الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          صفحة جزء
          الفصل السادس : رفع بعض الشبهات

          وقد توجهت هاهنا لبعض الطاعنين سؤالات ، منها :

          ما روي من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قرأ سورة والنجم وقال : أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى [ النجم : 19 - 20 ] قال : تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتها لترتجى ، ويروى : ترتضى . وفي رواية : إن شفاعتها لترتجى ، وإنها لمع الغرانيق العلى .

          وفي أخرى : والغرانقة العلى ، تلك للشفاعة ترتجى .

          فلما ختم السورة سجد ، وسجد معه المسلمون ، والكفار لما سمعوه أثنى على آلهتهم .


          وما وقع في بعض الروايات أن الشيطان ألقاها على لسانه وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتمنى أن لو نزل عليه شيء يقارب بينه وبين قومه .

          وفي رواية أخرى : أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه ، وذكر هذه القصة ، وأن جبريل - عليه السلام - جاء فعرض عليه السورة ، فلما بلغ الكلمتين قال له : ما جئتك بهاتين . فحزن لذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأنزل الله - تعالى - تسلية له : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم [ الحج : 52 ] الآية . .

          وقوله : وإن كادوا ليفتنونك [ الإسراء : 73 ] .

          فاعلم أكرمك الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين :

          أحدهما : في توهين أصله ، والثاني على تسليمه .

          أما المأخذ الأول فيكفيك أن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل ، وإنما أولع به وبمثله المفسرون ، والمؤرخون المولعون بكل غريب ، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم .

          وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال : لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء ، والتفسير ، وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف نقلته ، واضطراب رواياته ، وانقطاع إسناده ، واختلاف كلماته ، فقائل يقول : إنه في الصلاة ، وآخر يقول : قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة ، وآخر يقول : قالها ، وقد أصابته سنة ، وآخر يقول : بل حدث نفسه فسها ، وآخر يقول : إن الشيطان قالها على لسانه وإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما عرضها على جبريل قال : ما هكذا أقرأتك ، وآخر يقول : بل أعلمهم الشيطان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأها ، فلما بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك قال : والله ما هكذا نزلت إلى غير [ ص: 478 ] ذلك من اختلاف الرواة .

          ومن حكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين ، والتابعين لم يسندها أحد منهم ، ولا رفعها إلى صاحب ، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية ، والمرفوع فيه حديث شعبة : عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال فيما أحسب : الشك في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بمكة . . . وذكر القصة .

          قال أبو بكر البزار : هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا ، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد ، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير ، وإنما يعرف عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس فقد بين لك أبو بكر - رحمه الله - أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا .

          وفيه من الضعف ما نبه عليه ، مع وقوع الشك فيه ، كما ذكرناه ، الذي لا يوثق به ، ولا حقيقة معه .

          وأما حديث الكلبي فمما لا تجوز الراوية عنه ، ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه ، كما أشار إليه البزار : - رحمه الله - .

          والذي منه في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ والنجم ، وهو بمكة ، فسجد معه المسلمون ، والمشركون ، والجن ، والإنس .

          هذا توهينه من طريق النقل فأما من جهة المعنى فقد قامت الحجة ، وأجمعت الأمة على عصمته - صلى الله عليه وسلم - ، ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة ، إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله ، وهو كفر ، أو أن يتسور عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ، ويعتقد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل - عليه السلام - ، وذلك كله ممتنع في حقه - صلى الله عليه وسلم - ، أو يقول ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - من قبل نفسه عمدا ، وذلك كفر ، أو سهوا ، وهو معصوم من هذا كله .

          وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته - صلى الله عليه وسلم - من جريان الكفر على قلبه أو لسانه لا عمدا ، ولا سهوا ، أو أن يتشبه عليه ما يلقيه الملك بما يلقي الشيطان أو يكون للشيطان عليه سبيل ، أو أن يتقول على الله ، لا عمدا ، ولا سهوا ، ما لم ينزل عليه ، وقد قال الله - تعالى - : ولو تقول علينا بعض الأقاويل [ الحاقة : 44 ] الآية ، وقال - تعالى - : إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات [ الإسراء : 75 ] الآية ، ووجه ثان وهو استحالة هذه القصة نظرا ، وعرفا ، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام ، لكونه متناقض الأقسام ، ممتزج المدح بالذم ، متخاذل التأليف والنظم . ولما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا من بحضرته من المسلمين ، وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك ، وهذا لا [ ص: 479 ] يخفى على أدنى متأمل ، فكيف بمن رجح حلمه ، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه .

          ووجه ثالث : أنه قد علم من عادة المنافقين ، ومعاندي المشركين ، وضعفة القلوب ، والجهلة من المسلمين نفورهم لأول وهلة ، وتخليط العدو على النبي - صلى الله عليه وسلم - لأقل فتنة ، وتعييرهم المسلمين ، والشماتة بهم الفينة بعد الفينة ، وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة ، ولم يحك أحد في هذه القصة شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل ، ولو كان ذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة ، ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة ، كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء حتى كانت في ذلك لبعض الضعفاء ردة ، وكذلك ما روي في قصة القضية ، ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت ، ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت ، فما روي عن معاند فيها كلمة ، ولا عن مسلم بسببها بنت شفة ، فدل على بطلها ، واجتثاث أصلها .

          ولا شك في إدخال بعض شياطين الإنس أو الجن هذا الحديث على بعض مغفلي المحدثين ، ليلبس به على ضعفاء المسلمين .

          ووجه رابع : ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت : وإن كادوا ليفتنونك [ الإسراء : 73 ] الآيتين .

          وهاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه ، لأن الله - تعالى - ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري ، وأنه لولا أن ثبته لكاد يركن إليهم .

          فمضمون هذا ومفهومه أن الله - تعالى - عصمه من أن يفتري ، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلا ، فكيف كثيرا ! وهم يروون أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون ، والافتراء بمدح آلهتهم ، وأنه قال - صلى الله عليه وسلم - : افتريت على الله ، وقلت ما لم يقل ، وهذا ضد مفهوم الآية ، وهي تضعف الحديث لو صح ، فكيف ، ولا صحة له ؟ .

          وهذا مثل قوله - تعالى - في الآية الأخرى : ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء [ النساء : 113 ] .

          وقد روي عن ابن عباس : كل ما في القرآن كاد فهو ما لا يكون ، قال الله - تعالى - : يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار [ النور : 43 ] ، ولم يذهب . و أكاد أخفيها ولم يفعل .

          قال القشيري القاضي : ولقد طالبه قريش وثقيف إذ مر بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها ، ووعدوه الإيمان به إن فعل ، فما فعل ، ولا كان ليفعل .

          قال ابن الأنباري : ما قارب الرسول ، ولا ركن .

          وقد ذكرت في معنى هذه الآية تفاسير أخر ما ذكرناه من نص الله على عصمة رسوله ترد سفسافها ، فلم يبق في الآية إلا أن الله - تعالى - امتن على رسوله بعصمته ، وتثبيته مما كاده به الكفار ، وراموا من فتنته ، ومرادنا من ذلك تنزيهه ، وعصمته - صلى الله عليه وسلم - ، وهو مفهوم الآية .

          وأما المأخذ الثاني : فهو مبني على تسليم الحديث لو صح ، وقد أعاذنا الله من صحته ، ولكن [ ص: 480 ] على كل حال فقد أجاب على ذلك أئمة المسلمين بأجوبة ، منها الغث والسمين ، فمنها ما روى قتادة ، ومقاتل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أصابته سنة عند قراءته هذه السورة فجرى هذا الكلام على لسانه بحكم النوم .

          وهذا لا يصح ، إذ لا يجوز على النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله في حالة من أحواله ، ولا يخلقه الله على لسانه ولا يستولي الشيطان عليه في نوم ، ولا يقظة لعصمته في هذا الباب من جميع العمد ، والسهو .

          وفي قول الكلبي : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - حدث نفسه ، فقال ذلك الشيطان على لسانه .

          وفي رواية ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال : وسها ، فلما أخبر بذلك قال : إنما ذلك من الشيطان .

          وكل هذا لا يصح أن يقوله النبي - صلى الله عليه وسلم - لا سهوا ولا قصدا ، ولا يتقوله الشيطان على لسانه .

          وقيل : لعل النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في أثناء تلاوته على تقدير التقرير ، والتوبيخ للكفار ، كقول إبراهيم - عليه السلام - : هذا ربي [ الأنعام : 76 ] على أحد التأويلات .

          وكقوله : بل فعله كبيرهم هذا [ الأنبياء : 63 ] بعد السكت ، وبيان الفضل بين الكلامين ، ثم رجع إلى تلاوته .

          وهذا ممكن مع بيان الفضل ، وقرينة تدل على المراد ، وأنه ليس من المتلو ، وهو أحد ما ذكره القاضي أبو بكر .

          ولا يعترض على هذا بما روي أنه كان في الصلاة ، فقد كان الكلام قبل فيها غير ممنوع .

          والذي يظهر ، ويترجح في تأويله عنده ، وعند غيره من المحققين على تسليمه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان كما أمره ربه يرتل القرآن ترتيلا ، ويفصل الآي تفصيلا في قراءته ، كما رواه الثقات عنه ، فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات ، ودسه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات محاكيا نغمة النبي - صلى الله عليه وسلم - بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار ، فظنوها من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأشاعوها ، ولم يقدح ذلك عند المسلمين بحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله ، وتحققهم من حال النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذم الأوثان وعيبها على ما عرف منه .

          وقد حكى موسى بن عقبة في مغازيه نحو هذا ، وقال : إن المسلمين لم يسمعوها ، وإنما ألقى الشيطان ذلك في أسماع المشركين ، وقلوبهم ، ويكون ما روي من حزن النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذه الإشاعة ، والشبهة ، وسبب هذه الفتنة .

          وقد قال الله - تعالى - : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي [ الحج : 52 ] الآية . فمعنى تمنى : تلا ، قال الله - تعالى - : لا يعلمون الكتاب إلا أماني [ البقرة : 78 ] ، أي تلاوة .

          وقوله : فينسخ الله ما يلقي الشيطان [ الحج : 52 ] ، أي يذهبه ، ويزيل اللبس به ، ويحكم آياته .

          وقيل : معنى الآية هو ما يقع للنبي - صلى الله عليه وسلم - من السهو إذا قرأ فينتبه لذلك ، ويرجع عنه .

          [ ص: 481 ] وهذا نحو قول الكلبي في الآية : أنه حدث نفسه ، وقال : إذا تمنى ، أي حدث نفسه .

          وفي رواية أبي بكر بن عبد الرحمن نحوه .

          وهذا السهو في القراءة إنما يصح فيما ليس طريقه تغيير المعاني ، وتبديل الألفاظ ، وزيادة ما ليس من القرآن ، بل السهو عن إسقاط آية منه أو كلمة ، ولكنه لا يقر على هذا السهو ، بل ينبه عليه ، ويذكر به للحين على ما سنذكره في حكم ما يجوز عليه من السهو ، وما لا يجوز .

          ومما يظهر في تأويله أيضا أن مجاهدا روى هذه القصة : والغرانقة العلى ، فإن سلمنا القصة قلنا : لا يبعد أن هذا كان قرآنا ، والمراد بالغرانقة العلى ، وأن شفاعتهن لترتجى : الملائكة على هذه الرواية .

          وبهذا فسر الكلبي الغرانقة أنها الملائكة ، وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون الأوثان والملائكة بنات الله ، كما حكى الله عنهم ، ورد عليهم في هذه السورة بقوله : ألكم الذكر وله الأنثى [ النجم : 21 ] فأنكر الله كل هذا من قولهم ، ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح ، فلما تأوله المشركون على أن المراد بهذا الذكر آلهتهم ، ولبس عليهم الشيطان ذلك ، وزينه في قلوبهم ، وألقاه إليهم نسخ الله ما ألقى الشيطان ، وأحكم آياته ، ورفع تلاوة تلك اللفظتين اللتين ، وجد الشيطان بهما سبيلا للإلباس ، كما نسخ كثير من القرآن ، ورفعت تلاوته ، وكان في إنزال الله - تعالى - لذلك حكمة ، وفي نسخه حكمة ، ليضل به من يشاء ، ويهدي من يشاء ، وما يضل به إلا الفاسقين ، و ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم [ الحج : 53 ، 54 ] الآية . .

          وقيل : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قرأ هذه السورة ، وبلغ ذكر اللات ، والعزى ، ومناة الثالثة الأخرى خاف الكفار أن يأتي بشيء من ذمها فسبقوا إلى مدحها بتلك الكلمتين ليخلطوا في تلاوة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ويشنعوا عليه على عادتهم ، وقولهم : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون [ فصلت : 26 ]

          ونسب هذا الفعل إلى الشيطان لحمله لهم عليه وأشاعوا ذلك وأذاعوه وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله فحزن لذلك من كذبهم وافترائهم عليه فسلاه الله تعالى بقوله : وما أرسلنا من قبلك [ الحج : 52 ] الآية ، وبين للناس الحق من ذلك من الباطل ، وحفظ القرآن وأحكم آياته ، ودفع ما لبس به العدو ، كما ضمنه - تعالى - من قوله : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [ الحجر : 9 ] .

          ومن ذلك ما روي من قصة يونس - عليه السلام - ، وأنه وعد قومه العذاب عن ربه ، فلما تابوا كشف عنهم العذاب ، فقال : لا أرجع إليهم كذابا أبدا ، فذهب مغاضبا .

          فاعلم أكرمك الله أن ليس في خبر من الأخبار الواردة في هذا الباب أن يونس - عليه السلام - قال لهم : إن الله مهلككم ، وإنما فيه أنه دعا عليهم بالهلاك ، والدعاء ليس بخبر يطلب صدقه من كذبه ، لكنه قال لهم : إن العذاب مصبحكم وقت كذا وكذا ، [ ص: 482 ] فكان ذلك ، كما قال ، ثم رفع الله - تعالى - عنهم العذاب ، وتداركهم ، قال الله - تعالى - : إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي [ يونس : 98 ] الآية . .

          وروي في الأخبار أنهم رأوا دلائل العذاب ، ومخايله ، قاله ابن مسعود .

          وقال سعيد بن جبير : غشاهم العذاب كما يغشي الثوب القبر .

          فإن قلت : فما معنى ما روي من أن عبد الله بن أبي سرح كان يكتب لرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ثم ارتد مشركا ، وصار إلى قريش فقال لهم : إني كنت أصرف محمدا حيث أريد ، كان يملي علي [ عزيز حكيم ] فأقول أو [ عليم حكيم ] ؟ فيقول : نعم ، كل صواب .

          وفي حديث آخر : فيقول له النبي - صلى الله عليه وسلم - : اكتب كذا فيقول : أكتب كذا ؟ فيقول : اكتب كيف شئت ويقول : اكتب عليما حكيما ، فيقول أكتب : سميعا بصيرا ، فيقول له : اكتب كيف شئت .

          وفي الصحيح عن أنس - رضي الله عنه - أن نصرانيا كان يكتب للنبي - صلى الله عليه وسلم - بعدما أسلم ثم ارتد ، وكان يقول : ما يدري محمد إلا ما كتبت له .

          فاعلم ثبتنا الله ، وإياك على الحق ، ولا جعل للشيطان وتلبيسه الحق بالباطل إلينا سبيلا أن مثل هذه الحكاية أولا لا توقع في قلب مؤمن ريبا ، إذ هي حكاية عمن ارتد ، وكفر بالله ، ونحن لا نقبل خبر المسلم المتهم ، فكيف بكافر افترى هو ومثله على الله ، ورسله ما هو أعظم من هذا ! .

          والعجب لسليم العقل يشغل بمثل هذه الحكاية سره ، وقد صدرت من عدو كافر مبغض للدين ، مفتر على الله ، ورسوله ، ولم ترد عن أحد من المسلمين ، ولا ذكر أحد من الصحابة أنه شاهد ما قاله ، وافتراه على نبي الله ، إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون [ النحل : 105 ] الآية . .

          [ ، وما وقع من ذكرها في حديث أنس - رضي الله عنه - ، وظاهر حكايتها ، فليس فيه ما يدل على أنه شاهدها ، ولعله حكى ما سمع .

          وقد علل البزار حديثه ذلك ، وقال : رواه ثابت عنه ، ولم يتابع عليه ، ورواه حميد عن أنس ، قال : وأظن إنما سمعه من ثابت .

          قال القاضي أبو الفضل ، - وفقه الله - : ولهذا ، والله أعلم ، لم يخرج أهل الصحيح حديث ثابت ، ولا حميد . والصحيح حديث عبد العزيز بن رفيع عن أنس - رضي الله عنه - الذي خرجه أهل الصحة ، وذكرناه ، وليس فيه عن أنس قول شيء من ذلك من قبل نفسه إلا من حكايته عن المرتد النصراني ، ولو كانت صحيحة لما كان فيها قدح ، ولا توهيم للنبي - صلى الله عليه وسلم - فيما أوحي إليه ، ولا جواز للنسيان ، والغلط عليه ، والتحريف فيما بلغه ، ولا طعن في نظم القرآن وأنه من عند الله ، إذ [ ص: 483 ] ليس فيه لو صح أكثر من أن الكاتب قال له : عليم حكيم ، وكتبه ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : كذلك هو فسبقه لسانه أو قلمه لكلمة أو كلمتين مما نزل على الرسول قبل إظهار الرسول لها ، إذ كان ما تقدم مما أملاه الرسول يدل عليها ، ويقتضي وقوعها بقوة قدرة الكاتب على الكلام ، ومعرفته به ، وجودة حسه ، وفطنته ، كما يتفق ذلك للعارف إذا سمع البيت أن يسبق إلى قافيته ، أو مبتدأ الكلام الحسن إلى ما يتم به ، ولا يتفق في جملة الكلام ، كما لا يتفق ذلك في آية ، ولا سورة .

          وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - : كل صواب إن صح فقد يكون هذا فيما كان فيه من مقاطع الآي وجهان ، وقراءتان أنزلتا جميعا على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فأملى إحداها ، وتوصل الكاتب بفطنته ، ومعرفته بمقتضى الكلام إلى الأخرى ، فذكرها للنبي - صلى الله عليه وسلم - كما قدمناه ، فصوبها له النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ثم أحكم الله من ذلك ما أحكم ، ونسخ ما نسخ كما قد وجد ذلك في بعض مقاطع الآي ، مثل قوله - تعالى - : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم [ المائدة : 118 ] .

          وهذه قراءة الجمهور ، وقد قرأ جماعة : [ فإنك أنت الغفور الرحيم ] . وليست من المصحف .

          وكذلك كلمات جاءت على وجهين في غير المقاطع ، قرأ بهما جميعا الجمهور ، وثبتتا في المصحف ، مثل : وانظر إلى العظام كيف ننشزها [ البقرة : 259 ] ، وننشزها ، ويقضي الحق ، ويقص الحق .

          وكل هذا لا يوجب ريبا ، ولا يسبب للنبي - صلى الله عليه وسلم - غلطا ، ولا وهما .

          وقد قيل : إن هذا يحتمل أن يكون فيما يكتبه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس غير القرآن فيصف الله ، ويسميه في ذلك كيف يشاء .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية