الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفصل الثاني في بيان تفصيل المخارج

[ ص: 65 ] الفصل الثاني

في بيان تفصيل المخارج المختارة

وتفصيلنا لهذه المخارج سيكون إن شاء الله تعالى حسبما جاء في المذهب الثالث الذي هو سبعة عشر مخرجا، وفقا لما عليه الجمهور، ولما ذكره الحافظ ابن الجزري في الطيبة والمقدمة الجزرية، كما أنه سيكون حسب ترتيب المخارج الخمسة العامة والمتضمنة للسبعة عشر مخرجا الخاصة. فنقول وبالله التوفيق، ومنه نستمد العون والقول:

المخرج الأول: الجوف - أي: جوف الحلق والفم - وهو في اللغة الخلاء. وفي الاصطلاح الخلاء الداخل في الفم. ويخرج منه مخرج واحد، هو مخرج حروف المد الثلاثة، وهي الألف ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحا دائما كقال. والواو الساكنة المضموم ما قبلها كقولوا. والياء الساكنة المكسور ما قبلها كقيل، وهذه الحروف ليس لها حيز محقق تنتهي إليه كما لسائر الحروف غيرها، بل تنتهي بانتهاء الصوت، ولذا قبلت الزيادة على المد الطبيعي كما سيأتي في مراتب المد.

وقد أشار إلى هذا المخرج الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية بقوله:


فألف الجوف وأختاها وهي حروف مد للهواء تنتهي



المخرج الثاني: الحلق: ويخرج منه ثلاثة مخارج لستة أحرف وهي:

الأول: أقصاه - أعني أبعده مما يلي الصدر - ويخرج منه حرفان: الهمزة فالهاء.

الثاني: وسطه، ويخرج منه حرفان: العين فالحاء المهملتان.

الثالث: أدناه - أعني أقربه مما يلي الفم - ويخرج منه حرفان: الغين فالخاء المعجمتان، وقد أشار إلى مخارج الحلق الثلاثة الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية بقوله:

[ ص: 66 ]

ثم لأقصى الحلق همز هاء     ثم لوسطه فعين حاء
أدناه غين خاؤها ...      .................



المخرج الثالث: اللسان، ويخرج منه عشرة مخارج لثمانية عشر حرفا، وتنحصر في أربعة مواضع منه وهي: أقصاه ووسطه وحافته وطرفه، ففي أقصاه مخرجان لحرفين، وفي وسطه مخرج واحد لثلاثة أحرف، وفي حافته مخرجان لحرفين، وفي طرفه خمسة مخارج لأحد عشر حرفا، وها هي على النحو التالي:

الأول: أقصى اللسان - أعني أبعده مما يلي الحلق وما فوقه من الحنك الأعلى - ويخرج منه حرف واحد وهو القاف.

الثاني: أقصى اللسان من أسفل مع ما يحاذيه من الحنك الأعلى تحت مخرج القاف قليلا، ويخرج منه حرف واحد وهو الكاف، وهو أقرب إلى مقدم الفم من القاف وأبعد من الحلق.

الثالث: وسط اللسان وما يليه من الحنك الأعلى، ويخرج منه مخرج واحد لثلاثة أحرف، وهي الجيم فالشين فالياء، ونعني بالياء هنا غير المدية، وهي المتحركة مطلقا أو الساكنة بعد فتح كخير وشيء ويود.

أما الياء المدية وهي الساكنة إثر كسر كقيل فتقدم أنها تخرج من جوف الحلق على مذهب الجمهور، وعلى غيره من وسط اللسان مع المتحركة والساكنة إثر فتح.

الرابع: إحدى حافتي اللسان وما يليها من الأضراس العليا التي في الجانب الأيسر أو الأيمن، ويخرج منها حرف واحد وهو الضاد المعجمة، وخروجها من الحافة اليسرى أكثر وأيسر ومن اليمنى أصعب وأقل، ومن الحافتين معا أقل وأعسر، وهذا ما أشار إليه الإمام الشاطبي بقوله:


.... وهو لديهما     يعز وباليمنى يكون مقللا

اهـ

قال في نهاية القول المفيد: وكان صلى الله عليه وسلم يخرجها من الجانبين، وقيل: كان سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يخرجها من الجانبين [ ص: 67 ] أيضا.

وبالجملة فهي أصعب الحروف مخرجا، وأشدها على اللسان، ولا يمكن ضبط مخرجها إلا بالمشافهة.

قال الحافظ ابن الجزري في التمهيد: واعلم أن هذا الحرف ليس من الحروف حرف يعسر على اللسان غيره، والناس يتفاضلون في النطق به، اهـ.

الخامس: أدنى حافتي اللسان، أي أقربها إلى مقدم الفم بعد مخرج الضاد مع ما يليها من اللثة "أي لحمة الأسنان العليا" ويخرج منه حرف واحد وهو اللام، وليس في الحروف أوسع مخرجا منه. وخروج اللام من الحافة اليسرى أقل وأعسر، ومن اليمنى أكثر وأسهل، على العكس من الضاد، وخروجها من الحافتين معا عزيز وصعب كما في الضاد.

قال العلامة المارغني في النجوم الطوالع: "ويتأتى إخراج اللام من كلتا الحافتين إلا أن إخراجها من الحافة اليمنى أمكن بخلاف الضاد فإنها من اليسرى أمكن" اهـ.

السادس: طرف اللسان تحت مخرج اللام قليلا وما يحاذيه من لثة الثنيتين العلييين، ويخرج منه حرف واحد وهو النون الساكنة المظهرة ولو تنوينا والمدغمة في مثلها، وكذلك المتحركة مشددة كانت أو مخففة.

وخرج بهذا القيد النون المخفاة والمدغمة مطلقا في غير مثلها، فأما النون المخفاة فتتحول من طرف اللسان إلى قرب مخرج ما تخفى عنده من الحروف، وأما المدغمة مطلقا أي بالغنة أو بغيرها في غير مثلها فتتحول أيضا من طرف اللسان إلى مخرج ما تدغم فيه نفسه من الحروف، وهذا هو الصواب، خلافا لمن قال بأن مخرج النون في هاتين الحالتين يتحول من طرف اللسان إلى الخيشوم، ولمن قال بخروج المشددة من الخيشوم كذلك، وسيأتي في باب الغنة ما يوضح ذلك إن شاء الله تعالى.

[ ص: 68 ] السابع: طرف اللسان مع ظهره بالقرب من مخرج النون وما يحاذيه من لثة الثنيتين العلييين أيضا، ويخرج منه حرف واحد وهو الراء، ومن هنا يتضح أن النون والراء اشتركتا في المخرج من طرف اللسان وما يحاذيه من لثة الثنيتين العلييين إلا أن الراء أدخل إلى ظهر اللسان من مخرج النون، وهذا هو الفرق بينهما، فاعرفه.

هذا، وما ذكرناه من أن لكل من اللام والنون والراء مخرجا مستقلا هو ما قال به الجمهور، خلافا للفراء وموافقيه؛ حيث قالوا: إن مخرج الحروف الثلاثة واحد وهو طرف اللسان وما يحاذيه كما تقدم، والتحقيق ما قال به الجمهور؛ لأن طرف اللسان غير ظهره، وحافته غيرهما، وقد أشار الإمام ابن بري إلى مذهب الفراء والجمهور معا بقوله رضي الله عنه:


واللام من طرفه والراء     والنون هكذا حكى الفراء
والحق أن قد تناهى     له من الحافة من أدناها
والراء أدخل إلى ظهر اللسان     من مخرج النون فدونك البيان

اهـ

الثامن: طرف اللسان مع أصول الثنايا العليا، ويخرج منه ثلاثة أحرف: الطاء فالدال المهملتان فالتاء المثناة فوق.

التاسع: طرف اللسان ومن فوق الثنايا السفلى مع إبقاء فرجة قليلة بين طرف اللسان والثنايا عند النطق، ويخرج منه ثلاثة أحرف: الصاد فالزاي فالسين.

العاشر: طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا أي رءوسها، ويخرج منه ثلاثة أحرف: الظاء فالذال المعجمتان فالثاء المثلثة، وهذه الأحرف الثلاثة هي التي جرت [ ص: 69 ] عادة المعلمين لكتاب الله تعالى على النصح بإخراج اللسان عند النطق بها.

وإلى هنا انتهى كلامنا على مخارج اللسان العشرة، وتسمى كلها لسانية لخروجها من اللسان في الجملة، وإن كان يشاركه فيها غيره كما مر توضيحه، فتأمل.

وقد أشار إلى مخارج اللسان العشرة الحافظ ابن الجزري في الطيبة والمقدمة الجزرية بقوله:


........... والقاف     أقصى اللسان فوق ثم الكاف
أسفل والوسط فجيم الشين يا     والضاد من حافته إذ وليا
لأضراس من أيسر أو يمناها     واللام أدناها لمنتهاها
والنون من طرفه تحت اجعلوا     والرا يدانيه لظهر أدخلوا
والطاء والدال وتا منه ومن      عليا الثنايا والصفير مستكن
منه ومن فوق الثنايا السفلى     والظاء والذال وثا للعليا
من طرفيهما .........      ..............



المخرج الرابع: الشفتان: ويخرج منهما مخرجان لأربعة أحرف، فيخرج من الأول حرف واحد، ومن الثاني ثلاثة، وهما على النحو التالي:

الأول: باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا، ويخرج منه الفاء.

الثاني: ما بين الشفتين معا، ويخرج منه ثلاثة أحرف، وهي الواو والباء الموحدة والميم، لكن بانطباقهما في الميم والباء وانفتاحهما في الواو، أو انضمامهما وانطباق الشفتين في الباء أقوى من انطباقهما في الميم، ونعني بالواو [ ص: 70 ] هنا الواو غير المدية، وهي المتحركة مطلقا أو الساكنة بعد فتح كخوف.

أما الواو المدية وهي الساكنة بعد ضم كقولوا فتقدم أنها تخرج من جوف الحلق على مذهب الجمهور، وعلى غيره من بين الشفتين مع المتحركة والساكنة إثر فتح.

المخرج الخامس والأخير: الخيشوم، وهو خرق الأنف المنجذب إلى داخل الفم، وقيل: هو أقصى الأنف، ويخرج منه مخرج واحد، هو مخرج الغنة، أي: صوتها لا حروفها، كما سيأتي في مبحثها.

وقال بعضهم: وتكون (أي الغنة) في النون والميم الساكنتين حالة الإخفاء أو الإدغام بالغنة؛ فإن مخرج هذين الحرفين في هذه الحالة يتحول من مخرجه الأصلي الذي هو طرف اللسان بالنسبة للنون وبين الشفتين بالنسبة للميم إلى الخيشوم على القول الصحيح، هذا بعض ما قاله أئمتنا في هذا المقام.

ويؤخذ منه أن مخرج النون والميم حال تحريكهما بالتخفيف أو بالتشديد أو حال سكونهما مع الإظهار يكون من طرف اللسان بالنسبة للنون، ومن بين الشفتين بالنسبة للميم وهو كذلك، وللكلام صلة تأتي في البحث الخاص بالغنة بعون الله تعالى.

وقد أشار إلى مخرجي الشفتين ومخرج الخيشوم الحافظ ابن الجزري في الطيبة والمقدمة الجزرية بقوله:


.... ومن بطن الشفه     فالفا مع أطراف الثنايا المشرفه
للشفتين الواو باء ميم     وغنة مخرجها الخيشوم



وإلى هنا انتهى كلامنا على مخارج الحروف على مذهب الجمهور مع التنبيه على مذهب الغير، والله أعلم.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث