الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          صفحة جزء
          الفصل الرابع : العصمة من الشيطان

          واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبي - صلى الله عليه وسلم - من الشيطان وكفايته منه ، لا في جسمه [ ص: 473 ] بأنواع الأذى ، ولا على خاطره بالوساوس .

          وقد أخبرنا القاضي الحافظ أبو علي - رحمه الله - قال : حدثنا أبو الفضل بن خيرون العدل ، حدثنا أبو بكر البرقاني ، وغيره ، حدثنا أبو الحسن الدارقطني ، حدثنا إسماعيل الصفار ، حدثنا عيسى الترقفي ، حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا سفيان عن منصور عن سالم بن أبي الجعد ، عن مسرور ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما منكم من أحد إلا وكل به قرينه من الجن ، وقرينه من الملائكة .

          قالوا : وإياك يا رسول الله ؟ قال : وإياي ، ولكن الله - تعالى - أعانني عليه فأسلم
          . زاد غيره عن منصور : فلا يأمرني إلا بخير .

          وعن عائشة بمعناه .

          وروي : فأسلم بضم الميم ، أي فأسلم أنا منه .

          وصحح بعضهم هذه الرواية ، ورجحها .

          وروي : فأسلم يعني القرين أنه انتقل من حال كفره إلى الإسلام ، فصار لا يأمر إلا بخير ، كالملك .

          وهو ظاهر الحديث .

          ورواه بعضهم : فاستسلم .

          قال القاضي أبو الفضل وفقه الله : فإذا كان هذا حكم شيطانه وقرينه المسلط على بني آدم ، فكيف بمن بعد منه ، ولم يلزم صحبته ، ولا أقدر على الدنو منه ؟ .

          وقد جاءت الآثار بتصدي الشياطين له في غير موطن ، رغبة في إطفاء نوره ، وإماتة نفسه ، وإدخال شغل عليه ، إذ يئسوا من إغوائه فانقلبوا خاسرين ، كتعرضه له في صلاته ، فأخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأسره .

          ففي الصحاح : قال أبو هريرة ، عنه - صلى الله عليه وسلم - : إن الشيطان عرض لي .

          قال عبد الرزاق : في صورة هر ، فشد علي يقطع علي الصلاة فأمكنني الله منه ، فذعته . ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا تنظرون إليه ، فذكرت قول أخي سليمان رب اغفر لي وهب لي ملكا [ ص : 35 ] الآية ، فرده الله خاسئا
          .

          وفي حديث أبي الدرداء عنه - صلى الله عليه وسلم - : إن عدو الله إبليس جاءني بشهاب من نار ليجعله في وجهي والنبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة ، وذكر تعوذه بالله منه ، ولعنه له ، ثم أردت آخذه ، وذكر نحوه ،

          [ ص: 474 ] وقال : لأصبح موثقا يتلاعب به ولدان أهل المدينة
          .

          وكذلك في حديثه في الإسراء ، وطلب عفريت له بشعلة نار ، فعلمه جبريل ما يتعوذ به منه ، ذكره في الموطأ ، ولما لم يقدر على أذاه بمباشرته تسبب بالتوسط إلى عداه ، كقضيته مع قريش في الائتمار بقتل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وتصوره في صورة الشيخ النجدي .

          ومرة أخرى في غزوة بدر في صورة سراقة بن مالك ، وهو قوله : وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم [ الأنفال : 48 ] الآية . .

          ومرة ينذر بشأنه عند بيعة العقبة .

          وكل هذا فقد كفاه الله أمره ، وعصمه ضره ، وشره .

          وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : إن عيسى - عليه السلام - كفي من لمسه ، فجاء ليطعن بيده في خاصرته حين ولد ، فطعن في الحجاب .

          وقال - صلى الله عليه وسلم - حين لد في مرضه ، وقيل له : خشينا أن يكون بك ذات الجنب فقال : إنها من الشيطان ولم يكن الله ليسلطه علي .

          فإن قيل : فما معنى قوله تعالى - : وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله [ الأعراف : 200 ] فقد قال بعض المفسرين : إنها راجعة إلى قوله : وأعرض عن الجاهلين [ الأعراف : 199 ] ، ثم قال : وإما ينزغنك ، أي يستخفك غضب يحملك على ترك الإعراض عنهم فاستعذ بالله - تعالى - .

          وقيل : النزغ هاهنا الفساد ، كما قال - تعالى - : من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي [ يوسف : 100 ] .

          وقيل : ينزغنك : يغرينك ، ويحركنك . والنزغ : أدنى الوسوسة ، فأمره الله - تعالى - أنه متى تحرك عليه غضب على عدوه ، أو رام الشيطان من إغرائه به وخواطر أدنى وساوسه ، لم يجعل له سبيل إليه أن يستعيذ منه ، فيكفى أمره ، ويكون سبب تمام عصمته ، إذ لم يسلط عليه بأكثر من التعرض له ، ولم يجعل به قدرة عليه .

          وقد قيل في هذه الآية غير هذا .

          وكذلك لا يصح أن يتصور له الشيطان في صورة الملك ، ويلبس عليه ، لا في أول الرسالة ، ولا بعدها .

          والاعتماد في ذلك دليل المعجزة ، بل لا يشك النبي أن ما يأتيه من الله الملك ورسوله حقيقة إما بعلم ضروري يخلقه الله له ، أو ببرهان يظهره لديه ، لتتم كلمة ربك صدقا وعدلا ، لا مبدل لكلماته .

          فإن قيل : فما معنى قوله - تعالى - : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته [ الحج : 52 ] الآية . .

          فاعلم أن للناس في معنى هذه الآية أقاويل منها السهل ، والوعث والسمين ، والغث وأولى ما يقال فيها [ ص: 475 ] ما عليه الجمهور من المفسرين : أن التمني هاهنا التلاوة ، وإلقاء الشيطان فيها إشغاله بخواطر وأذكار من الدنيا لليالي حتى يدخل عليه الوهم والنسيان فيما تلاه ، أو يدخل غير ذلك على أفهام السامعين من التحريف وسوء التأويل ما يزيله الله ، وينسخه ، ويكشف لبسه ، ويحكم آياته .

          وسيأتي الكلام على هذه الآية بأشبع من هذا إن شاء الله .

          وقد حكى السمرقندي إنكار قول من قال بتسليط الشيطان على ملك سليمان وغلبته عليه ، وأن مثل هذا لا يصح .

          وقد ذكرنا قصة سليمان مبينة بعد هذا ومن قال : إن الجسد هو الولد الذي ولد له .

          وقال أبو محمد مكي في قصة أيوب : وقوله : أني مسني الشيطان بنصب وعذاب [ ص : 41 ] إنه لا يجوز لأحد أن يتأول أن الشيطان هو الذي أمرضه ، وألقى الضر في بدنه ، ولا يكون ذلك إلا بفعل الله وأمره ، ليبتليهم ويثيبهم .

          قال مكي : وقيل : إن الذي أصابه به الشيطان ما وسوس به إلى أهله .

          فإن قلت : فما معنى قوله - تعالى - عن يوشع : وما أنسانيه إلا الشيطان [ الكهف : 63 ] .

          وقوله عن يوسف : فأنساه الشيطان ذكر ربه [ يوسف : 42 ] .

          وقول نبينا - صلى الله عليه وسلم - ، حين نام على الصلاة يوم الوادي : إن هذا واد به شيطان .

          وقول موسى - عليه السلام - في وكزته : هذا من عمل الشيطان [ القصص : 15 ] .

          فاعلم أن هذا الكلام قد يرد في هذا على مورد مستمر كلام العرب في وصفهم كل قبيح ، من شخص أو فعل بالشيطان أو فعله ، كما قال - تعالى - : طلعها كأنه رءوس الشياطين [ الصافات : 65 ] .

          وقال - صلى الله عليه وسلم - : فليقاتله فإنما هو شيطان .

          وأيضا فإن قول يوشع لا يلزمنا الجواب عنه ، إذ لم يثبت له في ذلك الوقت نبوة مع موسى ، قال الله - تعالى - : وإذ قال موسى لفتاه [ الكهف : 60 ] .

          والمروي أنه إنما بعد موت موسى ، وقيل : قبيل موته .

          وقول موسى كان قبل نبوته بدليل القرآن .

          وقصة يوسف قد ذكر أنها كانت قبل نبوته .

          وقد قال المفسرون في قوله - تعالى - : فأنساه الشيطان [ يوسف : 42 ] قولين : أحدهما : أن الذي أنساه الشيطان ذكر ربه أحد صاحبي السجن ، وربه الملك ، أي أنساه أن يذكر للملك شأن يوسف - عليه السلام - .

          وأيضا فإن مثل هذا من فعل الشيطان ليس فيه تسلط على يوسف ، ويوشع بوساوس ، ونزغ ، وإنما هو بشغل خواطرهما بأمور أخر ، وتذكيرهما من أمورهما ما ينسيهما ما نسيا .

          وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : إن هذا واد به شيطان . فليس فيه ذكر تسلطه عليه ، ولا وسوسته له ، بل إن كان بمقتضى ظاهره فقد بين أمر ذلك الشيطان [ ص: 476 ] بقوله : إن الشيطان أتى بلالا ، فلم يزل يهدئه كما يهدأ الصبي حتى نام .

          فاعلم أن تسلط الشيطان في ذلك الوادي إنما كان على بلال الموكل بكلاءة الفجر .

          هذا إن جعلنا قوله : إن هذا واد به شيطان تنبيها على سبب النوم عن الصلاة .

          وأما إن جعلناه تنبيها على سبب الرحيل عن الوادي ، وعلة لترك الصلاة به ، وهو دليل مساق حديث زيد بن أسلم فلا اعتراض به في هذا الباب ، لبيانه وارتفاع إشكاله .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية