الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                          صفحة جزء
                                                          ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس بعد أن أشار سبحانه إلى الوقوف بعرفة والإفاضة إلى المزدلفة ، وذكر الله فيهما ، بين طريق الإفاضة فقال هذه الجملة الكريمة ، واستعمال " ثم " لبيان الترتيب والتراخي البياني أو المعنوي ; ففي الأول ذكر مطلق الإفاضة ، ثم ذكر طريق الإفاضة وكيف تكون ، كمن يقول أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم ; لبيان التفاوت بين مطلق الإحسان وتخصيص الكريم بالإحسان ; وكذلك هنا كان التعبير بـ ( ثم ) لبيان التفاوت في الفضل بين مطلق الإفاضة ، والإفاضة مع الناس وفي جمعهم الزاخر المتدافع ليشعر كل مسلم بأنه في منزلة واحدة مع غيره من المؤمنين ، فيستوي السوقة والأمير ، والكبير والصغير ، والغني والفقير والحاكم والمحكوم ; فتصقل هذه الزحمة القدسية قلوب المؤمنين ، وتشعرهم بالمساواة أجمعين .

                                                          فهذه الجملة عامة في خطابها تشمل الحجاج أجمعين إلى يوم الدين ; فهم جميعا مطالبون بأن يفيضوا مع الناس ، ومن حيث يسيرون ، لا يختص أحد بطريق ، ولا يمنع لأحد طريق ولا يكون لفريق مسلك ، وللناس مسلك ، ولا يمنع الناس حتى يمر بعض الناس ; بل الجميع في المرتفع والمهبط ، والسير والموقف سواء ، لأنهم في ساحات رب العالمين الذي يعطي من يشاء ويمنع من يشاء .

                                                          ولقد قال بعض مفسري السلف : إن الخطاب في هذه الجملة خاص بقريش وحلفائها ; لأنهم في الجاهلية كانوا يسمون أنفسهم الحمس يقفون بالمزدلفة ، ولا يقفون مع سائر الناس بعرفة ، فأمرهم الله سبحانه بأن يقفوا كما يقف كل الناس ، ويفيضوا كما يفيض كل الناس .

                                                          [ ص: 625 ] وعندي أن الخطاب عام ، ويدخل فيه النهي عن هذه الحال التي كانت من قريش " ومرمى الآية في معناها العام أو الخاص هو التسوية المطلقة بين الناس في تلك البقعة المباركة وفي ذلك المنسك المعظم .

                                                          واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ختم سبحانه الآية الكريمة التي تشتمل على آخر منسك من مناسك الحج ، إذ يكون بعده التحلل ، وإن بقيت بعض العبادات الأخرى ، بالأمر بالاستغفار وهو طلب المغفرة من الله القدير ; وطلب المغفرة فور العبادة أمر توحي به النفس المؤمنة البرة ; وذلك لأن العبادة تطهر قلب العابد ، وتزيل أدرانه ، فتجعله يحس بما كان منه قبلها ، فيضرع إلى المولى أن يستره بستره ، ويصفح عنه بعفوه ، ولأن المؤمن الخالص الإيمان كلما أرهفت مشاعره وقويت روحه ، أحس بأنه مقصر أمام المنعم ، لا يصل إلى الوفاء بحقه ، فيلجأ إلى الاستغفار عن التقصير ، ولأن الاستغفار نفسه عبادة ، وهو أبر الطاعات ، ولذا يقول بعض الصوفية : رب معصية أورثت ذلا وانكسارا ، خير من طاعة أورثت دلا واستكبارا .

                                                          والاستغفار ثمرة الحج ، لأنه التطهير النهائي للنفس ، فيعود الحاج الذي لم يفسق ولم يرفث كيوم ولدته أمه ، ولقد ذيل سبحانه وتعالى الآية الكريمة بقوله : إن الله غفور رحيم أي أن الله سبحانه وتعالى كثير المغفرة ، وأن الغفران وصف له سبحانه في معاملته لعباده ; والسبب في ذلك أنه رحيم بالناس ; ومن الرحمة بهم أن يغفر للمذنب " ليعطيه فرصة النجاة من ماضيه واطراح مآثمه ، واستقبال حياة جديدة نزهة ينعم فيها بالطهر وينتفع منه الناس ; وذلك رحمة به وبالناس ; فالمجتمع يستفيد من كثرة التائبين ، ولا يستفيد من كثرة اليائسين من رحمة الله ، إذ يستمرون في غيهم يأسا من غفران ربهم ; ولذا قال سبحانه : قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم

                                                          التالي السابق


                                                          الخدمات العلمية