الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار

جزء التالي صفحة
السابق

يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب

يوم تبدل الأرض : انتصابه على البدل من يوم يأتيهم، أو على الظرف للانتقام، والمعنى: يوم تبدل هذه الأرض التي تعرفونها أرضا أخرى غير هذه المعروفة، وكذلك السموات، والتبديل: التغيير، وقد يكون في الذوات; كقولك: بدلت الدراهم دنانير، ومنه: بدلناهم جلودا غيرها [النساء: 56]، و وبدلناهم بجنتيهم جنتين [سبأ: 16]، وفي الأوصاف; كقولك: بدلت الحلقة خاتما، إذا أذبتها وسويتها خاتما، فنقلتها من شكل إلى شكل، ومنه قوله تعالى: فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات [الفرقان: 70]، واختلف في تبديل الأرض والسموات، فقيل: تبدل أوصافها فتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها، وتسوى فلا يرى فيها عوج ولا أمت، وعن ابن عباس : هي تلك الأرض وإنما تغير، وأنشد [من الطويل]:

[ ص: 394 ]

وما الناس بالناس عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعلم



وتبدل السماء بانتثار كواكبها، وكسوف شمسها، وخسوف قمرها، وانشقاقها، وكونها أبوابا، وقيل: يخلق بدلها أرض وسموات أخر، وعن ابن مسعود وأنس : يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطئ عليها أحد خطيئة، وعن علي -رضي الله عنه -: تبدل أرضا من فضة، وسموات من ذهب، وعن الضحاك : أرضا من فضة بيضاء كالصحائف، وقرئ: "يوم نبدل الأرض" بالنون.

فإن قلت: كيف قال: الواحد القهار ؟

قلت: هو كقوله: لمن الملك اليوم لله الواحد القهار [غافر: 16]; لأن الملك إذا كان لواحد غلاب لا يغالب ولا يعاز فلا مستغاث لأحد إلى غيره ولا مستجار كان الأمر في غاية الصعوبة والشدة، "مقرنين": قرن بعضهم مع بعض، أو مع الشياطين، أو قرنت أيديهم إلى أرجلهم مغللين، وقوله: في الأصفاد : إما أن يتعلق بمقرنين، أي: يقرنون في الأصفاد، وإما أن لا يتعلق به، فيكون المعنى: مقرنين مصفدين، والأصفاد: القيود، وقيل: الأغلال، ، وأنشد لسلامة بن جندل [من الوافر]:


وزيد الخيل قد لاقى صفادا ...     يعض بساعد وبعظم ساق



القطران: فيه ثلاث لغات: قطران، وقطران وقطران: بفتح القاف وكسرها مع سكون الطاء، وهو ما يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ، فتهنأ به الإبل الجربى، فيحرق الجرب بحره وحدته، والجلد، وقد تبلغ حرارته الجوف، ومن شأنه أن يسرع في اشتعال النار، وقد يستسرج به، وهو أسود اللون منتن الريح، فتطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلاؤه لهم كالسرابيل وهي القمص، لتجتمع عليهم الأربع: لذع القطران، وحرقته، وإسراع النار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الريح، على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين، وكل ما وعده الله أو وعد به في الآخرة، فبينه وبين ما نشاهد من جنسه ما لا يقادر قدره، وكأنه ما عندنا منه إلا الأسامي ، والمسميات ثمة، فبكرمه الواسع [ ص: 395 ] نعوذ من سخطه، ونسأله التوفيق فيما ينجينا من عذابه، وقرئ: "من قطران"، والقطر: النحاس أو الصفر المذاب، والآني: المتناهي حره، وتغشى وجوههم النار ; كقوله تعالى: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب [الزمر: 24]، يوم يسحبون في النار على وجوههم [القمر: 48]; لأن الوجه أعز موضع في ظاهر البدن وأشرفه، كالقلب في باطنه، ولذلك قال: تطلع على الأفئدة [القمر: 7]، وقرئ: "وتغشى وجوههم"، بمعنى: تتغشى: أي: يفعل بالمجرمين ما يفعل، ليجزي الله كل نفس : مجرمة، ما كسبت : أو كل نفس من مجرمة ومطيعة، لأنه إذا عاقب المجرمين لإجرامهم علم أنه يثيب المطيعين لطاعتهم.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث