الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الثالث في تصرفات الغاصب

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 25 ] ( الفصل الثالث )

( في تصرفات الغاصب )

وفي الكتاب : إذا باع الأمة ممن لم يعلم بالغصب يوم عدوانه فماتت عند المبتاع فلا شيء عليه لعدم العدوان ، وضمن الغاصب القيمة يوم الغصب لأنه يوم عدوانه ، وتحقق سبب ضمانه ، ولك أخذ الثمن وتنفيذ البيع ، لأنه بيع فضولي ، والثمن بدل لمالك كالقيمة ، ولو قتلت عند المبتاع فأخذ أرشا ، ثم استحقت خيرت في قيمتها يوم الغصب من الغاصب بالثمن ، لبطلان البيع ، ولو قتلها المبتاع فلك أخذ قيمتها يوم القتل منه لأنه يوم عدوانه ، والأصل : ترتب المسبب على سببه ، ويرجع هو على الغاصب بالثمن ، قال ابن القاسم : وإنما ضمن المبتاع قيمتها لأن مالكا قال فيمن ابتاع طعاما فأكله أو ثيابا فلبسها حتى أبلاها : فله على المبتاع الطعام وقيمة الثياب ، وكل ما عرف هلاكه بأمر من الله من موت جارية أو الثياب أو الطعام لا يضمنه المبتاع ، لأن يده يد شبهة ولم يتعد ، ولو قطع المبتاع يدها أو فقأ عينها فله أخذها وتضمينه نقصها لذهابه بعدوانه ، ويرجع هو بالثمن على الغاصب لبطلان البيع ، ولك إجازة البيع وأخذ الثمن من الغاصب أو القيمة يوم الغصب ولو أبلى المبتاع الثوب باللبس ، وكقطعه يد الأمة ، قال التونسي : اختلف في جناية المشتري على العبد خطأ هل يضمنه ؟ وقيل : لا يضمنه ؛ لأنه أخطأ على مال غيره في الظاهر وأنت قادر على تضمين الغاصب وإجازة البيع وأخذ الثمن ، وإذا أبلى المشتري الثوب باللبس فإن عليه قيمته يوم لبسه ، وانظر لو ظهر الثوب عنده بعد شهرين من يوم البيع ، ثم ادعى ضياعه لما استحق ، هل يضمن قيمته يوم الشراء كالصناع والرهان على أحد القولين ، أو يوم رؤي بعد شهرين [ ص: 26 ] وهو الأشبه ؛ لأن الرهن والصناع إنما ضمنوا القيمة يوم التهم لإمكان أن يكونوا لما غيبوه بعد هذا فكأنهم قبضوه ليستهلكوه ، ولا ينتفعون برؤيته عندهم بعد شهرين ، والمشتري إنما قبضه على أنه ملكه ، وله إتلافه والانتفاع به ، وهو مع ذلك غير ضامن إن ظهر هلاك العين فلا تهمة عليه ، فإنما لك قيمته يوم رؤي عنده .

قال ابن يونس : قال أشهب : ولو استحقت الأمة بحرية رجع المشتري على بائعها بالثمن ، وكذلك بأنها أم ولد أو معتقة إلى أجل ، وقد ماتت عنده ، ولا يرجع في المدبرة بشيء ، قال محمد : والمكاتبة عندي كالأمة . وعن أشهب : إذا باعها الغاصب بمائة فقتلها المبتاع ، وقيمتها خمسون ، فأغرمنا المشتري خمسين رجع بها على الغاصب ، ورجعت على الغاصب بخمسين بقية الثمن الذي أخذ فيها . قال : والقياس : ما قاله ابن القاسم ، لأنك لما أغرمت المبتاع قيمتها فكأنك أخذت عين شيئك ، وانتقض البيع بين المشتري والغاصب ، فيرجع المشتري بجميع شيئه ، ولو كانت قيمتها يوم الغصب مائة وعشرين فباعها بمائة فقتلها المبتاع وقيمتها خمسون فأخذ بقيمتها من المشتري خمسين رجع المشتري على قول أشهب على الغاصب بخمسين ، وأنت بتمام القيمة يوم الغصب وذلك سبعون ، وعلى قول ابن القاسم يرجع المشتري على البائع بالثمن وهو مائة ، وترجع أنت على الغاصب بتمام القيمة يوم الغصب وذلك عشرون ، وفي العتبية : إذا جنى عليها خطأ فهو كالأمر السماوي ، وقال أشهب هو كالعمد ، ولك تضمينه القيمة لأنها جنايته ، وفي العتبية لو ادعى المبتاع أنها هلكت صدق فيما لا يغاب عليه من رقيق أو حيوان ، ويحلف فيما يغاب عليه : لقد هلكت ، ويغرم القيمة ، إلا أن يشهد بأن الهلاك من غير سببه ، قال اللخمي : فلو جنى عليها أجنبي عند المبتاع تخيرت بين أخذ القيمة من الغاصب يوم الغصب أو الثمن أو [ ص: 27 ] القيمة يوم البيع على أحد قولي ابن القاسم ، لأنه تعد ثان غير الغصب ، ويمضي البيع ، ويرجع المشتري على الجاني ، وعلى القول بمخالفة الخطإ للعمد يستويان ، إذا كان أجنبيا ، ومتى أجزت لزم ذلك المشتري ، إلا أن ذمتك ردية لكسبك حراما أو غيره ، واختلف إذا دفع المشتري الثمن للغاصب ، والغاصب فقير ، وقد أجزت البيع : فقيل لا شيء لك على المشتري ، وقيل : تأخذ الثمن منه ثانية ، وهو يصح على القول بأن إمضاء العقد بيع ، فيكون قد أجاز البيع دون القبض ، وعلى القول أن البيع التقابض : لا شيء على المشتري وإن علم المشتري ، وإن علم المشتري أن البائع غاصب وأحب الرد عليه قبل قدومك ، فذلك له إن كنت بعيد الغيبة لتضرره بانتظارك ، وهو في ضمانه ، وإن كنت قريب الغيبة فلا ، لأن الغاصب ظالم يجب منعه ، فلا يمكن ، وإن اشتراه الغاصب منك بعد أن باعه لم يكن له رد بيع نفسه ؛ لأنه أراد تحلل صنيعه ، ولو صرح قبل ذلك بأنه يريد ملكه لا تحلل صنيعه لكان له أن يأخذه ، ولو باع بعشرة ، ثم اشتراه منك بثمانية رجعت عليه بدينارين ؛ لأنك مستحق للثمن ، ولو أعلمك لم تتركه ، ولو باعه بثوب خيرت بين إجازة البيع بالثمانية ، أو يردها وتأخذ الثوب ، ولو تغير الثوب بنقص فلك أخذه لأنه غصب ثان ، لا يمنع أخذه النقص ، ولو بعته من المشتري بثمن يخالف الأول في القدر أو الجنس جاز ، ويرجع المشتري على الغاصب بما دفع إليه ، فإن كان الثمن الأول عرضا مما لم يتغير سوقه برجوعك - ورجوع المشتري في ذلك العرض مختلف - فتفيته حوالة السوق في رجوع الغاصب ؛ لأن المشتري سلط عليه ، فإن بعته من ثالث جاز ، إذا كان لا يحتاج إلى خصومة ، إما لأن الغاصب ذهبت قدرته أو تاب وسلم وكان الذي هو في يده متمكنا منه ، وإلا فلا ، لأنه بيع ما لا يقدر على تسليمه ، وإن اعترف البائع بعد البيع بالغصب لم يصدق على المشتري ، إذا لم يعرف ذلك إلا من قوله ، وكان مقالك مع الغاصب ، فتأخذه بالقيمة يوم يقول : [ ص: 28 ] إنه غصبه ، أو يجيز البيع ويأخذ الثمن ، ويختلف إذا كانت القيمة يوم البيع أكثر من الثمن : هل يطالبه بالقيمة يوم البيع لأنه تعد ثان ؟ وإذا اشتراه بخمسة ولم يقل اشتريته لصاحبه قال ابن القاسم : الخمسة لك ، وقال أشهب : لا شيء لك في الفضلة وتبقى للغاصب ، وقيل : ترد إلى من كان اشتراه بعشرة ، وقال محمد : إن اشتراه لنفسه أو لمن أمره بشرائه فالفضلة للغاصب ، أو ليرده عليك : فالفضلة لك ، ووجه قول ابن القاسم : أن الغاصب لا يربح ، وهو أحد القولين ، فيأخذ الفضل ، وإن لم يشتر لك ، ووجه قول أشهب ومحمد : أن الغاصب عينا وقد أخذها ، ولا مقال له فيما بين ذلك ، كالبيع الفاسد يباع في بعض ذلك بيعا صحيحا ، ثم يعود لمشتريه الأول : أنه يرد لبائعه الأول ، ولا مقال له ولا للمشتري فيما بين ذلك من ربح أو خسارة ، والقول بأن الخمسة لمن اشتراه بعشرة أحسن ، لأنك تأخذه بالاستحقاق بملك متقدم يوجب نقض ما وقع من العقود بعد الغصب ، فإن وهبه لم يكن لك إلا أخذه ، فإن نقص سوقه عند الغاصب ألزمته أعلى القيم إن كان عبدا للتجارة ، وتمضي الهبة ، فإن ارتفع سوقه عند الموهوب ثم نقص هل يغرم ذلك الغاصب ؟ خلاف ، فقد قال عبد الملك : يغرم الغاصب ما اغتله المشتري لأنه غرمك ذلك ، ولو غصبك وقيمته مائة فصارت مائة وثلاثين فنزلت بمائة وعشرين ، وباعه بمائة وعشرة ، ثم مات وقيمته مائة ، فعلى قوله في المدونة : لك الثمن لا غير ؛ لأنه أكثر من القيمة يوم الغصب ، وعلى قوله في الدمياطية : مائة وعشرون ، قيمته يوم البيع ؛ لأنه تعد ثان كما قاله إذا قتله . وعلى قول : مائة وثلاثون لأنها أعلى القيم في زمن كونه في يد الغاصب ، وعلى قول عبد الملك : مائة وأربعون لأنه حرمك إياها ، وإن حدث به عيب الموهوب : خيرت في إمضاء الهبة والقيمة يوم الغصب وبين أخذه ، ثم إن كان العيب حدث عند الغاصب عمدا أو خطأ ، أو عند الموهوب له خطأ ، [ ص: 29 ] فمقالك في العيب مع الغاصب ، أو من الموهوب له عمدا . فلك أخذ القيمة مع الموهوب له لتعمد الجناية ، وبه تبتدئ ، لأن الغاصب لم يسلط على قطع يده عمدا بخلاف اللباس والأكل ، فإن وجدته معسرا رجع بذلك على الغاصب ، وكذلك إن قتله عمدا خيرت كما في الطرف ، فإن جنى عليه أجنبي أخطأ أو عمدا أو قتله ، خيرت بين تضمين الغاصب وتمضي الهبة ، ويطالب الموهوب الجاني ، أو تضمن الجاني لأنه أحد المتعديين ، ويكون ذلك ردا للهبة والخطإ والعمد في هذا الخطإ ، والعمد في هذا سواء لعدم شبهة الأجنبي ، بخلاف الموهوب والمشتري ، وفيه خلاف ، فإن تعيب عنده ، ثم زال العيب عند الموهوب فلك على الغاصب قيمة نقص العيب ، وقيمته معيبا يوم الهبة إذا كانت يوم الهبة أكثر منها يوم الغصب ؛ لأن الهبة تعد ثان ، فإن أعتقه الغاصب فوجدته قائم العين فلك نقض العتق وأخذه لا غير ، وإن تغير فالقيمة يوم الغصب ، ويمضي العتق ، أو ترده وتأخذه معيبا وتأخذ بقيمة العيب ، وإن أعتقه المشتري ثم أدركه صاحبه ولم يتغير ، خير بين إجازة البيع ويمضي العتق أو يرده ويأخذه . وإلا لك تضمين الغاصب أو المشتري ؛ لأنه قادر على رد العتق ، ويأخذ عبده سليما ، فإن دخله عيب عند المشتري فله تضمين الغاصب القيمة يوم الغصب ، ويمضي البيع والعتق ، وله إمضاء البيع وأخذ الثمن ، أو يرد العتق ويأخذه معيبا ، لأنه عين ملكه ويرجع على الغاصب بقيمة العيب على القول الأفقه ، لأنه فوات تحت اليد العادية ، فإن حدث العيب عند الغاصب لك أخذه بقيمة العيب يوم الغصب ، ثم تخير في إمضاء البيع وأخذ الثمن ونقضه ورد العتق وتضمينه قيمته إذا كان العيب كثيرا ويمضي البيع والعتق . قال التونسي : إذا قتلت عند الغاصب فأغرمت الغاصب قيمتها يوم الغصب مائة ، وكانت قيمتها يوم الجناية مائة وعشرين ، فالزائد للغاصب على الجاني ، لأن الجناية طرأت على ما ملكه بتضمينك ، [ ص: 30 ] والزائد لك عند أشهب ؛ لأن الغاصب لا يربح عنده ، فإن أخذت قيمتها يوم الجناية من الجاني ثمانين ، وقيمتها يوم الغصب مائة ، رجعت عند ابن القاسم على الغاصب لفواته تحت يده ، قال : وينبغي على هذا لو كانت على الغاصب غرما لم يكن أحق بما أخذت من الغرماء ، لأنك أخذت ذلك عن الغاصب من غريم الغاصب ، فأنت أسوة غرماء الغاصب إلا أن تريد رفع الضمان على الغاصب فلا تتبعه ببقية القيمة ، وتكون أولى من الغرماء ، وإذا باع فأردت أخذ الثمن من المشتري ويرجع به المشتري على الغاصب : لم يكن عند ابن القاسم ، لأنك إذا أجزت البيع صار الغاصب كالموكل على البيع ، وله قبض الثمن ، وفيه اختلاف لأنك تغرم المشتري ثانية وهو متجه إذا كان الجاني دفع الجناية للغاصب أو المشتري ، لأنه دفعهما لغير مستحقها ، ويتبع هو من دفع إليه ، فإن رجعت على المشتري بالقيمة خمسين والثمن مائة : قال ابن القاسم : يرجع المشتري بجميع الثمن على الغاصب ، لأنك لما أخذت كأنك أخذت عين شيئك يوم استهلكه ، فانتقض البيع بينه وبين الغاصب ، فيرجع بالثمن . وقال أشهب : بل بخمسين ، والخمسون الأخرى لك ؛ لأن الغاصب لا يربح ، ولو وهب الثوب فأبلاه الواهب ، رجعت عند ابن القاسم على الواهب ، فإن لم يوجد أو كان عديما : فعلى الموهوب له بقيمته يوم لبسه ، ولا تراجع بينهما ؛ لأنا متى قدرنا على إجازة هبة الغاصب فعلنا كذلك ابتدأنا ، والموهوب عند متعد ، ولا علم عنده ، فإذا تعذر قامت الحجة لك لوضعه يده على مالك خطأ ، وخيرك محمد وأشهب بينهما ، كما إذا أبلاه المشتري ، والفرق : أن المشتري يرجع بالثمن بخلاف الموهوب ، وعندهما : إذا رجعت على الغاصب بقيمته يوم الغصب وهي أقل من قيمته يوم اللبس فلا تراجع بينهما ولا لك ؛ لأن الموهوب لم يلبس ليغرم ، وعن أشهب : لك الرجوع ؛ لأن الفائت مالك ، وفي الموازية : لو كانت يوم الغصب أكثر ، وأغرمت اللابس لم ترجع على الغاصب بتمام القيمة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث