الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( الحجة الرابعة ) الشاهد واليمين قال به مالك والشافعي وابن حنبل ، وقال أبو حنيفة ليس بحجة ، وبالغ في نقض الحكم أن حكم به قائلا هو بدعة ، وأول من قضى به معاوية ، وليس كما قال بل أكثر العلماء قال به ، والفقهاء السبعة ، وغيرهم لنا وجوه

( الأول ) ما في الموطإ { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد } ، وروي في المسانيد بألفاظ متقاربة ، وقال عمرو بن دينار رواية عن ابن عباس ذلك في الأموال

( الثاني ) إجماع الصحابة على ذلك ، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وأبي بن كعب ، وعدد كثير من غير مخالف روى ذلك النسائي ، وغيره

( الثالث ) ولأن اليمين تشرع في حق من ظهر [ ص: 88 ] صدقه وقوي جانبه ، وقد ظهر لك في حقه بشاهده

( الرابع ) أنه أحد المتداعيين فتشرع اليمين في حقه إذا رجح جانبه كالمدعى عليه

( الخامس ) قياسا للشاهد على اليد

( السادس ) ولأن اليمين أقوى من المرأتين لدخولها في اللعان دون المرأتين ، وقد حكم بالمرأتين مع الشاهد فيحكم باليمين

( السابع ) ولقوله عليه السلام { البينة على من ادعى ، واليمين على من أنكر } ، وهي مشتقة من البيان والشاهد واليمين يبين الحق

( الثامن ) قوله تعالى { إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } وهذا ليس بفاسق فوجب أن يقبل قوله مع اليمين لأنه لا قائل بالفرق احتجوا بوجوه :

( الأول ) قوله تعالى { واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان } فحصر المشروع عند عدم الشاهدين في الرجل والمرأتين والشاهد واليمين زيادة في النص ، والزيادة نسخ ، وهو لا يقبل في الكتاب بخبر الواحد

( الثاني ) { قوله عليه السلام لحضرمي ادعى على كندي شاهداك أو يمينه } ، ولم يقل شاهدك ، ويمينك

( الثالث ) قوله عليه السلام { البينة على من ادعى ، واليمين على من أنكر } فحصر البينة في جهة المدعى ، واليمين في جهة المنكر لأن المبتدأ محصور في خبره ، واللام للعموم فلم تبق يمين في جهة المدعي

( الرابع ) أنه لما تعذر نقل البينة للمنكر تعذر نقل اليمين للمدعي

( الخامس ) القياس على أحكام الأبدان

( السادس ) أن اليمين لو كان كالشاهد لجاز تقديمه على الشاهد كأحد الشاهدين مع الآخر ، ولجاز إثبات الدعوى بيمين ، والجواب عن الأول أنا لا نسلم أنه زيادة سلمناه لكن تمنع أنه نسخ لأن النسخ الرفع ، ولم يرتفع شيء ، وارتفاع الحصر يرجع إلى أن غير المذكور غير مشروع ، وكونه غير مشروع يرجع إلى البراءة الأصيلة ، والبراءة الأصيلة ترجع بخبر الواحد اتفاقا لأن الآية واردة في التحمل دون الأداء لقوله تعالى { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } ، والشرط للاستقبال فهو للتحمل ، ولقوله تعالى { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } ، واليمين مع الشاهد لا تدخل في التحمل فالحصر في التحمل باق ، ولا نسخ على التقديرين ، ولأن اليمين تشرع في حق من ادعى رد الوديعة ، وجميع الأمناء والقسامة ، واختلاف المتبايعين ، وينتقض ما ذكرتموه بالنكول ، وهو زيادة في حكم الآية ، وعن الثاني أن الحصر ليس مرادا بدليل الشاهد والمرأتين ، ولأنه قضاء يخص باثنين لخصوص حالهما فيعم ذلك النوع ، ونحن نقول كل من [ ص: 89 ] وجد في حقه تلك الصفة لا يقبل منه إلا شاهدان ، وعليكم أن تبينوا تلك الحالة مما قلنا نحن فيها بالشاهد واليمين ، وعن الثالث أن اليمين التي على المنكر لا تتعداه لأن اليمين التي عليه هي اليمين الدافعة واليمين مع الشاهد هي الجالبة فهي غيرها فلم يبطل الحصر ، وهو الجواب عن قولكم لما لم تتحول البينة لم تتحول اليمين فإنا لم نحول تلك اليمين بل أثبتنا يمينا أخرى بالسنة مع أن التحويل واقع غير منكر لأنه لو ادعى عليه فأنكر لم يكن للمنكر إقامة البينة ، ولو ادعى القضاء كان له إقامة البينة مع أنها بينة ثابتة في الحالين ، وعن الرابع بأن أحكام الأبدان أعظم ، ولذلك لا يقبل فيها النساء ، وعن الخامس الفرق بأن الشاهدين معناهما مستويان فلا مزية لأحدهما على الآخر في التقديم ، وأما اليمين فإنما تدخل لتقوية جهة الشاهد فقبله لا قوة فلا تدخل ، ولا تشرع ، والشاهدان شرعا لأنهما حجة مستقلة مع الضعف

( تنبيه ) وافقنا أبو حنيفة في أحكام الأبدان ، وخالفنا الشافعي فيحلف المدعى عليه قبل قيام شاهد فإن نكل حلف المدعي لنا وجوه

( الأول ) قوله عليه السلام { لا نكاح إلا بولي ، وشاهدي عدل } فأخبر عليه السلام أنه لا يثبت إلا بهما فمن قال باليمين مع النكول فعليه الدليل

( الثاني ) قوله تعالى { وأشهدوا ذوي عدل منكم } وإنما أمر بهذه الشهادة لأنها سبب الثبوت فينحصر الثبوت فيها ، وإلا لزم البيان في تأسيس القواعد ، وهو خلاف الأصل ، وعملا بالمفهوم

( الثالث ) أن الشاهد ، والمرأتين أقوى من اليمين والنكول لأنها حجة من جهة المدعي ، ولم يثبت فيها فلا يثبت بالآخر

( الرابع ) ما ذكروه يؤدي إلى استباحة الفروج بالباطل لأنه إذا أحبها ادعى عليها فتنكر فيحلفها فتنكل فيحلف ، ويستحقها بتواطؤ منهما

( الخامس ) أن المرأة قد تكره زوجها فتدعي عليه في كل يوم فتحلفه ، وكذلك الأمة تدعي العتق ، وهذا ضرر عظيم احتجوا بوجوه

( أحدها ) قضية عبد الرحمن بن سهل ، وهي في الصحاح ، وقال فيها عليه السلام تحلف لكم يهود خمسين يمينا

( الثاني ) أن كل حق توجهت اليمين فيه على المدعى عليه فإذا نكل ردت على المدعي قياسا على المال

( الثالث ) القياس على اللعان فإن المرأة تحد بيمين الزوج ، ونكولها من اليمين

( الرابع ) قوله عليه السلام { البينة على من ادعى ، واليمين على من أنكر } ، وهو عام يتناول صورة النزاع

( الخامس ) { أنه عليه السلام قال لركانة لما طلق امرأته ألبتة ما أردت بالبتة قال واحدة فقال [ ص: 90 ] له عليه السلام والله ما أردت إلا واحدة فقال والله ما أردت إلا واحدة } فحلفه بعد دعوى امرأته الثلاث ، والجواب عن الأول أن الأيمان تثبت بعد اللوث ، وهو وجوده مطروحا بينهم ، وهم أعداؤه ، وغلظت خمسين يمينا بخلاف صورة النزاع في المقيس ، ولأن القتل نادر ، وفي الخلوات حيث يتعذر الإشهاد فغلظ أمره لحرمة الدماء ، وعن الثاني أن المدعى عليه هاهنا لا يحلف بمجرد الدعوى فانحسمت المادة ، وعن الثالث أن اللعان مستثنى للضرورة ، ولا ضرورة هاهنا فجعلت الأيمان مقام الشهادة لتعذرها ، وضرورة الأزواج لنفي العار وحفظ النسب ، وعن الرابع أنه مخصوص بما ذكرناه من الضرورات ، وخطر الباب ، وعن الخامس ، وإن صح الفرق أن أصل الطلاق يثبت بلفظ صالح بل ظاهر للثلاث ، ودعوى المرأة أصل الطلاق ليس فيه ظهور بل مرجوح باستصحاب العصمة

( تنبيه ) قال العبدي يثبت بالشاهد واليمين في مذهب مالك أربعة الأموال والكفالة والقصاص في جراح العمد والخلطة التي هي شرط في التحليف في بعض الأموال ، والذي لا يثبت بالشاهد واليمين ثلاثة عشر النكاح والطلاق والعتاق والولاء والأحباس ، والوصايا لغير المعين ، وهلال رمضان وذي الحجة ، والموت والقذف والإيصاء ، وترشيد السفيه ، ونقل الشهادة ، والمختلف فيها هل نثبت بهما أم لا خمسة الوكالة ، ونكاح امرأة قد ماتت والتجريح والتعديل

( تنبيه ) قبول مالك رحمه الله الشاهد واليمين في القصاص في جراح العمد اعتمادا على أنها يصالح عليها بالمال في بعض الأحوال مشكل جدا فإنه إلغاء للأصل ، واعتبار للطوارئ البعيدة ، وذلك لازم له في النفس أيضا ، وهو خلاف الإجماع ، ويشكل عليه أيضا بأنه لم يقل بهما في الأحباس مع أنها منافع ، ولا في الولاء ، ومآله إلى الإرث ، وهو مال والوصايا ، وهي مال ، وترشيد السفيه يئول لصحة البيع وغيره ، وهو مال ، والمال في هذه الصور أقرب من المال في جراح العمد لا سيما وهو يبيح القصاص بذلك ، ومتى يقع الصلح فيها فهي مشكلة ، وعدم قبوله هذه الحجة في الأحباس ، وما ذكر معها مشكل مع أن قاعدة المذهب أن الوكالة إذا كانت تئول إلى مال تثبت بالشاهد واليمين وكذلك كل ما مآله إلى المال عكسه لا يثبت بالشاهد واليمين فتأمل ذلك إلا أن يريد في الحبس على غير المعين فإنه [ ص: 91 ] يتعذر الحلف من غير المعين كالوصية لغير المعين ، وهو الذي تقتضيه قواعد المذهب .

التالي السابق


حاشية ابن حسين المكي المالكي

( الباب الرابع ) في بيان ما تكون فيه الحجة الرابعة ، والخلاف في قبولها ، ودليله ، وفيه وصلان

( الوصل الأول ) في التبصرة قال الرعيني في كتاب الدعوى والإنكار ، ويحكم بالشاهد واليمين في كل حق يدعيه على صاحبه من بيع أو شراء من أي السلع كان من دور أو أرضين أو حيوان أو رقيق أو ثياب أو طعام أو كراء أو إجارة أو شركة أو معاوضة أو مساقاة أو مقارضة أو جعل أو صناعة أو تسلف أو وديعة أو غصب أو سرقة أو عتق أو هبة لله تعالى أو للثواب أو صدقة أو نحلة أو عطية أو بضاعة أو عارية أو حبس أي على معينين أو سكنى أو خدام أو صداق أو صلح من إقرار أو إنكار في عمد ، وخطأ أو جراحة عمدا أو خطأ أو جراحة عمدا أو خطأ أو تولية أو إقالة أو خيار أو تبر من عيب أو رضي به بعد العلم من غير تبر أو وكالة في شيء مما ذكرناه مما يكون مالا أو يئول إلى مال فإذا أقام المدعي على شيء مما تقدم شاهدا واحدا عدلا ، وحلف معه أخذا ما يدعي ، ويثبت في القتل عمده وخطؤه إلا أنه مع القسامة ا هـ .

قال ابن فرحون اليمين مع الشاهد إنما تكون في الأموال كما تقدم وتكون في المشاتمة ما عدا الحدود في الفرية والسرقة والشرب والنكاح والرجعة والطلاق والعتاق ، وما تقدم أنه لا يثبت إلا بشاهدين وكذلك لا يكون اليمين مع الشاهد الواحد في الشهادة على شهادة الشاهد ، واختلف في الوكالة بالمال والوصية به هل يجوز فيها الشاهد واليمين ، والرجل والمرأتان ، وهو قول مالك وابن وهب أو لا يجوز فيها ذلك ، وهو قول أشهب وابن الماجشون قال ابن راشد ، ومنشأ القولين فيهما أن الشهادة فيهما باشرت ما ليس بمال لكنها تئول إلى المال فاعتبر مالك وابن القاسم وابن وهب المال فأجازوا في ذلك الشاهد واليمين [ ص: 147 ]

فلذلك شهره ابن الحاجب ، واعتبر أشهب وابن الماجشون ما ليس بمال فلم يجيزا ذلك فيهما ، وفي المتيطية ، وإن شهد على غائب في وكالة شاهد فروى أنه يحلف الوكيل ، وتثبت وكالته ، والأكثر والذي جرى عليه العمل أنه لا يحلف معه قال ابن فرحون يلزم من أجاز شهادة للنساء على الوكالة في المال أن يجيز شاهدا أو يمينا على الوكالة في المال لأنها تئول إلى المال .

وزاده القرافي فيما نقله عن العبدي من أن ما يثبت بالشاهد واليمين في مذهب مالك أربعة الأموال والكفالة والقصاص في جراح العمد ، والخلطة التي هي شرط في التحليف في بعض الأحوال ، وأن ما لا يثبت بهما ثلاثة عشر النكاح ، والطلاق ، والعتاق ، والولاء ، والأحباس ، والوصايا لغير المعين ، وهلال رمضان وذي الحجة ، واللوث ، والقذف ، والإيصاء ، وترشيد السفيه ، ونقل الشهادة قال والمواضع المختلف فيها خمسة الوكالة بالمال ، والوصية به ، والتجريح ، والتعديل ، ونكاح امرأة قد ماتت يعني أنه إذا شهد على النكاح بعد موت المرأة شاهد أو أن أحد الوارثين مات قبل الآخر فهل يحلف مع الشاهد .

ويثبت الميراث أو لا ؟ ، وكذا لو شهد بذلك رجل وامرأتان قال ابن القاسم يورث مع الشاهد واليمين ، والشاهد والمرأتين وأشهب يمنع لترتيب ثبوت النكاح على ذلك قال ويتوجه الإشكال على موضعين من مذهب مالك في ذلك

( الأول ) قبوله الشاهد واليمين في القصاص في جراح العمد اعتمادا على أنها يصالح عليها بالمال في بعض الأحوال فإنه إلغاء للأصل ، واعتبار للطوارئ البعيدة ، وذلك لازم له في النفس أيضا ، وهو خلاف الإجماع فهو مشكل جدا .

( والموضع الثاني ) عدم قبوله هذه الحجة في الأحباس مع أنها منافع ، ولا في الولاء ، ومآله إلى الإرث ، وهو مال ، ولا في الوصايا وهي مال ، ولا في ترشيد السفيه الذي يئول لصحة البيع وغيره ، وهو مال بل المال في هذه الصور أقرب من المال في جراح العمد لا سيما ، وهو يبيح القصاص بذلك ، وهو الغالب إذ متى يقع الصلح فيها ، وقاعدة المذهب أن كل ما مآله إلى المال يثبت بهذه الحجة ، وكل ما لا يئول إلى المال لا يثبت بها فعدم قبولها في هذا الموضع مشكل كقبولها في الموضع الأول فتأمل ذلك إلا أن يريد في الحبس على غير المعين فإنه يتعذر الحلف من غير المعين ، وهن الذي تقتضيه قواعد المذهب ا هـ نعم قال ابن فرحون الولاء .

وإن كان لا يثبت إلا بشاهدين إلا أنه لو أقام شاهدا واحدا على ميت أنه مولاه ، وأنه أعتقه فكان ابن القاسم يقول أنه يحلف مع شاهده ، ويستحق المال ، ولا يستحق الولاء ، وقال أشهب لا يستحق المال ، ولا الولاء لأنه لم يثبت الولاء الذي يستحق به المال فلا يستحق المال قبل أن يستحق الولاء قال وقد تكون الشهادة بهذه الحجة على ما هو مال تئول إلى الشهادة على غير المال فيثبت بها تبعا .

وذلك في مسائل منها قال مالك رضي الله تعالى عنه قد تكون الشهادة في المال تؤدي إلى الطلاق مثل أن يقيم شاهدا واحدا أنه اشترى امرأته من سيدها فيحلف معه ، ويستحقها ، ويكون فراقا ومنها أن يقيم المكاتب شاهدا على أداء الكتابة فإنه يحلف معه ، ويتم العتق ومنها ما لو ثبت على رجل دين بشهادة رجل ، ويمين المدعي فإنه يرد بهذه الشهادة العتق الذي وقع به الدين ومنها أن يقذف رجل رجلا ظاهر الحرية فيجب عليه فيأتي من يستحق رقبة المقذوف بشاهد ويمين فيسقط عن القاذف الحد ومنها أن يقذف رجل مكاتبا فيأتي المكاتب بشاهد أنه أدى كتابته فيحلف معه فيجب الحد لتمام العتق ا هـ المراد من كلام ابن فرحون يتصرف ، وزيادة من الأصل فانظره .

( تنبيهان الأول ) في تبصرة ابن فرحون [ ص: 148 ] حيث قلنا يحكم باليمين مع الشاهد فهل ذلك منسوب إلى الشاهد فقط ، واليمين كالاستظهار ، واليمين كشهادتان فيه خلاف ، ويظهر أثر ذلك الخلاف إذا رجع الشاهد هل يغرم الحق كله أو نصفه ا هـ بلفظه .

( التنبيه الثاني ) حيث يحكم باليمين مع الشاهد فإن كانت الدعوى على يهودي أو نصراني أو مجوسي أو عبد مملوك أو أمة لك يكن عليه إلا يمينه بالله تعالى ، وإن كانت الدعوى لواحد من هؤلاء فإنه يحلف مع شاهده ، ويستحق ما حلف عليه ا هـ بإصلاح .

( الوصل الثاني ) القضاء باليمين مع الشاهد قال به مالك والشافعي وابن حنبل ، وقال أبو حنيفة ليس بحجة ، وبالغ في نقض الحكم أن حكم به قائلا هو بدعة ، وأول من قضى به معاوية ، وليس كما قال بل أكثر العلماء قال به ، والفقهاء السبعة وغيرهم لنا وجوه :

( الأول ) ما في الموطإ { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد } ، وروي في المسانيد بألفاظ متقاربة ، وقال عمرو بن دينار رواية عن ابن عباس ذلك في الأموال .

( الوجه الثاني ) إجماع الصحابة على ذلك فقد قضى به جماعة من الصحابة ، ولم يرو أحد منهم أنه أنكره فقد روى النسائي وغيره ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وأبي بن كعب وعدد كثير من غير مخالف .

( الوجه الثالث ) أن اليمين تشرع في حق من ظهر صدقه ، وقوي

جانبه ، وقد ظهر ذلك في حقه بشاهده .

( الوجه الرابع ) أنه أحد المتداعيين فتشرع اليمين في حقه إذا رجح جانبه كالمدعى عليه .

( الوجه الخامس ) قياس الشاهد على اليد .

( الوجه السادس ) أن أبا حنيفة حكم بالمرأتين مع الشاهد فيحكم باليمين معه لأن اليمين أقوى من المرأتين لدخولها في اللعان دون المرأتين .

( الوجه السابع ) قوله عليه السلام { البينة على من ادعى ، واليمين على من أنكر } ، وذلك أن البينة مشتقة من البيان والشاهد واليمين يبين الحق .

( الوجه الثامن ) قوله تعالى { إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } وهذا ليس بفاسق فوجب أن يقبل قوله مع اليمين لأنه لا قائل بالفرق ، وأما الوجوه التي احتجوا بها

( فالأول ) قوله تعالى { واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان } فحصر المشروع عند عدم الشاهدين في الرجل ، والمرأتين والشاهد ، واليمين زيادة في النص ، والزيادة نسخ ، وهو لا يقبل في الكتاب بخبر الواحد ، وجوابه أنا لا نسلم أنه زيادة سلمناه لكن تمنع أنه نسخ لأمور : ( الأول ) النسخ الرفع ، ولم يرتفع شيء ، وارتفاع الحصر يرجع إلى أن غير المذكور غير مشروع ، وكونه غير مشروع يرجع إلى البراءة الأصلية ، والبراءة الأصلية ترجح بخبر الواحد اتفاقا .

( الثاني ) أن الآية واردة في التحمل دون الأداء { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } والشرع للاستقبال فهو للتحمل ، ولقوله تعالى { أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } واليمين مع الشاهد لا تدخل في التحمل فالحصر في التحمل باق ، ولا نسخ على التقديرين . ( الثالث ) أن اليمين تشرع في حق من ادعى رد الوديعة ، وجميع الأمناء ، والقسامة واختلاف المتبايعين ، وينتقض ما ذكرتموه بالنكول ، وهو زيادة في حكم الآية

( والوجه الثاني ) { قوله عليه السلام لحضرمي ادعى على كندي : شاهداك أو يمينه } ولم يقل شاهداك ، ويمينك وجوبه أن الحصر ليس مرادا بدليل الشاهد والمرأتين ، ولأنه قضاء يختصر باثنين لخصوص حالهما فيعم ذلك النوع ، ونحن نقول كل من وجد في حقه تلك الصفة لا يقبل منه إلا شاهدان ، وعليكم أن تبينوا أن تلك الحالة مما قلنا نحن فيها بالشاهد ، واليمين .

( والوجه الثالث ) قوله عليه السلام { البينة على من ادعى ، واليمين على من أنكر } فحصر البينة في جهة المدعي واليمين [ ص: 149 ] في جهة المنكر لأن المبتدئ محصور في خبره ، واللام للعموم فلم تبق يمين في جهة المدعي .

( والوجه الرابع ) أنه لما تعذر نقل البينة للمنكر تعذر نقل اليمين للمدعي ، وجوابهما أن اليمين التي على المنكر لا تتعداه لأن اليمين التي عليه هي اليمين الدافعة ، واليمين مع الشاهد هي الجالبة فهي غيرها فلم يبطل الحصر ، ولم يكن قولنا بيمين المدعي مع الشاهد تحويلا من يمين المنكر بل إثبات ليمين أخرى بالسنة فلا يرد أنه لما تتحول البينة لم تتحول اليمين مع أن التحويل واقع غير منكر لأنه لو ادعى عليه فأنكر لم يكن للمنكر إقامة البينة ، ولو ادعى القضاء كان له إقامة البينة مع أنها بينة ثابتة في الحالين .

( والوجه الخامس ) أن اليمين لو كان كالشاهد لجاز تقديمه على الشاهد كأحد الشاهدين مع الآخر ، ولجاز إثبات الدعوى بيمين ، وجوابه الفرق بأن الشاهدين معناهما متساويان فلا مزية لأحدهما على الآخر في التقديم ، وأما اليمين فإنما تدخل لتقوية جهة الشاهد فقبله لا قوة فلا تدخل ، ولا تشرع وشرع الشاهدان لأنهما حجة مستقلة مع الضعف .

( والوجه السادس ) القياس على أحكام الأبدان ، وجوابه أن أحكام الأبدان أعظم ، ولذلك لا يقبل فيها النساء ، ولا نثبت باليمين مع النكول عندنا وعند أبي حنيفة خلافا للشافعي حيث قال بحلف المدعى عليه قبل قيام شاهد فإن نكل حلف المدعي لنا وجوه

( الأول ) قوله عليه السلام { لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل } فأخبر عليه السلام أنه لا يثبت إلا بهما فمن قال باليمين مع النكول فعليه البيان .

( والوجه الثاني ) قوله تعالى { وأشهدوا ذوي عدل منكم } وإنما أمر بهذه الشهادة لأنها سبب الثبوت فينحصر الثبوت فيها عملا بالمفهوم ، وإلا لزم تأخير البيان في تأسيس القواعد ، وهو خلاف الأصل

( والوجه الثالث ) أن الشاهدين والمرأتين أقوى من اليمين مع النكول لأنها حجة من جهة المدعي ، ولم تثبت أحكام الأبدان بها فلا تثبت باليمين مع النكول .

( والوجه الرابع ) أن ما ذكروه يؤدي إلى استباحة الفروج بالباطل لأنه إذا أحبها ادعى عليها فتنكر فيحلفها فتنكل فيحلف ، ويستحقها بتواطؤ منهما .

( والوجه الخامس ) أن المرأة قد تكره زوجها فتدعي عليه في كل يوم فتحلفه وكذلك الأمة تدعي العتق ، وهذا ضرر عظيم .

وأما الوجوه التي احتجوا بها : ( فالوجه الأول ) قضية حويصة ومحيصة في قضية عبد الرحمن بن سهل ، وهي في الصحاح ، وقال فيها عليه السلام { تحلف لكم يهود خمسين يمينا } ، وجوابه والأيمان تثبت بعد اللوث ، وهو وجوده مطروحا بينهم ، وهو أعداؤه ، وغلظت خمسين يمينا بخلاف صورة النزاع في المقيس ، ولأن القتل نادر في الخلوات حيث يتعذر الإشهاد فغلظ أمره لحرمة الدماء .

( والوجه الثاني ) أن كل حق توجهت اليمين فيه على المدعى عليه فإذا نكل ردت على المدعي قياسا على المال ، وجوابه أن المدعى عليه هاهنا لا يحلف بمجرد الدعوى فانحسمت المدة .

( والوجه الثالث ) القياس على اللعان فإن المرأة تحد بيمين الزوج ، ونكولها عن اليمين ، وجوابه أن اللعان مستثنى للضرورة فجعلت الأيمان مقام الشهادة لتعذرها وضرورة الأزواج لنفي العار وحفظ النسب ، ولا ضرورة هاهنا .

( الوجه الرابع ) قوله عليه السلام { البينة على من ادعى ، واليمين على من أنكر } ، وهو عام يتناول صورة النزاع ، وجوابه أنه مخصوص بما ذكرناه من الضرورات ، وخطر الباب .

( والوجه الخامس ) أنه عليه السلام قال لركانة لما طلق امرأته ألبتة ما أردت بالبتة قال واحدة فقال له عليه السلام الله ما أردت إلا واحدة [ ص: 150 ] فقال الله ما أردت إلا واحدة فحلفه بعد دعوى امرأته الثلاث ، وجوابه الفرق بين دعوى المرأة الثلاث ودعواها أصل الطلاق بأن الثاني ليس فيه ظهور بل مرجوح باستصحاب العصمة بخلاف الأول فإنه يثبت بلفظ صالح بل ظاهر فيه قاله الأصل ، وصححه أبو القاسم بن الشاط ، والله أعلم .




الخدمات العلمية