الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في كيفية الحلف وضابط الحالف وما يتفرع عليه

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) في كيفية الحلف وضابط الحالف وما يتفرع عليه ( تغلظ ) ندبا ، وإن لم يطلبه الخصم ، بل ، وإن أسقط كما قاله القاضي ( يمين مدع ) اليمين المردودة ومع الشاهد . ( و ) يمين ( مدعى عليه ) إن لم يسبق لأحدهما حلف بنحو طلاق أنه لا يحلف يمينا مغلظة [ ص: 312 ] ويظهر تصديقه في ذلك من غير يمين ؛ لأنه يلزم من حلفه طلاقه ظاهرا فساوى الثابت بالبينة ( فيما ليس بمال ولا يقصد به مال ) كنكاح وطلاق وإيلاء ورجعة ولعان وعتق وولاء ووكالة ولو في درهم وسائر ما مر مما لا يثبت برجل وامرأتين ، وذلك ؛ لأن اليمين موضوعة للزجر عن التعدي فغلظ مبالغة وتأكيدا للردع فيما هو متأكد في نظر الشرع وهو ما ذكر ، وما في قوله : ( و ) في ( مال ) أو حقه كخيار وأجل ( يبلغ نصاب زكاة ) وهو كما قالاه مائتا درهم أو عشرون دينارا ، وما عداهما لا بد أن تبلغ قيمته أحدهما ، واعترض بأن نص الأم والمختصر أن العبرة بالذهب لا غير واعتمده البلقيني ، ويجاب بأنه لا يظهر هنا لتعين الذهب معنى فلذا أعرضا عنه أي : وما أوهم التعين يحمل على أنه تصوير لا غير لا في اختصاص ولا فيما دون نصاب أو حقه كإن اختلف متبايعان في ثمن فقال البائع : عشرون والمشتري عشرة ؛ لأن التنازع إنما هو في عشرة وذلك ؛ لأنه حقير في نظر الشرع ، ولهذا لم تجب فيه مواساة ، نعم إن رآه لنحو جراءة الحالف فعله وبحث البلقيني أن له فعله بالأسماء والصفات مطلقا ( وسبق بيان التغليظ في اللعان ) بالزمان وكذا المكان في غير نحو مريض وحائض ، ويظهر أن يلحق بالمرض سائر أعذار الجماعة ، وأن التغليظ به حينئذ حرام ، لكن يشكل على ذلك أن المخدرة يغلظ عليها به ، وإن قلنا : لا تحضر للدعوى عليها ، وقد يفرق بأن نحو المرض عذر حسي بخلاف التخدير وغيرهما ، نعم التغليظ بحضور جمع أقلهم أربعة وبتكرير اللفظ لا يعتبر هنا

ويسن بزيادة الأسماء والصفات أيضا ، وهي معروفة ، ومر أوائل الأيمان أن ما يذكر فيها من الطالب الغالب المدرك المهلك معترض بأنه لا توقيف فيها وأسماء الله لا يجوز إطلاقها إلا بتوقيف ، وإن هذا لا يأتي إلا على كلام الباقلاني أو الغزالي المشترطين انتفاء الإشعار بالنقص دون التوقيف ، والجواب بأن هذا من قبيل [ ص: 313 ] اسم المفاعلة الذي غلب فيه معنى الفعل دون الصفة فالتحق بالأفعال التي لا تتوقف إضافتها على توقيف ، ولذا توسع الناس فيها غير صحيح ، أما أولا فهي ليست من ذلك القبيل لفظا وهو واضح ، ولا معنى وكونها تقتضي تعلقا تؤثر فيه لا يختص بها بل أكثر الأسماء التوفيقية كذلك ، وأما ثانيا فمن الذي صرح على طريقة الأشعري بأن الأسماء أو الصفات التي من باب المفاعلة لا تقتضي توقيفا ، بل الفعل لا بد فيه من التوقيف لكن الفرق بينه وبين الاسم والصفة أن هذين لا بد من ورود لفظهما بعينه ولا يجوز اشتقاقهما من فعل أو مصدر ورد كما صرحوا به بخلاف الفعل لا يشترط ورود لفظه ، بل يكفي ورود معناه أو مرادفه ، بل عدم إشعاره بالنقص وإن لم يردا ، وهذا وإن لم أر من صرح به كذلك إلا أنه ظاهر من فحوى عبارات الأصوليين فتأمله . ويسن أن تقرأ عليه آية آل عمران { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } وأن يوضع المصحف في حجره ، ويحلف الذمي بما يعظمه مما نراه نحن لا هو ولا يجوز التحليف بنحو طلاق أو عتق ، بل يلزم الإمام عزل من فعله أي : إن لم يكن يعتقده كما هو ظاهر ، وقد يختص التغليظ بأحد الجانبين كما إذا ادعى قن على سيده عتقا أو كتابة فأنكره السيد فتغلظ عليه إن بلغت قيمته نصابا فإن رد اليمين على القن غلظ عليه مطلقا ؛ لأن دعواه ليست بمال

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

( فصل تغلظ يمين مدع ومدعى عليه إلخ )

[ ص: 312 ] قوله : يلزم من حلفه طلاقه ظاهرا ) أي : ؛ لأن هذا الحلف يغلظ ؛ لأنه فيما ليس بمال ، وذلك يقتضي الحنث ، وقد يمنع هذا اللزوم إذ يمكن أن يحلف يمينا غير مغلظة أنه سبق له حلف بما ذكر ، إذ التغليظ مندوب فيجوز تركه خصوصا هنا ؛ لضرورة الحلف فليتأمل . ( قوله : وقد يفرق بأن نحو المرض عذر ) لا يخفى ما في هذا الفرق [ ص: 313 ] قوله : بل عدم إشعاره بالنقص ) انظر هذا مع قوله بل الفعل لا بد فيه إلخ



حاشية الشرواني

( فصل ) في كيفية الحلف وضابط الحالف . ( قوله : في كيفية الحلف ) إلى قول المتن وسبق في النهاية إلا قوله : واعترض إلى لا في اختصاص . ( قوله : وما يتفرع عليه ) أي الحلف . ( قوله : اليمين المردودة ) إلى قوله واعترض في المغني إلا قوله : ويظهر إلى المتن . ( قوله : ومع الشاهد ) أي اليمين مع الشاهد مغني ، وقضية اقتصارهم على تينك الصورتين أنه لا تغلظ يمين الاستظهار فليراجع . ( قوله : بنحو طلاق إلخ ) عبارة المغني والأسنى ولا يغلظ على [ ص: 312 ] حالف أنه لا يحلف يمينا مغلظة بناء على أن التغليظ مستحب ، ولو كان حلفه بغير الطلاق كما هو قضية النص ا هـ . ( قوله : في ذلك ) أي في أنه لا يحلف إلخ ع ش . ( قوله : يلزم من حلفه طلاقه ) أي : لأن هذا الحلف يغلظ ؛ لأنه فيما ليس بمال إلخ ، وذلك يقتضي الحنث ، وقد يمنع هذا اللزوم إذ يمكن أن يحلف يمينا غير مغلظة أنه سبق له حلف بما ذكر إذ التغليظ مندوب فيجوز تركه خصوصا لضرورة الحلف فليتأمل سم . ( قوله : ظاهرا ) أي : لزوما ظاهرا . ( قوله : فساوى ) أي : قوله : أنه حلف أنه لا يحلف إلخ . ( قوله : ووكالة ) أي : وقود ووصاية وتغلظ في الوقف إن بلغ نصابا على المدعي والمدعى عليه ، وأما الخلع ، فالقليل من المال إن ادعاه الزوج وأنكرت الزوجة وحلفت أو نكلت وحلف هو فلا تغليظ على واحد منهما ، وإن ادعته وأنكر وحلف أو نكل وحلفت هي غلظ عليهما ؛ لأن قصدها الفراق وقصده استدامة النكاح ، أما الخلع بالكثير فتغلظ فيه مطلقا مغني وروض مع شرحه . ( قوله : ولو في درهم ) أي : لأن المقصود من الوكالة إنما هو الولاية رشيدي .

( قوله : فغلظ ) أي : الحلف عبارة المغني فشرع التغليظ ا هـ . ( قوله : كخيار إلخ ) أي : وحق الشفعة أسنى ومغني . ( قوله : وهو كما قالاه إلخ ) عبارة المغني قضية كلام المصنف التغليظ في أي نصاب كان من نعم ونبات وغيرهما ، وهو وجه حكاه الماوردي ويلزم عليه التغليظ في خمسة أوسق من شعير وذرة وغيرهما لا يساوي خمسين درهما والذي في الروضة وأصلها اعتبار عشرين مثقالا ذهبا أو مائتي درهم فضة تحديدا ، والمنصوص في الأم والمختصر اعتبار عشرين دينارا عينا أو قيمة وقال البلقيني : إنه المعتمد حتى لو كان المدعى به من الدراهم اعتبر بالذهب ا هـ . والأوجه كما قال شيخنا اعتبار عشرين دينارا أو مائتي درهم أو ما قيمته أحدهما ا هـ . ( قوله : وما أوهم التعين إلخ ) أي : من نص الأم والمختصر . ( قوله : ولا فيما دون نصاب إلخ ) أي : وإن كان ليتيم أو لوقف ع ش . ( قوله : نعم إن رآه إلخ ) عبارة المغني والأسنى نعم للقاضي ذلك فيما دون النصاب إن رآه لجراءة يجدها في الحالف ا هـ . وعبارة ع ش قوله : إن رآه الحاكم أي : فيما دون النصاب ا هـ . انظر هل الاختصاص مثل ما دون النصاب في ذلك أم لا ؟ ، وقضية إطلاق الشارح والنهاية الأول فليراجع وسيأتي عن ع ش ما يوافقه . ( قوله : وبحث البلقيني أن له فعله إلخ ) هذا التعبير يقتضي أنه يمتنع عليه التغليظ بغير الأسماء والصفات فانظر هل هو كذلك ؟ وما وجهه ؟ رشيدي أقول يظهر أن الأمر كما اقتضاه ، ووجهه زيادة إيذاء الحالف .

( قوله : مطلقا ) أي : في المال وغيره بلغ نصابا أم لا وشمل ذلك الاختصاص فقضيته أن له تغليظ اليمين فيه ع ش . ( قوله : بالزمان ) إلى قوله : ويظهر في المغني . ( قوله : في غير نحو مريض إلخ ) عبارة المغني ويستثنى من إطلاق المصنف المريض الذي به مرض شاق والزمن والحائض والنفساء فلا يغلظ عليهم بالمكان لعذرهم ا هـ . ( قوله : ويظهر أن يلحق إلخ ) قضية ما مر آنفا عن المغني عدم الإلحاق . ( قوله : به ) أي : المكان حينئذ أي : إذ كان الحالف نحو مريض أو حائض . ( قوله : على ذلك ) أي : استثناء نحو المريض . ( قوله : وقد يفرق إلخ ) لا يخفى ما في هذا الفرق سم . ( قوله : وغيرهما ) بالجر عطفا على الزمان ويحتمل رفعه عطفا على المكان . ( قوله : نعم ) إلى قوله ويسن في النهاية وإلى قوله : أما أولا في المغني إلا قوله : وبتكرير اللفظ وقوله : وهي معروفة إلى من الطالب . ( قوله : وهي معروفة ) كأن يقول : والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم السر والعلانية مغني وأسنى . ( قوله : فيها ) أي : اليمين . ( قوله : لا توقيف فيه ) عبارة المغني لم يرد توقيف في الطالب الغالب ا هـ . ( قوله : أو الغزالي ) كذا في أصله بخطه رحمه الله تعالى [ ص: 313 ] وكأن الظاهر والغزالي بالواو وسيد عمر . ( قوله : اسم المفاعلة ) يعني اسم دال على المشاركة . ( قوله : غير صحيح ) خبر قوله والجواب عبارة المغني أجيب بأن هذا إلخ قال الأذرعي : والأحوط اجتناب هذه الألفاظ ، ولهذا لم يذكره الشافعي وكثيرون من الأصحاب ا هـ . وهو كما قال ا هـ . ( قوله : وكونها تقتضي ) أي : من جهة تحقق مدلولاتها . ( قوله : تعلقا ) أي : متعلقا .

( قوله : التوفيقية إلخ ) لعل حق المقام الغير التوفيقية . ( قوله : فمن الذي إلخ ) استفهام إنكاري . ( قوله : ولا يجوز ) أي : لا يكفي في جواز إطلاقهما . ( قوله : أو مرادفه ) لعله من عطف الخاص . ( قوله : بل عدم إشعاره بالنقص إلخ ) هذا لا يلائم قوله آنفا : بل الفعل لا بد فيه من التوقيف سيد عمر وسم . ( قوله : وإن لم يرد ) أي : معناه ومرادفه . ( قوله : وهذا ) أي قوله : بل عدم إشعاره إلخ . ( قوله : ويسن ) إلى قوله ، ويفرق في المغني إلا قوله : أي : إن لم يكن إلى ، وقد يختص وقوله : ولا أعلمك ابن أبي وإلى قول المتن ، ولو ادعى دينا في النهاية . ( قوله : وأن يوضع المصحف في حجره ) أي : ولم يحلف عليه ؛ لأن المقصود تخويفه بحلفه بحضرة المصحف ع ش وكلام المغني يفيد أن الحلف على المصحف مستحب أيضا عبارته ويحضر المصحف ويوضع في حجر الحالف قال الشافعي : وكان ابن الزبير ومطرف قاضي صنعاء يحلفان به ، وهو حسن وعليه الحكام باليمن وقال رضي الله تعالى عنه في باب كيفية اليمين من الأم : وقد كان من حكام الآفاق من يستحلف على المصحف ، وذلك عندي حسن وقال القاضي : وهذا التغليظ مستحب ا هـ . ( قوله : ويحلف الذمي إلخ ) عبارة المغني هذا إذا كان الحالف مسلما فإن كان يهوديا حلفه القاضي بالله الذي أنزل التوراة على موسى ونجاه من الغرق أو نصرانيا حلفه بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى أو مجوسيا أو وثنيا حلفه بالله الذي خلقه وصوره ا هـ . زاد الأنوار ولو حلف مسلما بالله الذي أنزل التوراة على موسى أو الإنجيل على عيسى جاز ا هـ . ( قوله : لا هو ) كقوله والله الذي أرسل كذا أو أنزل كذا من رسول أو كتاب لا نعرفهما مغني .

( قوله : ولا يجوز التحليف إلخ ) أي : من القاضي فلو خالف وفعل انعقدت يمينه حيث لا إكراه منه ع ش وينبغي حمله على ما إذا كان يعتقده القاضي كما يأتي في بحث اعتبار نية القاضي عن شرح المنهج ومحشيه الزيادي . ( قوله : بنحو طلاق إلخ ) كنذر مغني . ( قوله : أي : إن لم يكن إلخ ) أي : القاضي الذي يفعله قال المغني : وقال ابن عبد البر : لا أعلم أحدا من أهل العلم يرى الاستحلاف بذلك ا هـ . ( قوله : لأن دعواه ليست بمال ) أي : وإن كان حلفه مفوتا للمال على السيد ع ش



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث