الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب الجهاد

[ ص: 496 ] كتاب الجهاد الدعوة قبل القتال قلت لعبد الرحمن بن القاسم : هل كان مالك يأمر بالدعوة قبل القتال ؟

قال : نعم كان يقول لا أرى أن يقاتل المشركون حتى يدعوا ، قلت : ولا يبيتون حتى يدعوا ؟

قال : نعم ، قلت : وسواء إن غزوناهم نحن أو أقبلوا هم إلينا غزاة فدخلوا بلادنا ، لا نقاتلهم نحن في قول مالك حتى ندعوهم ؟

قال : قد أخبرتك بقول مالك ولم أسأله عن هذا وهذا كله سواء عندي . قلت : وكيف الدعوة في قول مالك ؟

قال : لم أسمع من مالك فيها شيئا ، ولكن ندعوهم إلى الله ورسوله فيسلموا أو يعطوا الجزية ، وذكر عن مالك أيضا أما من قارب الدواب فالدعوة مطروحة عنهم لعلمهم بما يدعون إليه وما هم عليه من البغض والعداوة للدين وأهله من طول معارضتهم للجيوش ومحاربتهم لهم ، فلتطلب غرتهم ولا يحدث لهم الدعوة إلا تحذيرا وأخذ العدة لمحاربة المسلمين ومنعا لما رجاه المسلمون من الظهور عليهم ، وأما من بعد وخيف أن لا تكون ناحيته ناحية من أعلمتك ، فإن الدعوة أقطع للشك وأبر للجهاد يبلغ ذلك بك ، وبه ما بلغ وبها تنال علم ما هم عليه من الإجابة لك .

ابن وهب : ولعله أن لا يكون عالما وإن ظننت أنه عالم ، الليث بن سعد وابن لهيعة وعميرة بن أبي ناجية ويحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد أنه قال : لا بأس بابتغاء عورة العدو بالليل والنهار ، لأن دعوة الإسلام قد بلغتهم ، وقد كان رسول الله بعث إلى خيبر فقتلوا أميرهم ابن أبي الحقيق غيلة ، وإلى صاحب بني لحيان من قتله غيلة ، وبعث نفرا فقتلوا آخرين إلى جانب المدينة من اليهود منهم ابن الأشرف .

قال يحيى بن سعيد : وكان عمر بن عبد العزيز يأمر أمراء جيوشه أن لا ينزلوا بأحد من العدو إلا دعوهم ، قال ابن يحيى : ولعمري إنه لحقيق على المسلمين أن لا ينزلوا بأحد من العدو [ ص: 497 ] في الحصون ممن يطمعون به ويرجون أن يستجيب لهم إلا دعوه ، فأما من إن جلست بأرضك أتوك وإن سرت إليهم قاتلوك ، فإن هؤلاء لا يدعون ولا يدعى مثلهم ولو طمع بهم لكان ينبغي للناس أن يدعوهم .

قال : وأخبرني القاسم بن عبد الله عن حسين بن عبد الله عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب ، أنه لم يكن يقاتل أحدا من العدو حتى يدعوهم ثلاث مرات . قلت لابن القاسم : وكان يفرق بين الروم في قتالهم وبين القبط ؟

قال : نعم ، قال : ولا يقاتلوا حتى يدعوا ، وقال أيضا : لا يبيتوا حتى يدعوا .

قلت : أكان مالك يرى أن يدعوا قبل أن يقاتلوا ولا يرى أن الدعوة قد بلغتهم ؟

قال : نعم .

قال ابن القاسم : وقال مالك في قتال السلابة تدعوه إلى أن يتقي الله ويدع ذلك ، فإن أبى فقاتله وإن عاجلك عن أن تدعوه فقاتله ، قال : وكذلك أهل الحرب إن عاجلوك عن أن تدعوهم فقاتلهم ، قال ابن القاسم : وإن طلبت السلابة الطعام أو الثوب أو الأمر الخفيف فأرى أن يعطوا ولا يقاتلوا ، كذلك سمعته من مالك .

قال ابن القاسم : وسأل مالكا رجل من المغرب فقال : يا أبا عبد الله إنا نكون في حصوننا فيأتينا قوم يكابرونا يريدون أنفسنا وأموالنا وحريمنا ، أو قال : أموالنا وأهلينا ؟

قال : ناشدوهم الله في ذلك فإن أبوا وإلا فالسيف .

قال : وسئل مالك عن قوم أتوا إلى قوم في ديارهم فأرادوا قتالهم وأخذ أموالهم ؟

قال : قال مالك : ناشدوهم الله فإن أبوا فالسيف . ابن وهب عن عقبة بن نافع عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال : إن كان عدوا لم تبلغه الدعوة ولا أمر النبوة ، فإنهم يدعون ويعرض عليهم الإسلام والحق ، وتسير إليهم الأمثال وتضرب لهم العبر ويتلى عليهم القرآن ، حتى إذا بلغ العذر في دعائهم وأبو طلبت غرتهم والتمست غفلتهم ، وكان الدعاء ممن أعذر في ذلك إليهم بعد الأعذار تحذيرا لهم . مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى خيبر أتاها ليلا ، وكان إذا جاء قوما ليلا لم يغر حتى يصبح ، فلما أصبح خرجت عليه يهود خيبر بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوا قالوا : محمد والله محمد والخميس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { الله أكبر الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين } .

ابن وهب عن خالد بن حميد المهري ، أن إسحاق بن أبي سليمان الأنصاري حدثهم ، أنه سأل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن رجل عرض له لص ليغصبه ماله ، فرماه فنزع عينه هل عليه دية ؟

قال : لا ولا نفسه ، قلت لربيعة : عمن تذكر هذا ؟ فقال : كان سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف يخبران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من قتل دون ماله فأفضل شهيد قتل في الإسلام بعد أن يتعوذ بالله وبالإسلام ثلاث مرات فإن قتل اللص فشر قتيل قتل في الإسلام } .

وقال إسحاق : وكان مسلم بن أبي مريم يرى هذا ، ابن وهب ، عن عمر بن محمد بن زيد عن عاصم بن عبيد الله عن سعيد بن زيد [ ص: 498 ] عن عمرو بن نفيل ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من قاتل دون ماله حتى يقتل فهو شهيد } . ابن وهب عن جرير بن حازم عن يحيى بن عتيق قال : قلت للحسن : يا أبا سعيد إنا نخرج تجارا فيعرض لنا قوم يقطعون علينا السبيل من أهل الإسلام ؟ قال : أيها الرجل قاتل عن نفسك وعن مالك . ابن وهب .

قال أشهل بن حاتم عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين ، أنه قال : ما علمت أن أحدا من الناس ترك قتال من يريد نفسه وماله آثما ، وكانوا يكرهون قتال الأمراء . ابن وهب ، عن جرير بن حازم عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين أنه قال : ما علمت أحدا ترك قتال الحرورية واللصوص تحرجا إلا أن يجبن الرجل فكذلك المسكين لا يلام . ابن وهب ، عن محمد بن عمرو عن ابن جريج دم عن عمرو بن شعيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من حمل علينا السلاح فليس منا ولا راصدا بالطريق } . ابن وهب ، عن مالك وعبد الله بن عمر ويونس وأسامة بن زيد وغيرهم ، أن نافعا أخبرهم عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من حمل علينا السلاح فليس منا } ، هذه الآثار كلها لابن وهب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث