فهم في ذلك بالخيار . قال : وفي الحديث أن الحكم للأكثر لأن الغالب من الناس هو الضعف ، فجاء الأمر بالفرار بحسب ذلك . واستدل بالأمر بالفرار من المجذوم لإثبات الخيار للزوجين في فسخ النكاح إذا وجده أحدهما بالآخر ، وهو قول جمهور العلماء . وأجاب فيه من لم يقل بالفسخ بأنه لو أخذ بعمومه لثبت الفسخ إذا حدث الجذام ولا قائل به ، ورد بأن الخلاف ثابت ، بل هو الراجح عند الشافعية ، وقد تقدم في النكاح الإلمام بشيء من هذا . واختلف في أمة الأجذم : هل يجوز لها أن تمنع نفسها من استمتاعه إذا أرادها ؟ واختلف العلماء في المجذومين إذا كثروا هل يمنعون من المساجد والمجامع ؟ وهل يتخذ لهم مكان منفرد عن الأصحاء ؟ ولم يختلفوا في النادر أنه لا يمنع ولا في شهود الجمعة .

قوله : ( باب المن شفاء للعين ) كذا للأكثر ، وفي رواية الأصيلي " شفاء من العين " وعليها شرح ابن بطال ، ويأتي توجيهها . وفي هذه الترجمة إشارة إلى ترجيح القول الصائر إلى أن المراد بالمن في حديث الباب الصنف المخصوص من المأكول ، لا المصدر الذي بمعنى الامتنان ، وإنما أطلق على المن شفاء لأن الخبر ورد أن الكمأة منه وفيها شفاء فإذا ثبت الوصف للفرع كان ثبوته للأصل أولى .

قوله : ( عن عبد الملك ) هو ابن عمير ، وصرح به أحمد في روايته عن محمد بن جعفر غندر ، وعمرو بن حريث هو المخزومي له صحبة .

قوله : ( سمعت سعيد بن زيد ) أي ابن عمرو بن نفيل العدوي أحد العشرة ، وعمر بن الخطاب بن نفيل ابن عم أبيه . كذا قال عبد الملك بن عمير ومن تابعه ، وخالفهم عطاء بن السائب من رواية عبد الوارث عنه فقال : " عن عمرو بن حريث عن أبيه " أخرجه مسدد في مسنده وابن السكن في الصحابة والدارقطني في " الأفراد " وقال في " العلل " ، الصواب رواية عبد الملك . وقال ابن السكن أظن عبد الوارث أخطأ فيه . وقيل : كان سعيد بن زيد تزوج أم عمرو بن حريث فكأنه قال : " حدثني أبي " وأراد زوج أمه مجازا فظنه الراوي أباه حقيقة .

قوله : ( الكمأة ) بفتح الكاف وسكون الميم بعدها همزة مفتوحة ، قال الخطابي : وفي العامة من لا يهمزه ، [ ص: 173 ] واحدة الكمء بفتح ثم سكون ثم همزة مثل تمرة وتمر ، وعكس ابن الأعرابي فقال : الكمأة الجمع والكمء الواحد على غير قياس ، قال : ولم يقع في كلامهم نظير هذا سوى خبأة وخبء . وقيل : الكمأة قد تطلق على الواحدة وعلى الجمع ، وقد جمعوها على أكمؤ ، قال الشاعر :

ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا

والعساقل بمهملتين وقاف ولام الشراب ، وكأنه أشار إلى أن الأكمؤ محل وجدانها الفلوات . والكمأة نبات لا ورق لها ولا ساق ، توجد في الأرض من غير أن تزرع . قيل : سميت بذلك لاستتارها ، يقال كمأ الشهادة إذا كتمها . ومادة الكمأة من جوهر أرض بخارى يحتقن نحو سطح الأرض ببرد الشتاء وينميه مطر الربيع فيتولد ويندفع متجسدا ، ولذلك كان بعض العرب يسميها جدري الأرض تشبيها لها بالجدري مادة وصورة ، لأن مادته رطوبة دموية تندفع غالبا عند الترعرع وفي ابتداء استيلاء الحرارة ونماء القوة ومشابهتها له في الصورة ظاهر . وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة أن ناسا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا : الكمأة جدري الأرض ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - الكمأة من المن الحديث . وللطبري من طريق ابن المنكدر عن جابر قال : كثرت الكمأة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فامتنع قوم من أكلها وقالوا : هي جدري الأرض ، فبلغه ذلك فقال : إن الكمأة ليست من جدري الأرض ، ألا إن الكمأة من المن والعرب تسمي الكمأة أيضا بنات الرعد لأنها تكثر بكثرته ثم تنفطر عنها الأرض . وهي كثيرة بأرض العرب ، وتوجد بالشام ومصر ، فأجودها ما كانت أرضه رملة قليلة الماء ، ومنها صنف قتال يضرب لونه إلى الحمرة . وهي باردة رطبة في الثانية رديئة للمعدة بطيئة الهضم ، وإدمان أكلها يورث القولنج والسكتة والفالج وعسر البول ، والرطب منها أقل ضررا من اليابس ، وإذا دفنت في الطين الرطب ثم سلقت بالماء والملح والسعتر وأكلت بالزيت والتوابل الحارة قل ضررها ، ومع ذلك ففيها جوهر مائي لطيف بدليل خفتها ، فلذلك كان ماؤها شفاء للعين .

قوله : ( من المن ) قيل في المراد بالمن ثلاثة أقوال : أحدها : أن المراد أنها من المن الذي أنزل على بني إسرائيل ، وهو الطل الذي يسقط على الشجر فيجمع ويؤكل حلوا ، ومنه الترنجبين فكأنه شبه به الكمأة بجامع ما بينهما من وجود كل منهما عفوا بغير علاج . قلت : وقد تقدم بيان ذلك واضحا في تفسير سورة البقرة ، وذكرت من زاد في متن هذا الحديث " الكمأة من المن الذي أنزل على بني إسرائيل .

والثاني : أن المعنى أنها من المن الذي امتن الله به على عباده عفوا بغير علاج ، قاله أبو عبيد وجماعة ، وقال الخطابي : ليس المراد أنها نوع من المن الذي أنزل على بني إسرائيل ، فإن الذي أنزل على بني إسرائيل كان كالترنجبين الذي يسقط على الشجر ، وإنما المعنى أن الكمأة شيء ينبت من غير تكلف ببذر ولا سقي ، فهو من قبيل المن الذي كان ينزل على بني إسرائيل فيقع على الشجر فيتناولونه . ثم أشار إلى أنه يحتمل أن يكون الذي أنزل على بني إسرائيل كان أنواعا ، منها ما يسقط على الشجر ، ومنها ما يخرج من الأرض فتكون الكمأة منه ، وهذا هو القول الثالث وبه جزم الموفق عبد اللطيف البغدادي ومن تبعه فقالوا : إن المن الذي أنزل على بني إسرائيل ليس هو ما يسقط على الشجر فقط بل كان أنواعا من الله عليهم بها من النبات الذي يوجد عفوا ، ومن الطير التي تسقط عليهم بغير اصطياد ، ومن الطل الذي يسقط على الشجر . والمن مصدر بمعنى المفعول أي ممنون به ، فلما لم يكن للعبد فيه شائبة كسب كان منا محضا ، وإن كانت جميع نعم الله - تعالى - على عبيده منا منه عليهم ، لكن خص هذا باسم المن لكونه لا صنع فيه لأحد ، فجعل [ ص: 174 ] سبحانه و - تعالى - قوتهم في التيه الكمأة وهي تقوم مقام الخبز ، وأدمهم السلوى وهي تقوم مقام اللحم ، وحلواهم الطل الذي ينزل على الشجر ، فكمل بذلك عيشهم . ويشير إلى ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - " من المن " فأشار إلى أنها فرد من أفراده ، فالترنجبين كذلك فرد من أفراد المن ، وإن غلب استعمال المن عليه عرفا ا هـ . ولا يعكر على هذا قولهم : لن نصبر على طعام واحد لأن المراد بالوحدة دوام الأشياء المذكورة من غير تبدل وذلك يصدق على ما إذا كان المطعوم أصنافا لكنها لا تتبدل أعيانها .

قوله : ( وماؤها شفاء للعين ) كذا للأكثر وكذا عند مسلم ، وفي رواية المستملي " من العين " أي شفاء من داء العين ، قال الخطابي : إنما اختصت الكمأة بهذه الفضيلة لأنها من الحلال المحض الذي ليس في اكتسابه شبهة ، ويستنبط منه أن استعمال الحلال المحض يجلو البصر ، والعكس بالعكس . قال ابن الجوزي : في المراد بكونها شفاء للعين قولان :

أحدهما : أنه ماؤها حقيقة ، إلا أن أصحاب هذا القول اتفقوا على أنه لا يستعمل صرفا في العين ، لكن اختلفوا كيف يصنع به على رأيين :

أحدهما : أنه يخلط في الأدوية التي يكتحل بها حكاه أبو عبيد ، قال : ويصدق هذا الذي حكاه أبو عبيد أن بعض الأطباء قالوا : أكل الكمأة يجلو البصر ،

ثانيهما : أن تؤخذ فتشق وتوضع على الجمر حتى يغلي ماؤها ، ثم يؤخذ الميل فيجعل في ذلك الشق وهو فاتر فيكتحل بمائها ، لأن النار تلطفه وتذهب فضلاته الرديئة ويبقى النافع منه ، ولا يجعل الميل في مائها وهي باردة يابسة فلا ينجع ، وقد حكى إبراهيم الحربي عن صالح وعبد الله ابني أحمد بن حنبل أنهما اشتكت أعينهما فأخذا كمأة وعصراها واكتحلا بمائها فهاجت أعينهما ورمدا . قال ابن الجوزي : وحكى شيخنا أبو بكر بن عبد الباقي أن بعض الناس عصر ماء كمأة فاكتحل به فذهبت عينه . والقول الثاني أن المراد ماؤها الذي تنبت به ، فإنه أول مطر يقع في الأرض فتربى به الأكحال حكاه ابن الجوزي عن أبي بكر بن عبد الباقي أيضا ، فتكون الإضافة إضافة الكل لا إضافة جزء . قال ابن القيم : وهذا أضعف الوجوه . قلت : وفيما ادعاه ابن الجوزي من الاتفاق على أنها لا تستعمل صرفا نظر ، فقد حكى عياض عن بعض أهل الطب في التداوي بماء الكمأة تفصيلا ، وهو إن كان لتبريد ما يكون بالعين من الحرارة فتستعمل مفردة ، وإن كان لغير ذلك فتستعمل مركبة ، وبهذا جزم ابن العربي فقال : الصحيح أنه ينفع بصورته في حال ، وبإضافته في أخرى ، وقد جرب ذلك فوجد صحيحا . نعم جزم الخطابي بما قال ابن الجوزي فقال : تربى بها التوتياء وغيرها من الأكحال ، قال : ولا تستعمل صرفا فإن ذلك يؤذي العين . وقال الغافقي في " المفردات " : ماء الكمأة أصلح الأدوية للعين إذا عجن به الإثمد واكتحل به ، فإنه يقوي الجفن ، ويزيد الروح الباصر حدة وقوة ، ويدفع عنها النوازل . وقال النووي : الصواب أن ماءها شفاء للعين مطلقا فيعصر ماؤها ويجعل في العين منه ، قال : وقد رأيت أنا وغيري في زماننا من كان عمي وذهب بصره حقيقة فكحل عينه بماء الكمأة مجردا فشفي وعاد إليه بصره ، وهو الشيخ العدل الأمين الكمال بن عبد الدمشقي صاحب صلاح ورواية في الحديث ، وكان استعماله لماء الكمأة اعتقادا في الحديث وتبركا به فنفعه الله به . قلت : الكمال المذكور هو كمال الدين بن عبد العزيز بن عبد المنعم بن الخضر يعرف بابن عبد بغير إضافة الحارثي الدمشقي من أصحاب أبي طاهر الخشوعي ، سمع منه جماعة من شيوخ شيوخنا ، عاش ثلاثا وثمانين سنة ومات سنة اثنتين وسبعين وستمائة قبل النووي بأربع سنين . وينبغي تقييد ذلك بمن عرف من نفسه قوة اعتقاد في صحة الحديث والعمل به كما يشير إليه آخر كلامه ، وهو ينافي قوله أولا مطلقا ، وقد أخرج الترمذي في جامعه بسند صحيح إلى قتادة قال : حدثت أن [ ص: 175 ] أبا هريرة قال : أخذت ثلاثة أكمؤ أو خمسا أو سبعا فعصرتهن فجعلت ماءهن في قارورة فكحلت به جارية لي فبرئت . وقال ابن القيم : اعترف فضلاء الأطباء أن ماء الكمأة يجلو العين ، منهم المسبحي وابن سينا وغيرهما . والذي يزيل الإشكال عن هذا الاختلاف أن الكمأة وغيرها من المخلوقات خلقت في الأصل سليمة من المضار ، ثم عرضت لها الآفات بأمور أخرى من مجاورة أو امتزاج أو غير ذلك من الأسباب التي أرادها الله - تعالى - ، فالكمأة في الأصل نافعة لما اختصت به من وصفها بأنها من الله ، وإنما عرضت لها المضار بالمجاورة ، واستعمال كل ما وردت به السنة بصدق ينتفع به من يستعمله ، ويدفع الله عنه الضرر بنيته ، والعكس بالعكس ، والله أعلم .

قوله : ( وقال شعبة ) كذا لأبي ذر بواو في أوله وصورته صورة التعليق ، وسقطت الواو لغيره ، وهو أولى فإنه موصول بالإسناد المذكور ، وقد أخرجه مسلم عن محمد بن المثنى شيخ البخاري فيه فأعاد الإسناد من أوله للطريق الثانية ، وكذا أورده أحمد عن محمد بن جعفر بالإسنادين معا .

قوله : ( وأخبرني الحكم ) هو ابن عتيبة بمثناة ثم موحدة مصغرا والحسن العرني بضم المهملة وفتح الراء بعدها نون هو ابن عبد الله البجلي ، كوفي وثقه أبو زرعة والعجلي وابن سعد ، وقال ابن معين صدوق . قلت : وما له في البخاري إلا هذا الموضع .

قوله : ( قال شعبة لما حدثني به الحكم لم أنكره من حديث عبد الملك ) كأنه أراد أن عبد الملك كبر وتغير حفظه ، فلما حدث به شعبة توقف فيه ، فلما تابعه الحكم بروايته ثبت عند شعبة فلم ينكره ، وانتفى عنه التوقف فيه . وقد تكلف الكرماني لتوجيه كلام شعبة أشياء فيها نظر .

أحدها : أن الحكم مدلس وقد عنعن ، وعبد الملك صرح بقوله : " سمعته " فلما تقوى برواية عبد الملك لم يبق به محل للإنكار . قلت : شعبة ما كان يأخذ عن شيوخه الذين ذكر عنهم التدليس إلا ما يتحقق سماعهم فيه ، وقد جزم بذلك الإسماعيلي وغيره ببعد هذا الاحتمال ، وعلى تقدير تسليمه كان يلزم الأمر بالعكس بأن يقول لما حدثني عبد الملك لم أنكره من حديث الحكم .

ثانيها : لم يكن الحديث منكورا لي لأني كنت أحفظه .

ثالثها : يحتمل العكس بأن يراد لم ينكر شيئا من حديث عبد الملك ، وقد ساق مسلم هذه الطريق من أوجه أخرى عن الحكم . ووقع عنده في المتن من المن الذي أنزل على بني إسرائيل وفي لفظ " على موسى " وقد أشرت إلى ما في هذه الزيادة من الفائدة في الكلام على هذا الحديث في تفسير سورة البقرة .

[ ص: 176 ]


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث