الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء

جزء التالي صفحة
السابق

ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون قرئ: "ألم تر" ساكنة الراء، كما قرئ: "من يتق"، وفيه ضعف، ضرب الله مثلا : اعتمد مثلا ووضعه، و كلمة طيبة : نصب بمضمر، أي: جعل كلمة طيبة، كشجرة طيبة ، وهو تفسير لقوله: ضرب الله مثلا ; كقولك: شرف الأمير زيدا: كساه حلة، وحمله على فرس، ويجوز أن ينتصب "مثلا"، و "كلمة": بضرب، أي: ضرب كلمة طيبة مثلا، بمعنى: جعلها مثلا ثم قال: "كشجرة طيبة" على أنها خبر مبتدأ محذوف، بمعنى هي كشجرة طيبة، أصلها ثابت : يعني: في الأرض ضارب بعروقه فيها، وفرعها : وأعلاها ورأسها، في السماء ، ويجوز أن يريد: وفروعها، على الاكتفاء بلفظ الجنس، وقرأ أنس بن مالك : "كشجرة طيبة ثابت أصلها" .

فإن قلت: أي فرق بين القراءتين ؟ قلت: قراءة الجماعة أقوى معنى; لأن في قراءة أنس أجريت الصفة على الشجرة، وإذا قلت: مررت برجل أبوه قائم، فهو أقوى معنى من قولك: مررت برجل قائم أبوه; لأن المخبر عنه إنما هو الأب لا رجل، والكلمة الطيبة: كلمة التوحيد، وقيل: كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة، وعن ابن عباس : شهادة أن [ ص: 378 ] لا إله إلا الله، وأما الشجرة فكل شجرة مثمرة طيبة الثمار، كالنخلة، وشجرة التين، والعنب، والرمان، وغير ذلك، وعن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال ذات يوم:"إن الله ضرب مثل المؤمن شجرة فأخبروني ما هي"، فوقع الناس في شجر البوادي، وكنت صبيا، فوقع في قلبي أنها النخلة، فهبت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أقولها وأنا أصغر القوم، وروي: فمنعني مكان عمر واستحييت، فقال لي عمر : يا بني لو كنت قلتها لكانت أحب إلي من حمر النعم، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ألا إنها النخلة".

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: شجرة في الجنة، وقوله: "في السماء": معناه: في جهة العلو والصعود، ولم يرد المظلة، كقولك في الجبل: طويل في السماء: تريد ارتفاعه وشموخه، تؤتي أكلها كل حين : تعطي ثمرها كل وقت وقته الله لإثمارها، بإذن ربها : بتيسير خالقها وتكوينه، لعلهم يتذكرون ; لأن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث